خارج صالة الوصول في مطار «شاه جلال» الدولي ينتظر حشد من المسافرين العائدين والمغادرين، بينما يسير عشرات من سائقي سيارات الأجرة في الشوارع لأداء عملهم.

في تقرير نشره موقع  «ميدل إيست آي» يتناول الكاتب «أريب الله» قضية العمالة البنجالية في السعودية بما تحمله حيواتهم من قهر وبطش، وذلك من خلال تسليطه الضوء على قصص عايشها الكاتب أثناء زيارته للمملكة.

ليس ببعيد يبدو جيش من المتسولين يتضرعون إلى التماس اهتمام المارة، بينما يغادر الركاب صالة الوصول التي تحمل أجهزة تلفزيون بشاشات مسطحة أو صناديق كبيرة الحجم قد لُفَّت بعناية. تظهر مجموعة من النساء وسط تيار مستمر من البشر لا ينتهي، ترتدين مجموعة متنوعة من الألوان، يسحبن حقائبهن باحثين عن أحبابهن.

إحداهن هي خالدة أختر، البالغة من العمر 28 عامًا، والتي قضت عدة أشهر داخل منزل تديره بنجلاديش في المملكة العربية السعودية؛ لتعود اليوم بلهفة، والحاجة تملؤها إلى رؤية طفليها، تحمل نسخة من القرآن الكريم وتضمه إلى صدرها لعل السكينة منه تنفذ إلى قلبها، تنظر بإمعان في كل ما يقابلها في قاعة الخروج، ثم تبدأ في السير نحو الأبواب بخطوات بطيئة وثابتة لتبصر التغيرات التي طرأت منذ أن غادرت بنجلاديش قبل عام.

حشود خارج مطار شاه جلال الدولي، دكا – فبراير (شباط) 2018 (ميدل إيست آي)

تسير خالدة أختر ضامة عباءتها السوداء لأعلى لتتجنب ملامستها بالأرض وتشرع في المرور عبر محطة القطار لتبدأ من هناك المرحلة التالية من رحلتها إلى وطنها راج شاهي الواقع على بعد 250 كم بالقرب من الحدود الهندية.

لماذا غادرت خالدة المملكة العربية السعودية؟ مخبوء تحت ملابسها السبب على هيئة ندبة ستتذكرها للأبد، تكشف النقاب عن الضمادات على ذراعيها لتظهر علامات باهتة ترمز إلى الثمن الذي دفعته مقابل رغبتها في حياة أفضل. تقول خالدة: «لقد حاولوا حرقي» وتمسح دموعها لتكمل: «ليس مرة واحدة، بل مرتين، لو علمت قبل أن هذا سيحدث، لما ذهبت أبدًا.»

«وجدتني ملزمًا بإعطائها فرصة..»

مثل المئات من البنغاليين الذين ذهبوا للعمل كخدم في منازل الخليج العربي، وفرَّ بعضهم تباعًا، هربت خالدة من أرباب عملها بعد أشهر تلقت فيها سوء المعاملة، لكن خالدة تمثل واحدة فقط من آلاف نساء وطنها اللواتي يرتحلن كل عام إلى الخليج آملين في حياة أفضل.

وفقًا لمنظمة البرَّاك وهي منظمة غير حكومية للتنمية، عادت على الأقل ألف خادمة بنغالية إلى بنجلاديش هربًا من الاعتداء الجسدي والجنسي في السعودية. في عام 2018 هرب معظمهن مولِّين وجوههن إلى واحدة من المنازل الآمنة التي تديرها السفارة البنجلاديشية في كل من الرياض وجدة على حد سواء.

لم يحصل أكثر البنغاليين على أجورهم من أرباب العمل؛ أضف إلى ذلك أن وكلاء التوظيف قد استولوا على جوازات سفرهم، بعد أن باعوا لهم أولًا حلم العمل في الدولة الخليجية. في المطعم المجاور لمحطة القطار، تجلس خالدة ممسكة بيد عائشة بيجوم، زميلتها التي تعمل أيضًا في منزل أحدهم، والتي ولَّت هاربة منه بعد أن امتنع عن دفع راتبها لأربعة أشهر وضربها مرارًا وتكرارًا. المطعم مكتظ تجول فيه أطباق الأرز والكاري بين المطبخ والطاولات والنوادل يسلمون أكواب الشاي الساخن.

خالدة (إلى اليسار) وبيجوم (يمين) تتناقشان بشأن المنازل الآمنة بالرياض – دكا (ميدل إيست آي)

تتحدث عائشة ذات الخامسة والأربعين ربيعًا لخالدة بثقة وأريحية متناهية، محدقة إلى عينيها مباشرة، بينما يشرد نظر خالدة إلى وجبة عائشة الخفيفة البنغالية الأصل المكونة من البطاطا المقلية، والتي هي الأكثر شعبية في شبه القارة الهندية. سرعان ما تسحب عائشة حجابها الأخضر؛ ليتجلى قرط ذهبي تحت غطاء رأسها، لتحاول جاهدة جذب انتباه النوادل.

منذ نحو العام وعائشة تترقب هذه اللحظة، تلك التي ترتشف فيها كوبًا من الشاي في وطنها شاعرة بالسكينة تنفذ إليها. ترجع أواصر الصداقة بين المرأتين إلى أواخر عام 2017 حين التقيا في البيت الآمن في جدة، حيث أقامت خالدة لثلاثة أشهر، وعائشة لسنتين.

تتذكر عائشة محنتها التي دامت لثلاثة أشهر على أيدي صاحب العمل. عاشت في توجس وترقب مشحون بالقلق من أن يؤذيها من جديد، استعادت ذكرياتها قائلة: «يا إلهي، هذا التوتر كان أكثر من اللازم!» ومن ثمَّ أجهشت بالبكاء قبل أن تستطرد قائلة: «ذهبت إلى المملكة العربية السعودية آملة في حياة أفضل لنفسي وعائلتي؛ أين يمكنني العمل في مكان مثل بنجلاديش؟ الجميع يغادر في أول فرصة تسنح له، وكذلك فعلت أنا».

سماسرة يبيعون حلمًا.. فمن يشتريه؟

غادرت بيجوم وخالدة بنجلاديش بمساعدة واحد من آلاف السماسرة المعروفين باسم «الدلَّال»، والذين يتخذون من بنجلاديش مقرًا لهم، ينتشرون في أكبر المدن إلى أصغر القرى، حيث يسهلون إجراءات السفر والعمل في إحدى منازل السعودية، كما يعمل السماسرة بدورهم لصالح وكالات التوظيف، والتي يتواجد معظمها في دكا.

تأتي غالبية الخادمات العاملات في السعودية مثل خالدة من قرى فقيرة نسبيًا، حيث يستشري الفقر ويسهل على هؤلاء السماسرة بيع الأحلام، فالوعد الذي يقطعونه يجنون من ورائه مئات الدولارات، بدءًا من قطع الوعود الزائفة بشأن زيارة مكة والمدينة، إلى مكان عمل آمن حيث لن يواجهوا سوء المعاملة؛ ولأن النقود شحيحة في أياديهم، فإن العديد من النساء تتحملن المخاطر، ويدفعن آملين في الاستثمار

يقول علي أحمد الذي يعمل في مركز أبحاث التنمية البشرية وهي منظمة غير حكومية تعمل في مجال حقوق المهاجرين ومقرها دكا: «إن صورة السفر إلى الخارج لا تمثل الثروة فحسب، بل باتت رمزًا للثقافة البنغالية، يذهب السماسرة إلى المجتمعات الريفية حيث يقومون بتوظيف النساء مباشرة نيابة عن الوكالا».

«جواز السفر هو الوثيقة الأساسية، لكن السماسرة كوسطاء يضيفون علاوات على خدماتهم للحصول على تأشيرة ووثائق أخرى؛ إذ يتقاضى الوسطاء على كل امرأة يعقدون اتفاقًا معها ما بين 30،000 و60،000 تاكا أي ما يعادل (360 – 720 دولار) في حين أن أقصى تخفيض للوسطاء هو 120 دولار. يُذكر أن بنجلاديش واحدة من أفقر الدول في العالم، حيث يبلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2017 1538 دولارًا أمريكيًا، بينما يقل كثيرًا في المناطق الريفية النائية.

بدأ المهاجرون في مغادرة بنجلاديش خلال السبعينات سالكين إحدى الطريقين: الأول هو المباشر من خلال وزارة العمل البنجلاديشية، أما الثاني فهو من خلال وكلاء التوظيف. لجأ معظم البنغاليين إلى الأخيرة لتجنب الفساد البيروقراطي المستشري في المصالح الحكومية ببنجلاديش، إذ إنه في عام 2017 صنف مؤشر مدركات الفساد لمنظمة الشفافية الدولية بنغلادش في المرتبة 143 من أصل 180 برصيد 28/100.

المصدر: البنك الدولي

ولكن حتى عبر السماسرة الذين يمثلون الوساطة، فإن شبكة الفساد تزيد من تضخمها لتتضاعف التكلفة النهائية للعمال والعاملات الذين ليس لديهم أحد يمثل مصالحهم، وعلى الرغم من انتشار السماسرة على نطاق واسع فيبدو الأمر كأنهم قد وزعوا في أنحاء البلاد بشكل عشوائي، وتدر الهجرة أموالًا تصب في مصلحة الحكومة البنجلاديشية بتحويلات العمال الأجانب التي تعد ثاني أعلى مصدر دخل لاقتصادها.

«لا زلت أشعر بقطرات البنزين تنساب على ظهري»!

رأت خالدة الحياة في السعودية جيدة بما فيه الكفاية، كان لديها وظيفة مستقرة وآمنة، رغم ساعات العمل الطوال المنهكة، تكفلت بالطهي وأعمال التنظيف ورعاية أطفال كفيلها، فكانت تأخذ معاشها في الوقت المحدد، كما سمحوا لها بالاتصال بعائلتها في بلدها ومنحوها حرية مغادرة المنزل وقتما تريد.

لكن صفحة جديدة من الإساءات بدأت في حياتها عندما تُوفي كفيلها السعودي بعد خمسة أشهر من وصولها والذي كان يعمل شرطيًا، في ذلك تقول خالدة: «الرجل السعودي الذي رعى تأشيرتي كان جيدًا معي وعاملني بكل المودة والرحمة، ولكن بعد وفاته بدأت زوجته تضربني، وعندما تنتهي الزوجة من ضربي، ينضم أفراد أسرتها الآخرون لاحقًا، إلى أن جاء اليوم الذي ركضت فيه خارج المنزل في منتصف الليل، وكان قلبي ينبض بشدة، كنت أعلم أنهم إذا قبضوا عليّ فستنقلب حياتي رأسًا على عقب».

حانت لحظة الهروب بعد أن تحولت الإساءات اليومية من التعرض للكم والصفع إلى محاولات حثيثة من قبل زوجة وأبناء الكفيل المتوفى إلى إحراقها، وهي على قيد الحياة، تقول: «أتذكر قطرات البنزين على ظهري، ظننتني أهذي وأحلم، ثم بدأت أشعر بلسع النيران فبدأت في الصراخ بهلع، لم يكن للأمر معنى لماذا يفعلون ذلك معي؟ كان علي أن أهرب».

قبل تلك الواقعة كانت تحت حظر شامل من استخدام هاتفها المحمول، فعمدت سرًا إلى الاتصال بوسيطها، وبعد أن تجاهل مكالماتها مرارًا، اتصلت بوالدتها التي بدورها تواصلت معه، فرد على خالدة أخيرًا ليطلب منها الفرار، كما زودها برقم هاتف «براك» وهي واحدة من أكبر المنظمات غير الحكومية في العالم مقرها في بنجلاديش جزء أساسي من مهامها هي مساعدة  المواطنين البنجلاديش الذين يعانون من سوء المعاملة في الخارج.

انتظرت خالدة حتى غرقت العائلة في النوم، جمعت ممتلكاتها القليلة وركضت خارج المنزل في منتصف الليل، وقالت: «كان قلبي ينبض بشدة كنت أعرف أنه إذا ما أمسكوا بي، فالويل لي، قطعت أميالًا في المسير في ظل لهيب الصحراء قبل أن توقفني دورية الشرطة السعودية، ويسألونني عن وجهتي، وما الذي أفعله في الطريق. عبثًا حاولت أن أشرح لهم كل شيء، لكنهم عندما سمعوا «بنجلاديش» و«منزل آمن»، كانوا يعرفون بالضبط إلى أين يأخذونني.

باحث في شرطة «براك» يدعى أمين خارج المطار، يساعد أولئك الذين فروا من السعودية (ميدل إيست آي)

في المنزل الآمن، تواصلت خالدة مع أمين الذي يعمل في منظمة البراك عبر برنامج الإيمو، وهو التطبيق الذي يستخدمه الملايين من البنغاليين للمساعدة في ترتيب سفرهم إلى وطنهم. فيما بعد، ينضم أمين إلى خالدة وبيجوم في المطعم حيث يستغرق في عمله المستمر ذهابًا وإيابًا وسط فناجيل الشاي مُعدًا ترتيبات النقل للمرأتين، مراسلًا العمال الآخرين المعتَدى عليهم، والذين من المقرر عودتهم.

يبدو أمين بقصر قامته ولحيته المستعارة مألوفًا خارج المطار،ممسكًا  لوحًا تعريفيًا منتظرًا وصولًا أحد القامين الجدد، فهو يتردد على المحطات يوميًا للقاء العمال والعاملات الذين أُسيئت معاملتهم لمساعدتهم على العودة إلى ديارهم، وكثيرًا ما يتوجب عليه تحديد جثث المهاجرين التي يتم جلبها في توابيت من السعودية وغيرها من الأماكن عدة مرات في الأسبوع.

أخذ منشفة من جيبه ليمسح العرق على جبينه، فتح عدة تطبيقات من ضمنها «الواتس أب» و«الإيمو» ليرد على عشرات الرسائل التي يتلقاها يوميًا من الخادمات والعمال داخل المملكة العربية السعودية الذين يلتمسون المساعدة.

يشير أمين بيده إلى نقطة ما قائلًا: «انظرا، يمكنكما أن تريا أن هذه المرأة قد أُحرقت بسجائر – مشيرًا إلى أخرى – وهذه المرأة تم تشويه جسدها بالمكواة. بعد أن تابعنا جميع الحالات في الأشهر الستة الأخيرة، وجدنا أنها جميعها جاءت من مصدر واحد، وهو المملكة العربية السعودية، بعد أن تتواصل إحداهن معنا، نسرع بإلإبلاغ عن قضيتهن إلى سفارتهم في الرياض، ومن ثمَّ يتوجهون إلى المنازل الآمنة.

يستشعر أمين بالصدمة النفسية التي تواجهها هؤلاء النسوة؛ فهو نفسه قد تم الإتجار به سابقًا في ماليزيا تحت وعود منمقة بالعمل في مصنع إلكترونيات، لكنه حينما ذهب إلى هناك، تم نقله إلى الأدغال وإجباره على قطع الأشجار إلى جانب عشرات العمال البنغاليين والتاميل (جنوب آسيا). «العديد من الرجال الذين عملنا معهم لقوا حتفهم بعد إصابتهم بلدغات الثعابين والحشرات الأخرى عند قطع الأشجار»، هكذا يحكي أمين الذي لاذ بالفرار ليكرس حياته في للدفاع عن البنغاليين المضطهدين العاملين في الخارج.

صدمة المنزل الآمن!

قامت الحكومة البنجلاديشية بتأسيس البيوت الآمنة في بدايات العقد الأول من القرن الحالي من أجل تلبية الحاجات، وذلك وفقًا لتقارير وسائل الإعلام المحلية. وقد حصلت الصحيفة على برقية دبلوماسية مرسلة من سفارة بنجلاديش في المملكة العربية السعودية إلى دكا، تطلب المزيد من الموارد من وزارة الشؤون الخارجية، وتشير البرقيات التي ترجع إلى عام 2015، أن ما لا يقل عن ثلاث إلى أربع نساء يترددن على السفارة يوميًا مطالبين بإعادتهم إلى أوطانهم، لكن الاحتمال الوارد أن يكون هذا الرقم في ارتفاع إلى اليوم.

طبقًا للأرقام الرسمية الصادرة عن وزارة العمل البنجلاديشية، تم السماح لـ20.952 امرأة بالعمل في المملكة العربية السعودية في عام 2015. وقد تضاعف هذا الرقم أربع مرات ليصل إلى 83.365 عام 2017 عندما خففت السلطات السعودية معاييرها لحاجتها إلى المزيد من العمالة المنزلية.

المصدر: ميدل إيست آي

وفي حين شجعت بنجلاديش مزيدًا من النساء على العمل في المملكة العربية السعودية، اتخذت بلدان أخرى تدابير للعمل على منع النساء من الذهاب إلى المملكة وأجزاء أخرى من الخليج بعد تقارير عن سوء المعاملة؛ حيث فرضت الفلبين في أوائل عام 2018 حظرًا على النساء العاملات في الكويت بعد ورود تقارير عن تعرض فتيات فلبينيين للاعتداء الجسدي والجنسي، كما فرضت إندونيسيا في عام 2014 حظرًا على عاملات المنازل في إحدى وعشرين بلدًا من بلدان الشرق الأوسط بما في ذلك المملكة العربية السعودية.

في المقابل، جاء رد الدبلوماسيون البنغاليون في السعودية بطلب الحصول على تعهدات تحسبًا لحدوث زيادة في حالات إساءة المعاملة، بينما لم ترد وزارة الخارجية البنجلاديشية والسفارة في الرياض على الطلبات الواردة والتي كان تتضمن طلب موقع «ميدل إيست آي» للحصول على تعليق أو معرفة العدد الحالي من النساء اللاتي يقبعن داخل المنازل الآمنة.

لكن سرعان ما تمكنت «ميدل إيست آي» من الوصول إلى 12 خادمة سابقة من اللاتي كن يعشن في المنازل الآمنة لتصبح المحصلة التقديرية لأعدادهم هناك بالمئات. تقول عائشة: «كان هنالك العديد من النساء داخل تلك البيوت الآمنة، لكني على أية حال ممتنة للطريقة التي اعتنوا بها بي. لقد كانت لحظة من السلام النفسي بعد مواجهة تلك الصعاب في السعودية، واليوم الكثير من النساء يرغبن في المغادرة للأبد».

الكثير من الدماء..

كانت هناك حالة لم يسبق لها مثيل؛ ثلاث نساء عُدن من المملكة العربية السعودية وقد تم تشخيصهن بالجنون الإكلينيكي!

«كان هناك تسعة نساء يحاولن تضميد تسع جراح متفرقة، حيث جرحت امرأة نفسها بدءًا من يدها مرورًا بالصدر وانتهاءً بقدمها، كان الدم يتلألأ على الأرض، إذا لم نكن قد أسعفناها في ذلك الوقت، لما كانت اليوم على قيد الحياة». هكذا وصفت خالدة أخطر محاولة انتحار في إحدى الديار الآمنة بالرياض.

الانتظار والترقب في البيوت الآمنة كان سببًا في إصابة البعض بصدمة حادة نتاج المعاملة السيئة التي تعرضوا لها في السعودية، وقد ينتظرون طويلًا إما لأنهم يفتقرون إلى الأوراق الكاملة اللازمة للسفر، أو لأن أرباب العمل حاولوا تلفيق جرائم أنكرت النساء اقترافها.

في بعض الأحيان يسود الإحباط، كما أظهر مقطع فيديو تم إرساله من أحد منازل سعودية إلى أمين يتضمن خادمة بنغالية تعاني من نوبة هلع وتصرخ: «خذني إلى المنزل، اذهب بي إلى المنزل». وأظهرت اللقطات نزلاء المنزل وهم يمسكون بالخادمة المنكوبة محاولين تهدئتها، ويخشى أمين أن تكون الخادمة التي تم تصويرها داخل الملجأ قد عانت من صعوبات نفسية بعد أن ظلت في عزلة داخل المنزل الآمن لعدة أشهر تتعامل مع الألم الناجم عن الإساءة الجسدية أو الجنسية التي ألمَّت بها.

يضيف أمين لكاتب المقال: «لقد كانت لدينا قضية لم يسبق لها مثيل، حيث إن ثلاث نساء عُدن من السعودية كنَّ للتو قد أصبن بالجنون الإكلينيكي؛ فقد تم تعذيبهن بشدة من الناحية الجنسية والبدنية، ومازالن يحملن إلى الآن الجرح الجسدي والعاطفي الناجم عن محنتهن.

قبل أسبوع من وصول عائشة إلى المخبأ، شهدت خالدة امرأة تحاول أن تنتحر، حجبت «ميدل إيست آي» اسم المرأة، لكن خالدة تقول: «كان هناك الكثير من الدماء، وقعت الحادثة بعد الساعة الحادية عشرة مساءً، كنا نغط في النوم إلى أن أفقنا على صراخ فهرولنا إلى مصدر الصوت، حيث كانت ممدة على الأرض غارقة في دمائها.

لقطة هاتفية لخادمة مصابة بنوبة ذعر في الدار الآمنة بالرياض (الشاشة)

تحدثت «ميدل إيست آي» إلى العديد من النساء اللواتي أكدن وقوع الحادث، كما أفادوا أن المسؤولين الدبلوماسيين من بنجلاديش حظروا عليهن التحدث إلى أقاربهن حول محاولة الانتحار تلك، وقد طلبت الصحيفة وقتها من السفارة ووزارة القوى العاملة تفاصيلًا حول محاولة الانتحار في البيوت الآمنة والنساء داخلها، لكن كليهما لم يستجب في وقت النشر.

إلى الآن لا يزال أمين يحاول تحديد هوية المرأة حتى يتمكن من مساعدتها، لكن أفضل ما استطاع الوصول إليه استنادًا إلى المعلومات التي حصل عليها هو أنها جاءت من شمال بنجلاديش: «إن قضيتها كانت واحدة من عدة حالات، بعض النساء لا يمكنهن التحدث بعد تعرضهن للتعذيب، الندوب النفسية سترافقهن لسنوات قبل أن يتماثلوا للشفاء، إنها مأساة، لكننا نحاول تزويد النساء بإمكانية الوصول إلى المستشفى ودفع تكاليف العلاج والاستشارة  أيضًا شيء نحاول فعله لمساعدة هؤلاء النساء على إعادة بناء حياتهن».

حاولت «ميدل إيست آي» الوصول إلى السفارة السعودية في كل من المملكة المتحدة والولايات المتحدة وسؤالهم عن تلك الإجراءات التي من شأنهم اتخاذها لمجابهة إساءة معاملة عاملات المنازل في السعودية، وما إذا كانت على علم بالبيوت الآمنة، لكنها لم تستجب بعد حتى وقت نشر هذا المقال.

الكرامة أهم بكثير من المال

على الرغم من التحذيرات والتقارير الواردة في الصحافة المحلية حول انتشار الإساءات التي تواجهها الخادمات في الخليج، ما زالت النساء تغادرن بنجلاديش إلى المملكة العربية السعودية. تختم عائشة حديثها لصحيفة «ميدل إيست آي»: «نحن نعرف فتيات من قريتنا يعقدن العزم على الذهاب إلى السعودية، ولكن ما باليد حيلة؟ لقد كنا مثلهم ذات يوم؛ يائسات نتلهف للحصول على بعض المال واكتشاف العالم».

أما خالدة فتضيف: «عن نفسي إذا سمعت عن فتاة أخرى ذاهبة إلى المملكة العربية السعودية، فسوف أضربها بنعلي حتى تخرج الفكرة من رأسها».

وأخيرًا، يصل ابنا خالدة المراهقان، غلبتها الدهشة بعد سنة من الغياب، فعانقتهما وقبلتهما على خديهما. أعطى أمين لخالدة تذكرة القطار، فعانقت عائشة، وتبادلا أرقام الهواتف، قبل أن تمسك خالدة يدي ابنيها، وتهمُّ بمغادرة المطعم، تقول كلماتها الأخيرة قبل الرحيل: «كرامتنا لا تقدر بأي مبلغ من المال»

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد