بعد انقطاع دام عدة أعوام عاود أبو بكر البغدادي الظهور مرة أخرى للتأكيد على استمرار وجود «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)»، وأنها لم تُهزم كما ادعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. في هذا الصدد يكتب جوشوا جيلتزر بمجلة «ذي أتلانتك» الأمريكية موضحًا ما آلت إليه الأمور، وما يعنيه الفيديو لسياسة مكافحة الإرهاب.

عاود أبو بكر البغدادي قائد تنظيم (داعش) ـ الذي طال غيابه ـ الظهور مرة أخرى في مقطع فيديو مرسلًا رسالة واضحة للعالم: سقطت الخلافة التي أعلنتها (داعش) في العراق وسوريا، لكن لا يزال المجتمع العالمي الذي صنعه (داعش) موجودًا. ما جعل ظهوره بمثابة دحض لادعاء الرئيس ترامب في ديسمبر (كانون الأول) 2018 بـ«هزيمة» داعش.

أبو بكر البغدادي.. يوميات الأكشن والإثارة التي تضاهي أفلام «جيمس بوند»

كان أول ما تساءل عنه جوشوا وغيره هو سبب ظهوره، فقد كان البغدادي مجرد شبح لخمسة أعوام، ولم يُرَ علانية منذ يوليو (تموز) 2014، عندما نشرت (داعش) مقطع فيديو يُظهره متحدثًا في مسجد النوري بالموصل. بالنسبة لأكثر رجل مطلوب في العالم، يعتبر أي رابط بينه وبين العالم هو ثغرة أمنية، ووسيلة سهلة لوكالات الاستخبارات والجيوش لإيجاده وقتله.

محطمًا نصف عقد من الصمت، ومتحملًا خطر الموت، خلص البغدادي إلى أن ظهوره من الآن يزيد الخطر، ذلك بالتأكيد بسبب مواجهة (داعش) المخاطر كتنظيم أكثر أهمية من ذلك الذي يواجه البغدادي وحده.

يعتقد جوشوا أن ما فعله (داعش) كان مبتكرًا ومختلفًا، وهو إعلان الخلافة وتأسيسها فعليًا على أرض الواقع؛ إذ كان هذا أساس ما ميز البغدادي (داعش) عن تنظيمه السابق «القاعدة»، وهو صميم دعوة «داعش» إلى حمل السلاح، والتي أسفرت أخيرًا عن آلاف المقاتلين الأجانب وعشرات الهجمات المميتة حول العالم.

يعتقد جوشوا كذلك أن التنظيم خلق شيئًا ما، لم تكن تحلم به مجموعات إرهابية أخرى؛ مفهوم المجتمع الافتراضي الذي انجذب إليه أولئك الذين يشعرون بالتيه والانفصال عن مجتمعاتهم الحقيقية. يعتبر هذا جزءًا من السبب وراء أولئك الذين يهاجمون مجتمعاتهم بأسماء (داعش) الوهمية، مثل «ذئاب منفردة». كان الإنجاز المذهل لـ(داعش) هو عدم شعور هذه النفوس الضعيفة بالوحدة، وبدلًا عن ذلك جعلهم جزءًا من شيء أكبر منهم، بغض النظر عن مدى بعده عنهم.

يرى جوشوا الآن أن المظاهر الإرهابية للخلافة التي أعلنتها (داعش) – القوة المحركة لهذا المجتمع العالمي – اختفت بفضل سنوات من عمل تحالف واسع النطاق وتضحيات مدهشة من جنود الجيش والدبلوماسيين وضباط المخابرات ومنفذي القانون وغيرهم من المتخصصين في هذا التحالف.

Embed from Getty Images

مع ذلك لا يزال المجتمع الدولي الذي صنعه (داعش) موجودًا. في الواقع لدى تنظيم (داعش) شبكات تتبعه حول العالم، اعتمد عليها وعلى النتيجة المذهلة التي حققها التنظيم على الإنترنت لإثبات ادعاء أتباعها بأن المعركة لم تنتهِ بعد، وبدلًا عن ذلك، بدأت مرحلة جديدة.

يعتقد جوشوا أن هذا الظهور يليق بالبغدادي؛ إذ ليس من السهل على تنظيم (داعش) صنع واقعه لما بعد الخلافة، نظرًا لمدى صعوبة تأكيد التنظيم على سيطرته الإقليمية، لذا خلص البغدادي إلى أنه سيواجه ويخاطر بكل شيء في سبيل تقديم الحجة بنفسه، فقد مدح أولئك الذين فُقدوا يالقتال في سبيل الأراضي العراقية والسورية، ثم ركّز على الابتهاج بهجمات (داعش) الأخيرة بعيدًا، كما حدث في سريلانكا. وخلال كل هذا كانت رسالته: لا زلنا هنا، ولا زلنا نقاتل، ونقتل.

في آخر ظهور للبغدادي كان يحتفل في الأساس بذكرى تأسيس (داعش)، أما هذا الأسبوع فيصور ميلادًا جديدًا، أو يحاول الترويج له على الأقل. ويطرح جوشوا تساؤلًا حول ماذا يعني المقطع لسياسة مكافحة الإرهاب؟

Embed from Getty Images

أولًا التذكير بأن القضاء على السيطرة على الأراضي في العراق وسوريا لا يعني هزيمة (داعش)؛ إذ يتطلب القضاء على التنظيم العالمي تخطيطًا دقيقًا متواصلًا للقوة العسكرية، وتبادل معلومات الاستخبارات، والاعتقالات والملاحقات القضائية، وتدريب وتجهيز المشاركين، وغيرها من أدوات مكافحة الإرهاب، مثل الجهود المبذولة لإحباط عملية التطرف.

ثانيًا إعادة تأكيد البغدادي على أن وجود (داعش) كمجتمع عالمي تعني أن الإنترنت سيظل ساحة معارك رئيسة للتنظيم، وتتطلب هذه الحقيقة بدورها بذل شركات التكنولوجيا جهودًا متواصلة وعاجلة لمحو المحتوى الإرهابي ومنع تحميله ومشاركته. كما يجب على الحكومات بذل المزيد لمشاركة تلك الشركات ما تعرفه حول أحدث الأساليب والإرشادات والمسارات الإرهابية عبر الإنترنت، لتمكين الشركات من مراقبة منصاتها بشكل أكثر حدة وفعالية.

ثالثًا تعني عودة ظهور البغدادي أنه يجب على الأمريكيين وغيرهم فهم ما ينتظرهم من تقدم (داعش). فإعلان ترامب المبكر عن هزيمة (داعش) يدعو تحديدًا إلى التوقعات الخاطئة – بأنه لن يكون هناك المزيد من هجمات (داعش) – وبدورها ردود الفعل الخاطئة على تلك الهجمات عند حدوثها: ليس مجرد ردود فعل، بل ردود فعل مفرطة غير مرتبطة بالاحتياجات الفعلية لاكتشاف ما حدث خطأً، وكيف نحقن الدماء. في مواجهة الإرهاب – سواء كان جهاديًا، أو من التفوق الأبيض، أو غيرهم – ما نحتاجه من الشعب هو المرونة، ومن القادة، الطمأنينة.

يعتقد جوشوا أن الهدف من فيديو البغدادي هو التأكيد على استمرار وجود مجتمع (داعش) العالمي، كما أنه بمثابة تذكير غير مقصود بأن هناك مجتمعًا عالميًا أقوى، والذي رفض لسنوات الدعوة السامة للعنف التي أطلقتها (داعش)، والتعاون على مواجهة التهديد الذي يشكله التنظيم.

8 محطات هامة شكَّلت حياة أبو بكر البغدادي

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد