مع تصاعد حدة التوتر في أوكرانيا، يُروِّج الصقور في الغرب لموقف أكثر تصادمية تجاه موسكو، حسب ما كتب ديفيد سافيليف وأرتين دير سيمونيان، في تحليل نشره موقع مجلة «ريسبونسبل ستيتكرافت» التابعة لمعهد كوينسي الأمريكي لفن الإدارة الرشيدة.

يلفت الكاتبان في مستهل تحليلهما إلى أن الخبراء يحثون على التعاون وبناء الثقة فيما يتعلق بالتوتر المتصاعد في أوكرانيا، قبل أن تخرج الأمور عن السيطرة، في وقتٍ تبدو فيه الولايات المتحدة وروسيا قريبتين من الانخراط في صراع عسكري في أوروبا.

مخاطر عالية

وينقل التحليل عن القائد العسكري، البريطاني الجنرال نيك كارتر، رئيس أركان الدفاع، قوله في مقابلة مع صحيفة «صنداي تايمز»: «خطر اندلاع حرب غير مقصودة بين روسيا والغرب أكبر مما كان عليه في أي وقت خلال الحرب الباردة».

ويتردد صدى مشاعر الجنرال البريطاني في موسكو، فقد قال ديمتري سوسلوف، عالم السياسة الروسي البارز الذي يشغل منصب نائب مدير مركز موسكو للدراسات الأوروبية والدولية الشاملة، لموقع «ريسبونسبل ستيتكرافت» إن روسيا «لا تريد الحرب»، لكن خطر نشوب حرب بين روسيا وحلف شمال الأطلسي (الناتو) مرتفع، «ويرجع ذلك ببساطة إلى التصعيد المستمر الذي حدث خلال السنوات الأخيرة».

Embed from Getty Images

الدور الروسي من منظورين

وأوضح الكاتبان أن التوترات الحالية في أوروبا الشرقية يمكن أن تؤدي إلى صراع كارثي يتركز على الحدود الروسية- الأوكرانية، وكذلك على الحدود البولندية- البيلاروسية، وآية ذلك أن التقارير الواردة عن تحركات للقوات الروسية بالقرب من الحدود الأوكرانية أثارت ضجة في الصحافة والمؤسسات الأمنية في العواصم الغربية، وبالإضافة إلى ذلك، يحظى استمرار أزمة اللاجئين على حدود بيلاروسيا وبولندا أيضًا بتغطية إعلامية كبيرة في الغرب. ويقول عديد من الصقور على جانبي الأطلسي إن الأزمات كلها جزء من «حرب هجينة»، يدبرها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

دولي

منذ أسبوع
مترجم: «أسوأ من الحرب».. هكذا يعيش اللاجئون على الحدود البولندية البيلاروسية

لكن الخبراء متشككون في هذا التصور؛ إذ يقول سام راماني، معلق جيوسياسي وزميل في المعهد الملكي للخدمات المتحدة، إنه لا ينبغي المبالغة في تقدير دور موسكو في الأزمة البيلاروسية. وقال: «روسيا تحمي بيلاروسيا من اللوم، ولكنها تحاول أيضًا تقييد سلوك لوكاشينكو الأكثر خطورة، مثل محاولة تعطيل صادرات الغاز الروسي إلى أوروبا».

وقال سوسلوف إن لوكاشينكو يريد «الحوار والاعتراف من الزعماء الأوروبيين، وهو ما يحصل عليه حتى الآن». والواقع أن لوكاشينكو، وبعد مكالمة هاتفية مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، نقل معظم اللاجئين بعيدًا عن الحدود البولندية إلى العاصمة البيلاروسية مينسك، على الرغم من أن بولندا لا تزال تشعر بالقلق.

نقطة الانفجار المحتملة

لذلك، وحسب ما يضيف الكاتبان، فإن نقطة الانفجار الرئيسة المحتملة بين الناتو وروسيا ليست بيلاروسيا، بل أوكرانيا، وبعد أن استخدم الجيش الأوكراني الطائرات المسيَّرة «بيرقدار» لتدمير وحدة مدفعية من الانفصاليين الموالين لروسيا في دونباس في أواخر أكتوبر (تشرين الأول)، بدأت روسيا في حشد قواتها على بعد 150 كيلومترًا من الحدود الأوكرانية، ويرجح هؤلاء الصقور أن روسيا تستعد لغزو، حتى إن البعض يجادل بأن بوتين يرى غزوًا كاملًا لأوكرانيا بوصفه وسيلة لترسيخ إرثه.

Embed from Getty Images

لكن سوسلوف يعتقد أن غزوًا واسع النطاق أمر غير مرجح، قائلًا إنه سيكون «غير مرغوب فيه، ومكلفًا للغاية لروسيا». وتاريخيًّا، ابتعدت روسيا ما بعد الاتحاد السوفيتي عن مثل هذه المساعي العسكرية الضخمة؛ إذ إنها لجأت بدلًا من ذلك إلى تكتيكات المنطقة الرمادية الأقل تكلفة، مثل استخدام الوكلاء والمرتزقة، وحرب المعلومات وغيرها من الأساليب غير التقليدية.

ونوَّه كاتبا التحليل إلى أن التاريخ الحديث يدعم وجهة نظر سوسلوف؛ ففي أعقاب وثيقة إستراتيجية دفاعية رسمية أصدرتها أوكرانيا في مارس (آذار)، والتي تضمنت إشارات محددة لاستعادة شبه جزيرة القرم بالقوة وسحق المتمردين في دونباس، بدأت القوات الروسية التحركات على الأرجح بوصفها دليلًا على عزمها على مواجهة أي هجوم أوكراني محتمل، ولم يحدث أي غزو شامل، بل حسمت الولايات المتحدة وروسيا المسألة دبلوماسيًّا.

حلقة مفرغة

وينقل الموقع عن جولي نيوتن، الباحثة الرئيسة في اتحاد الجامعات، وهو برنامج تدريبي يجمع بين الجامعات الروسية والغربية، مثل هارفارد وأوكسفورد ومعهد موسكو الحكومي للعلاقات الدولية (MGIMO)، قولها إن هناك حلقة مفرغة بين روسيا والولايات المتحدة؛ إذ «يعتقد الجانبان أن الجانب الآخر لا يمكن احتوائه إلا من خلال إظهار القوة».

وأشار الكاتبان إلى أن تصريحات بوتين الأخيرة تدعم منطق جولي؛ ففي حديثه إلى مسؤولي السياسة الخارجية يوم الخميس، قال بوتين: «لقد أُخِذَت تحذيراتنا الأخيرة على محمل الجد ولها تأثير، ويوجد نوع من التوتر هناك، ونحن بحاجة إلى أن يبقى هذا الوضع لأطول مدة ممكنة؛ حتى لا يفكروا في بدء صراع لا نحتاجه على حدودنا الغربية».

دولي

منذ أسبوع
6 أسئلة تشرح لك الصراع القائم الآن بين روسيا وأوروبا

وقال سوسلوف إنه يمكن منع التصعيد في المستقبل، من خلال إعادة التفكير وإنشاء «آليات لفض النزاعات بين روسيا وحلف شمال الأطلسي»، ولا توجد حاليًا آلية متفق عليها لفض المنازعات، مثل الخط الساخن بشأن المخاطر النووية الذي أنشئ بعد أزمة الصواريخ الكوبية، والذي يتعامل مع مخاوف نشوب «حرب عرضية» أو غير مقصودة.

لكن راماني يشير إلى أن «الحوار بين روسيا والناتو معقد بسبب الافتقار شبه الكامل للثقة بين الجانبين»، مضيفًا أن «مقاربات الناتو الأمنية داخل حدود روسيا، وتوسع الناتو، والثورات الملونة، والأزمات في أوكرانيا وليبيا وسوريا، وضعف العلاقات الثنائية بين روسيا ومعظم الدول الغربية» تُشكِّل بعض دوافع عدم الثقة.

وفي المجمل، أظهرت إدارة بايدن حكمة ودبلوماسية في تعاملاتها مع روسيا، بحسب التحليل، حتى ولو لم تتطابق خطاباتها الرنانة مع سياستها، بيد أن التصعيد الأخير قد يجعل الروس يعتقدون أن الولايات المتحدة عادت إلى موقفها العدائي.

معضلة أمنية كلاسيكية

وقال سوسلوف إن روسيا تقرأ تصريح وزير الدفاع الأمريكي، لويد أوستن، مؤخرًا بأن هناك «بابًا مفتوحًا لأوكرانيا في الناتو» على أن الأمريكيين «يريدون دمج أوكرانيا في الناتو بطريقة أو بأخرى». ولا تزال حقيقة هذه الوعود غير واضحة، في ضوء ما قالته فرنسا بأنها ستستخدم على الأرجح حق النقض (الڤيتو) ضد عضوية أوكرانيا، لأن تلك الخطوة قد تؤدي إلى صراع عسكري واسع النطاق.

وكما قال بن فريدمان، مدير السياسات في مؤسسة «أولويات الدفاع»، فإن الولايات المتحدة «تحتاج إلى العودة إلى التفكير بوضوح أكبر في التحالفات»، واستعادة قدرتها على «التمييز بين البلدان التي تدعمها أمريكا دبلوماسيًّا، وتلك التي ستخوض حربًا من أجلها».

Embed from Getty Images

ومع ذلك يعارض كثيرون في واشنطن الانخراط مع روسيا دبلوماسيًّا، ويفضلون بدلًا من ذلك الحفاظ على موقف المواجهة، وأشارت جولي إلى أن أنصار الدبلوماسية مع روسيا كثيرًا ما يُطلق عليهم «المدافعين عن بوتين»، وأن دوافع الروس «يفترض دائمًا أنها ليست سوى دوافع عدوانية، بدلًا من التفكير في أننا قد نتعامل مع دوامة الفعل ورد الفعل». وأضافت أن العلاقات بين روسيا وحلف الناتو تشكل «معضلة أمنية تقليدية»؛ إذ يتفاعل الطرفان مع سلوك الطرف الآخر، وتتصاعد التوترات بلا نهاية.

وبوسع إدارة بايدن أن تستخدم النفوذ السياسي أو الاقتصادي لتخفيف حدة التوترات وإيجاد حل سلمي للصراع الذي دام ثماني سنوات تقريبًا في شرق أوكرانيا، ولكن تحركات من قبيل ضخ مزيد من الأموال للجيش الأوكراني من شأنها أن تعقِّد أي تواصل دبلوماسي.

ويستشهد الكاتبان في ختام تحليلهما بقول أناتول ليفين، الباحث البارز في شؤون روسيا وأوروبا في معهد كوينسي، والصحافي حائز الجوائز، إن المشاركة السلمية بين الولايات المتحدة وروسيا ستكون مفيدة أيضًا لأوكرانيا، وأفاد ليفين بأنه «في الوقت الحالي، تتجه أوكرانيا نحو أسوأ سيناريو ممكن، وإذا وقعت حرب فسيكون ذلك سيئًا لروسيا وسيئًا للغرب، لكن الأمر سيكون أسوأ لأوكرانيا لأنها ستخسر ولن يساعدها الغرب».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد