ليست الصواريخ والقذائف والبراميل أسلحة الأسد الوحيدة؛ فمن خلال تدمير البنية التحتية للصحة العامة بشكلٍ متعمد، يحيي النظام السوري أمراضًا استؤصلت منذ فترةٍ طويلة ويتسبب بقتل المدنيين بطرقٍ بيولوجية شتى ترويها الطبيبة والأكاديمية «آني سبارو» في تقريرٍ حديث نُشر على مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية.

Embed from Getty Images

طفلة سورية مصابة بجروح طفيفة تُنقل إلى عيادةٍ مؤقتة بعد قصف نظام الأسد لدوما فبراير 2018

 

أسلحة بيولوجية

تُفهم الحرب البيولوجية عمومًا على أنها الاستحداث المتعمّد خلال الحروب والصراعات لعوامل الأمراض المُهلكة والمميتة بقصدِ القتل والتسبّب بكل أذى مرغوب للطرف الخصم. في الحالة السورية، ينتهج نظام الأسد مسارًا مشؤومًا – إذ يحذو منهجًا له سوابق تاريخية خطِرة وطويلة الأمد. أتاحت حكومة الأسد الفرصة لظهور مسببات الأمراض المسيطر عليها عادةً بتدابير الصحة العامة – مثل المياه النظيفة، والصرف الصحي، والتخلص من النفايات، والتطعيم، ومكافحة العدوى، وبالتدمير المتعمّد لهذه التدابير ومنعِها تصبحُ العوامل المرضيّة تلك أسلحةً بيولوجية مسلّطة على المدنيين. في الواقع أدى الصراع إلى عكس مسار التقدم في الصحة العامة ونقض إنجازاتها إلى درجةٍ تحققت فيها مستويات من المرض لم نشهد لها مثيلاً منذ حقبة نابليون.

 

 مع الصراع والتدمير الممنهج والتجاهل لتدابير الصحة العامة ظهرت مستويات من المرضِ لم نشهد لها مثيلًا منذ حقبة نابليون 

Embed from Getty Images

رجلٌ يتفحص الأضرار بعد غاراتٍ جوية حكومية على بنّش في إدلب، ديسمبر 2016

 

2000 عامٍ من الحروب البيولوجية

تشير الكاتبة إلى أن الحروب وفّرت دائمًا الظروف الملائمة والبيئة الخصبة للجراثيم والميكروبات المضرة – يُحشر الجنود في خنادقٍ دون مياه نظيفة ولا مرافق صحية، معرضين للظروف البيئية ومحاطين بالهوام والحشرات. سوء التغذية كان عاملًا سلبيًا آخر، ولم يتوفر البنسلين حتى عام 1940. خلال الحروب النابليونية، تسبب الالتهاب الرئوي والتيفود والزحار بوفيات الجنود البريطانيين ثمانية أضعاف أكثر مقارنةً بوفيات القتال. في الحرب الأهلية الأمريكية، ثلثا الوفيات نتجت عن الالتهاب الرئوي وأمراض الإسهال والملاريا.

تعد الحرب العالمية الأولى أول حربٍ تسببت فيها المعارك بوفيّات تتجاوز وفيات الأمراض. (وقع وباء الأنفلونزا الإسبانية قرب نهاية الحرب، ولم يُحتسب ضمن هذه الأرقام). أحدثت الممرضة «فلورنس نايتينجيل» ثورةً في ممارسات النظافة الصحيّة في المشافي خلال حرب القرم في خمسينات القرن التاسع عشر؛ ما خفض معدلات الوفيات من العدوى المكتسبة بالمستشفيات من 40% إلى 2%. لكن خلال الحرب العالمية الأولى تلوثت الجروح الغائرة الناجمة عن البنادق الآلية، وكان البتر الطريقة الوحيدة للسيطرة على انتشار الغرغرينا. وهو ما دفع إلى تطوير مطهّرات الجروح القوية.

بعد عام 1941 خفض البنسلين معدلات الوفاة الناجمة عن مضاعفات الجراحة للالتهاب الرئوي من أكثر من 30% إلى أقل من 10%، وانخفضت الإنتانات الجراحية إلى حوالي 5%. خلال حرب العراق مات الجنود الأمريكيون بسبب الانتحار بأعدادٍ أكبر من الأمراض المعدية. وفي هذه الأيام يتسبب النزوح الجماعي والاكتظاظ في مخيمات اللاجئين بمعاناةٍ واسعة للمدنيين في وقتٍ أصبحوا فيه معرضين لعوامل التلوّث والعدوى الناجمة عن الصراع.

Embed from Getty Images

تنشطُ الطبيبة والأكاديمية آني سبارو في مجال حقوق الإنسان  

تعود الحرب البيولوجية إلى ألفيّ عام؛ فقد سمّم الآشوريون مصادر المياه للعدو في القرن السادس قبل الميلاد. في عام 1346، قذف التتار جثث ضحايا الطاعون من فوق أسوار كافا في القرم لكسر الحصار – ومن المحتمل أن هذا الحدث هو ما بدأ وباء الطاعون الثاني. في عام 1650 ضربت القوات البولندية أعداءها برضاب الكلاب المسعورة. في إيطاليا غمر نابليون بالمياه أراضي مدينة مانتوفا في محاولةٍ منه لنشر الملاريا. في الولايات المتحدة باع أنصار الكونفدرالية ثياب مرضى الحمّى الصفراء والجدري إلى قوات الاتحاد. كما نشر المستوطنون الأوروبيون الجدري بين السكان الأمريكيين الأصليين متسببين بأثرِ مدمر، وكان ذلك عمدًا أحيانًا وأحيانًا عن غير قصد.

جربت ألمانيا نشر الجمرة الخبيثة خلال الحرب العالمية الأولى، لكن محاولاتها لم تتكلل بالنجاح. في الحرب العالمية الثانية جعلت اليابان أسرى الحرب فئران تجارب للغرغرينا والجمرة الخبيثة والكوليرا والزحار والطاعون؛ ما أسفر عن مقتلِ 3 آلاف شخصٍ على الأقل. في الميدان رشّت القوات اليابانية القرى الصينية بالبراغيث الموبوءة بالطاعون؛ ما تسبب بمقتلِ 10 آلافِ شخص ٍ- ولكن في الوقت نفسه قتلت 1700 من قواتهم الخاصة. في سبعينات القرن الماضي جرّب السوفييت الجمرة الخبيثة والحدري وفيروس ماربورغ (فيروس شبيهٌ بفيروس إيبولا يسبب خللًا خطيرًا في وظيفة الأوعية الدمويّة في الجسم)، كما صمموا طاعونًا مقاومًا للأدوية المتعددة. وكان برنامج الأسلحة البيولوجية الذي وضعه الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين يتضمن رؤوسًا حربية لصواريخ السكود تحوي على البوتولينيوم والأفلاتوكسن والجمرة الخبيثة؛ وفقًا للتقرير.

 

استراتيجية الأسد

توضّح الكاتبة أن للأسلحة البيولوجية عواقب وعوائق عدّة، فإلى جانب صعوبة التكّهن بها والسيطرة عليها؛ تعتبر هجمات الجمرة الخبيثة والسارين على حدّ سواء هجمات ظاهرة للعيان وتؤدي إلى ردود فعلٍ عالمية. تتسبب هذه الهجمات بمقتلٍ أعدادٍ أقل بكثير مما تحدثه الأمراض الشائعة وإنتانات الجروح. بالمقابل، لدى الأسد استراتيجية أقوى ويمكن معاينتها؛ تتجسّد بدهاء عن طريق إحداثِ تدهورٍ متعمد في الحالة الصحية العامة غير المستقرة أصلًا، وبذلك يمكن للحرب البيولوجية أن تشنّ بعيدًا عن أنظار المراقبين.

 يمكن شنّ حربٍ بيولوجية مدمّرة في غفلةٍ عن المراقبين، عن طريقِ إحداثِ تدهورٍ متعمّد في البنية التحتية للصحة العامة 

أعمال الأسد الوحشية المعروفة تتضمن الهجمات العشوائية على المدنيين وتشريدهم القسري والحصار المدمّر والبطش بالمستشفيات، لكن البعد الذي لم يتم تقديره في استراتيجيته الشاملة في الحرب يكمن في الهجمات على البنية التحتية للصحة العامة وبرامجها بهدفِ تسريع الأمراض الوبائية التي تنتعش في الظروف المعيشية المكتظّة الناجمة عن النزوح الجماعي، وفي الوقت نفسه الامتناع عن استخدام الأدوية ومعدّات الصحة العامة الأساسية.

Embed from Getty Images

تنتعش الأوبئة والأمراض الخطيرة في ظروف النزوح الجماعي وسكنى المخيمات

 

يتمثل الهدف بإضعافِ جميع سكان المناطق المستهدفة وزيادة العبء على المرافق الطبية الأولية التي تمكنت من الصمود في محاولةٍ لمعاقبة المدنيين المعارضين للأسد. منطقُ المعارك الوحشيّ لهذه الهجمات على البنية التحتية للرعاية الصحية موجود، لكنها محظورة بموجب اتفاقيات جنيف المصممة بهدفِ تجنيب المدنيين مخاطر الحرب، وكذلك المؤسسات التي يعتمدون عليها. الأسد متورطٌ في جرائم الحرب عن سابقِ قصد.

Embed from Getty Images

طوابير المرضى السوريين في عيادة الصحة النفسية-وهي المرفق الوحيد من نوعه في الشمال السوري الذي يقع تحت سيطرة المعارضة

 

استراتيجية الأسد معقدة، لكن تأثيرها بسيطٌ بشكل مدمّر. على سبيل المثال، توقفت صيانة محطات معالجة المياه والصرف الصحي، بسبب اعتقال نظام الأسد المهندسين وموظفي الصيانة وإيقافِه دفع رواتبهم. قصف الجيش السوري محطات المياه والطاقة عمدًا أوقِف تصريف النفايات؛ ما شجع تكاثر ناقلات الأمراض المعدية مثل الجرذان والذبابة الرملية. ومع تراكم مياه المجاري غير المعالجة، حجبت الحكومة الكلور وهو شرط أساسي لتوفر المياه النظيفة.

فضلًا عن قصف المستشفيات والعيادات الصحية الأولية والمختبرات وبنوك الدم، لاحقت قوات الأسد الأطباء وجرّمت المتعاملين مع المدنيين منهم، كما اعتقلت وعذّبت وأعدمت أيّ عامل في مجال الرعاية الصحية يجرؤ على تحدي سياسة الحكومة. الآن وبعد ثمان سنوات، تسبب هذا المنهج بمقتل أكثر من 800 طبيب، ودفعت إلى رحيلِ ما يقدّر بنحور 15 ألف طبيب إلى خارج البلاد.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد