قالت جود بلانشت في مقال لها على موقع مجلة «فورين بوليسي» إن الصين تشهد أشد أجواء القمع السياسي منذ حادثة ميدان تيانمان الشهير قبل ثلاثة عقود.

وأوضحت بلانشت أن معسكرات الاحتجاز الخاصة بمسلمي الإيجور ودفن الخطاب الفكري الذي ازدهر ذات يوم في الصين هي من معالم حكم الرئيس الحالي شي جين بينج، الذي سيطر هو وحزبه – الحزب الشيوعي الصيني – على جميع مناحي الحياة في الصين.

ينطبق على بينج مفهوم الدكتاتور؛ فهو يتبنى شعار ماو تسي تونج «الحزب يتحكم في كل شيء». لكن هذه المركزية المطلقة أضرت بالثقافة السياسية للبلاد؛ فهي لم تترك للأفراد أو المؤسسات فرصة للمساهمة في صعود الصين.

يتساءل المراقبون عن مستقبل المسار السياسي للصين – تشير بلانشت. هل ستنحدر نحو مزيد من الاستبداد، أم ستعود إلى قدر من التحرر مثل الذي شهدته مع مطلع الألفية؟ لسوء الحظ، لا نمتلك الكثير من البيانات التي قد تساعدنا على استشراف المستقبل، والفضل في ذلك إلى حجب المعلومات الصارم الذي تفرضه الصين. ومع ذلك، يظل من الأهمية بمكان التنبؤ بمستقبل قوة عظمى كالصين.

إليكم قائمة بعلامات على حدوث تغييرات في الوضع القائم في الصين، إما نحو مزيد من الاستبداد أو التحول نحو الإصلاح السياسي والاقتصادي.

أ- علامات على مزيد من الاستبداد

1- الترهيب الشديد

منذ ثلاث سنوات – تكشف بلانشت – تنتشر شائعات حول تزايد المعارضة الداخلية للرئيس شي جين بينج بما قد يهدد حكمه، مع أنه قضى معظم سنواته في السلطة في تحصين نظامه. إن هذا ديدن كل الطغاة الذين يخافون من معارضيهم. أوصى ملك فرنسا هنري الرابع عشر وريثه بالقول «يشتمل فن الحكم على اكتشاف فيمَ يفكر كل أمراء أوروبا، ومعرفة ما يحاول الناس إخفاءه عنا، ومراقبتهم عن كثب».

وعلى الرغم من سيطرة الرئيس الصيني على الأجهزة الأمنية والجيش، فلا سبيل أمامه للنجاة سياسيًّا سوى التصدي لأي معارضة منظمة. بيد أنه في نظام الحزب الواحد، حيث الولاء المطلق للرئيس إجباري، من الصعب تحديد من الوفي حقًّا للنظام ومن الذي يسايره حتى تتبدل الأحوال.

ولعل هذه التحديات قد تنشر الذعر – تؤكد بلانشت – مما قد يدفع شي جين بينج إلى السير على خطا الزعيم السوفييتي ستالين ويشن حملة تطهير ضد معارضيه السياسيين بحجة محاربة الفساد. وقد دشن حملته بالفعل، بعد أن سجن منافسيه المحتملين من قادة الحزب الشيوعي الصيني مثل بو شيلاي وسون زانكاي.

2-الشعور بالعظمة

ذكر المؤرخ ستيفن كوتكن في سلسلة مؤلفاته عن ستالين أنه كان لا يحب أن يمدحه أحد في بداية توليه السلطة قائلًا: «لماذا تمدحونني بمفردي وكأن رجلا واحدًا يقرر كل شيء؟». لكنه سرعان ما أصيب بجنون العظمة. اعترض ماو بالمثل على العلامات المبكرة لتعظيمه، لكنه استعان بها فيما بعد عندما رأى فعاليتها باعتبارها سلاحًا سياسيًّا.

يحصل كل زعيم صيني على نصيبه من المديح، لكن الإطراء الذي تلقاه شي تجاوز أسلافه. تتجلى بالفعل علامات التملق في الصين اليوم، مع ظهور تسميات مثل «زعيم الشعب» والدراسة الإلزامية لفكر الرئيس على تطبيق مخصص لكوادر حزبه. وإذا كان النظام السياسي يتصرف كما لو كان هناك عبادة لشخصية الزعيم حتى لو على سبيل النفاق، فإن المنتج الثانوي هو بيئة سياسية تهتم بالصوابية السياسية بإفراط وتخنق المناخ الفكري.

3-الولاية الثالثة لشي جين بينج

عندما ألغى في مارس (آذار) 2018 القيود على مدد الرئاسة – تنوه بلانشت – أعلن شي جين بينج فعليًّا رغبته في البقاء في السلطة مدى الحياة. لا ينبغي أن يشكل هذا مفاجأة، لأنه الاتجاه الطبيعي لجميع القادة السياسيين. يتعلم الشباب الأمريكي عن تخلي الرئيس جورج واشنطن عن السلطة والعودة إلى مزرعته بالتحديد لأن فعل التخلي عن الحكم نادر للغاية.

لم يكن شي جين بينج ليكشف عن نواياه في وقت مبكر للغاية ما لم يشعر بعدم وجود معارضة فعالة. ومع ذلك، فإن نية البقاء في السلطة تختلف عن القدرة على القيام بذلك، وسيأتي الاختبار الحقيقي لسيطرة شي على النظام السياسي في عام 2022 في مؤتمر الحزب العشرين، عندما سيتنحى عن قيادته للحزب بعد فترتين مدتهما خمس سنوات. إذا بقي في السلطة بعد هذا التاريخ، فلن يشير هذا فقط إلى مستوى غير عادي من السلطة السياسية، ولكنه سيشير أيضًا إلى أن مسار الصين سيظل موجهًا نحو أسلوب هيمنة الحزب الشيوعي الصيني الخاص بشي جين بينج.

4-بكين تحول هونج كونج إلى دولة بوليسية

حتى كتابة هذه السطور، يظل السؤال حول كيفية استجابة بكين للاضطرابات المستمرة في هونج كونج معلقًا في كل نقاش حول مستقبل المدينة. لكن الأمر الواضح هو أن بكين تعتقد أنه ليس لديها خيارات جيدة، ومن ثم نرى هذا التأخير غير العادي من جانب شي جين بينج وقيادة الحزب في الاستجابة. ومع ذلك، يمكن لمثل هذه التدخلات أن «تزيد من حدة التناقضات»، مما يجعل النزاع أكثر تعقيدًا على ما يبدو.

«نيويورك تايمز»: هل تتحول تظاهرات هونج كونج إلى مذبحة تيانانمن جديدة؟

 

إذا شعرت بكين بأنها مضطرة لاستخدام القوة لكسر الجمود – تضيف بلانشت – فستتحول هونج كونج إلى دولة بوليسية بحكم الأمر الواقع. وسيتبع ذلك تزايد القمع في البر الرئيسي أثناء مراقبة سلطات الحزب أي نشاط أو تحريض، وستغمر حملة دعائية ضخمة وسائل الإعلام الصينية. سوف تتدهور العلاقات مع العالم الخارجي بشدة، وستتواصل دوامة الذعر. ستكون هذه منطقة مجهولة بالنسبة إلى شي وقيادة الحزب الشيوعي الصيني، ولكن عندما يشعر الحزب بالتهديد، فإن ذاكرته العضلية هي الخوف والإكراه.

5- الدعم المالي محفز سياسي هائل للدولة

في أعقاب الأزمة المالية العالمية في عام 2008، أطلقت بكين برنامج تحفيز مالي واسع النطاق يساوي 11% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. كان الغرض هو حماية الصين من الركود الاقتصادي، إلا أن الأثر غير المقصود على المدى الطويل كان توسيع وتعميق النظام المترامي الأطراف للمؤسسات المملوكة للدولة والشركات شبه الخاصة المدعومة من الحزب. وقد عزز وصول شي إلى السلطة في أواخر عام 2012 هذا المسار.

كما كتب الاقتصادي نيكولاس لاردي في كتابه الأخير «عودة الدولة: نهاية الإصلاح الاقتصادي في الصين؟» في عام 2012، «أفسح النمو الخاص المدفوع بالسوق المجال أمام عودة دور الدولة في تخصيص الموارد وتقلص دور السوق والشركات الخاصة».

وفي الوقت الذي تواجه فيه اقتصادًا بطيئًا وتكافح من أجل التخلص من نظامها المتضخم والديون والتعامل مع الحرب التجارية المستمرة مع الولايات المتحدة، فإن إدارة شي جين بينج في حيرة بشأن حجم حزمة التحفيز التي يجب ضخها. إذا خرج الاقتصاد عن نطاق السيطرة، فمن المحتمل أن نشهد تراجعًا مثل عام 2008، مما سيؤدي إلى تعزيز القطاع العام على الاقتصاد الخاص.

ب- علامات على مزيد من التحرر

1- عودة الجاذبية الاقتصادية

إن الضرورات المالية لإدارة الدولة الأمنية الحديثة غير عادية – تقول بلانشت – حيث إن إنفاق الحزب الشيوعي الصيني على الأمن الداخلي يقدر الآن بنسبة 118% من ميزانية الدفاع الخارجية. في الواقع، كما قال الخبير الأمني السابق تشو يونغ كانغ في خطاب ألقاه عام 2010، فإن الحفاظ على الاستقرار الداخلي للصين «مرهق للغاية». وسيصبح من الصعب خدمة مستويات الديون المتراكمة في الصين «التي تبلغ الآن أكثر من 300% من الناتج المحلي الإجمالي» مع استمرار اقتصادها في التباطؤ.

كما تنتظر الصين أيضًا أزمة سكانية كبيرة في غضون سنوات قليلة، حيث تقلص عدد القوى العاملة وزاد عدد كبار السن بسرعة، مما يخلق كابوسًا ماليًا محتملاً. على مدى عقود، بدا الأمر كما لو أن الاقتصاد الصيني تحكمه مجموعة مختلفة من القواعد، مع تمتع المشرعين الصينيين بصلاحيات غير متاحة في الاقتصادات المتقدمة.

وربما تجبر عودة الثقل الاقتصادي الحزب الشيوعي الصيني على سن العديد من الإصلاحات الاقتصادية التي وعد بها منذ عقود، وآخرها خلال الجلسة الثالثة لمؤتمر الحزب الثامن عشر في عام 2013، بما في ذلك الإصلاح السياسي الدائم، وإتاحة مساحة أكبر للمجتمع المدني وتقليل القيود السياسية أمام المشرعين في البلاد.

2- تغيير في القيادة

على الرغم من أن احتمال إقالة شي جين بينج من منصبه ضئيلة، إلا أنها ليست مستحيلة بالمعنى الدقيق للكلمة. إن شي بشر ومقدر له الموت، على الرغم من القدرة الواضحة لقادة الأحزاب على العيش حياة طويلة بشكل غير عادي – ويرجع الفضل في ذلك جزئيًا إلى وحدة طبية مخصصة. وحتى لو افترضنا حدوث تغيير مفاجئ في القيادة، فإن احتمالية التحرير السياسي ضعيفة.

حتى في ظل دنج شياو بينج ذو التوجه الإصلاحي، لم تكن هناك رغبة جارفة لإصلاح النظام السياسي، وهي غريزة لم تتعزز إلا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي في عام 1991. ومع ذلك – تستدرك بلانشت – فإن عدة سنوات أخرى من الحكم غير الكفء من قبل الإدارة الحالية قد تشعل تحديًا قياديًا قائمًا على سوء إدارة الاقتصاد.

وقد يقوم معارضو شي جين بينج بتسريع هذه العملية، ليس عن طريق تحديه في البداية، ولكن عن طريق شل الحكومة ببطء من خلال التقاعس عن العمل. قد يمهد مؤتمر الحزب العشرين القادم في عام 2022 الساحة لجهد أكثر تضافرًا لإقالة بينج، ليدفع التحالف المنتصر نحو اتباع نهج أكثر تسامحًا تجاه المجتمع المدني ويدشن نظامًا للسياسة الاقتصادية أكثر ميلًا إلى الإصلاح.

3- تزايد الضغوط الداخلية

على الرغم من الجهود البطولية التي يبذلها بعض الإحصائيين والعلماء الاجتماعيين، فإن ما يفكر فيه الشعب الصيني في مجموعة من المسائل السياسية والسياسية الهامة لا يزال لغزًا أساسيًا. على سبيل المثال، ما مقدار الدعم الشعبي الذي يتمتع به الزعيم الصيني؟ تنقسم معظم المناقشات حول مدى ملاءمته إلى افتراضات بدلاً من البيانات الحقيقية. وبالإضافة إلى مشكلة حرية التعبير في دولة استبدادية، هناك أيضًا مسألة «تزوير التفضيل»، حيث يضمر الناس عكس ما يعلنونه بالفعل بسبب الضغط الاجتماعي. وهذا يعني أنه حتى سائق سيارة أجرة في بكين الذي يتباهى به كثيرون، قد لا يعطي المحللين صورة واضحة.

لكن الأمر المؤكد هو أن الحزب الشيوعي الصيني يمضي قدرًا كبيرًا من الوقت والموارد في محاولة لتخريب وإخضاع وسلب قدرة المواطنين الصينيين على التعبير بحرية عن آرائهم. من المحتمل أن يكون تقدير الحزب الخاص بالدعم الشعبي الذي يحظى به منخفض إلى حد ما، وإلا فإنه لن يخلق مثل هذه الصعوبات للباحثين الذين يتطلعون إلى قياس المشاعر الشعبية. من الاضطرابات العمالية إلى الاحتجاجات من قبل قدامى المحاربين، هناك العديد من خطوط الصدع في الصين، وقد يكون الاقتصاد المتباطئ حافزًا ضروريًا لمظالم عامة، الأمر الذي قد يؤدي بدوره إلى حدوث تغيير في سياسة بكين.

ختامًا – تؤكد بلانشت – يشير توجه الحزب الشيوعي الصيني والتطورات السياسية الأخيرة في الصين بقوة إلى أن مسار البلاد سيظل متحيزًا لمزيد من الدكتاتورية. وحتى التخفيف المحتمل سيكون محدودًا بشدة بالاحتياجات الأساسية للحزب. فمع اقتراب مرور مائة عام على تأسيسه، وقضائه سبعة عقود باعتباره السلطة الحاكمة الوحيدة في الصين، فإن لدى المحللين فكرة جيدة إلى حد ما عن كيفية عمل الحزب وما يريده. وفي حين أن هذه التجربة لا تستبعد إمكانية حدوث تحول أكثر جوهرية نحو التعددية السياسية ونهج قائم على الحقوق الاجتماعية، إلا أنه الأمر يظل أمنيات في أحسن الأحوال.

«حرب الظل».. هكذا تسرق الصين أسرار الصناعات العسكرية الأمريكية 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد