كتبت لينا الخطيب، مسؤولة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في معهد «تشاتام هاوس» البريطاني، مقالًا نشرته مجلة «فورين أفيرز» الأمريكية تحت عنوان «الانتصار الأجوف لبشار الأسد»، ذكرت فيه أن رئيس النظام السوري بات الآن أضعف من أي وقت مضى.

تقول الكاتبة: «إن نظام الأسد في سوريا ظل صامدًا لنحو تسعة أعوام من الحرب الأهلية، ولم يعُد السؤال الذي يشغل بال أولئك الذين يستثمرون في مستقبل سوريا هو: هل سيبقى ذلك النظام على قيد الحياة أم لا؟ بل كيف سيسعى لترسيخ سلطته قبل انتهاء الحرب التي لا تزال تعصف بسوريا».

تستطرد لينا أن الأسد ربما دخل معركةً يعتقد أن نظامه قد يحتفظ فيها بالقوة والسلطة التي كان يتمتع بها قبل عام 2011، لكن أهدافه اليوم باتت على الأرجح أكثر تواضعًا. بيد أن القيود المحيطة بأولويات الأسد الآن لا تجعلها أقل خطورة، بل قد تكون أكثر خطورة من ذي قبل.

وتضيف الكاتبة: في إطار سعيه لأن يظهر للعالم أنه لا يزال مسيطرًا، وأنه ينبغي تطبيع العلاقات مع نظامه؛ سيسعى الأسد دون شك لاستعادة جميع الأراضي السورية. ومن أجل الإبقاء على تماسك نظامه داخليًا؛ لن يتقيد بتلبية احتياجات الشعب السوري، بل سيطمح للاستمرار في منصبه رئيسًا، وهو ما يمكن أن يحققه من خلال الحفاظ على شبكة المحسوبية التي أصبحت شريان الحياة للنظام السوري طوال فترة النزاع.

لكن حتى إذا حقق الأسد هذه الأهداف البسيطة – البقاء واستعادة الأراضي السورية – فسيكون انتصاره باهظ الثمن. وسوف يحكم عرش دولة جوفاء، ذات مؤسسات ضعيفة، محاصرة بالمنتفعين من الحرب، وخاضعة للقوى الخارجية.

عربي

منذ 11 شهر
بعدما تحول من «سافك دماء» لـ«قائد حكيم».. ماذا سيجمع بن زايد والأسد مستقبلًا؟

عميل.. لا شريك

تضيف لينا أن الأسد بدأ بالفعل في تحقيق هدفه المتمثل في استعادة السيطرة الإقليمية على سوريا. والمنطقة الرئيسية محل الاهتمام هي: الأراضي الشمالية، حيث يسيطر المتمردون الإسلاميون على الشمال الغربي، ويقاومون تقدم قوات الأسد.

وفي الشمال الشرقي طردت قوات سوريا الديمقراطية التي يسيطر عليها الأكراد مايعرف بـ«تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)» من المنطقة خلال العام 2018، وأسست نوعا من الحكم الذاتي، الذي أمدته القوات الأمريكية بمقومات الاستقرار.

بوتين بشار

الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، مع رئيس النظام السوري، بشار الأسد، أثناء زيارتهما مقر قيادة القوات الروسية في سوريا في يناير الحالي. المصدر: الكرملين

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2019 سحب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أغلب القوات الأمريكية، واجتاحت تركيا المنطقة، وتوصلت قوات سوريا الديمقراطية إلى اتفاق مع الأسد للسماح للجيش السوري بالدخول إلى مناطق الشمال الشرقي ومواجهة الهجوم التركي.

واليوم تدير القوات الكردية المنطقة في وجود الجيش السوري، فيما يعمل النظام السوري مع روسيا لاستعادة السيطرة الكاملة على الشرق وإعادته إلى دمشق، وتتوسط روسيا في صفقة مع تركيا تسحب فيها الأخيرة قواتها من سوريا مقابل ضمانات بأن تبقى قوات سوريا الديمقراطية، التي تعتبرها تركيا منظمةً إرهابيةً، بعيدة عن الحدود.

وفي إطار هذه الجهود، يناقش النظام التعاون العسكري والسياسي مع القوات الكردية، بالرغم من أنه من المرجح أن يحرم الأسد الأكراد من ميزة الاستقلال الذاتي التي كانوا يأملون في أن تقدم لهم كمكافأة لدورهم في مواجهة تنظيم «داعش».

وتقول لينا الخطيب إنه في حال استطاع النظام السوري تأمين منطقة الشمال المتنازع عليها، فإنه سيعلن أنه استعاد سلطته على سوريا، وسيدعو لتطبيع علاقاته مع العالم، وسيمنح هذا التطبيع نظام الأسد الشرعية الدولية، ويمهد الطريق لرفع العقوبات عنه، الأمر الذي سيسمح بدوره بتدفق أموال إعادة الإعمار إلى سوريا.

تستدرك الكاتبة: لكن حتى وإن كان بإمكان الأسد أن يعلن انتصاره، فإنه سيفعل ذلك باعتباره لاعبًا ثانويًا في قصة انتصاره. فخلال المآسي السورية، برزت روسيا لتغدو أكثر اللاعبين الخارجيين نفوذّا، كما ضمنت إيران نفوذها الدائم في منطقة الشام، وكل ذلك على حساب نفوذ الأسد.

وسعت مصالحها على نطاق كبير داخل سوريا من خلال الضغط على النظام لمنحها عقودًا اقتصادية للشركات الروسية ووضع الموالين لروسيا في مناصب عليا داخل الجيش السوري.

وترى الكاتبة أن نظام الأسد سيجد نفسه عميلًا لكل من روسيا وإيران، وليس شريكًا لهما، إذ يعتمد بقاؤه على دعم هذين البلدين. وبالفعل منحت سوريا امتيازات اقتصادية وأمنية لإيران وروسيا، مثل العقود الحكومية في قطاع النفط والسيطرة على القواعد البحرية، مقابل مساعدتهما لنظام الأسد في مراحل النزاع.

وتتحدث الكاتبة عن روسيا تحديدًا وتؤكد أنها وسعت مصالحها على نطاق كبير داخل سوريا من خلال الضغط على النظام لمنحها عقودًا اقتصادية للشركات الروسية ووضع الموالين لروسيا في مناصب عليا داخل الجيش السوري.

وتشير الكاتبة أيضًا إلى أن الولايات المتحدة لا تنظر كما يبدو للسيطرة الروسية على سوريا بأنها تهديد مباشر للمصالح الأمريكية، لذلك لا توجد ضوابط خارجية على قدرة روسيا على فرض نفسها على نظام الأسد الذي سيحكم سوريا، ليس بصفتها دولة ذات سيادة، بل دولةً تعتمد قدرتها على البقاء على موسكو، بعد أن أعاد الأسد فرض سيطرته على البلاد من خلال قبضة روسيا القوية.

ربما لم تكن هذه النتيجة النهائية التي كان الأسد يرغب فيها، لكن سيتعين عليه التعايش معها؛ لأن سيطرته على البلاد تقلصت إلى الحد الأدنى. فيما لا تزال المناطق التي استعادها النظام مؤخرًا في الشمال الشرقي مثل القامشلي، تحت السيطرة الفعلية للميليشيات الكردية التي تدير نقاط التفتيش، لكن تحت قوة الدوريات الروسية.

وترفع القوات الكردية العلم السوري لإعطاء الانطباع بأن الجيش السوري هو المسؤول، حتى أن بعض الجنود السوريين الذين تم تجنيدهم للخدمة في تلك المنطقة يعملون في الزراعة لتغطية نفقاتهم.

بيت من ورق

تقول لينا إن الفاعلين الخارجيين ليسوا هم الأطراف الوحيدة التي يدين لها الأسد ببقائه السياسي، فخلال النزاع، كان على النظام الاعتماد على شبكة كبيرة من الجهات الفاعلة غير الحكومية، بعضها مسلح وبعضها مدني، بغية التحايل على العقوبات الدولية في المعاملات التجارية والمساعدة في المعركة والقيام بالوظائف الحكومية، مثل: تقديم الخدمات في الأماكن التي لم يكن النظام يستطيع الوصول إليها، أو لا يمتلك السيطرة عليها.

أصبحت الميليشيات، التي دعمت الهيئات الأمنية الحكومية خلال الصراع، أكثر استقلالية، وتسعى في المقام الأول وراء مصالحها الاقتصادية وأهدافها المتعلقة بالسلطة.

وتؤكد الباحثة أن هذه الجهات الفاعلة استفادت من النزاع الذي طال أمده، وأصبحت أكثر طموحًا وقوةً، حيث تحول الموقف بالكامل وأصبح النظام يعتمد على تلك الجهات من أجل البقاء، وأصبح هؤلاء المستفيدون هم السلطات الفعلية التي تؤدي دور مؤسسات الدولة، ولكن بثمن باهظ يرتفع بمرور الوقت.

وتشير الكاتبة إلى أن هؤلاء المستفيدين انتشروا كالعدوى في الجهاز الأمني السوري على جميع المستويات، إذ أصبحت الميليشيات، التي دعمت الهيئات الأمنية الحكومية خلال الصراع، أكثر استقلالية وتسعى في المقام الأول وراء مصالحها الاقتصادية وأهدافها المتعلقة بالسلطة.

في بعض الحالات تحولت تلك الميليشيات إلى عصابات مسلحة تقوم بترهيب المدنيين في المناطق الموالية للحكومة، ونتيجة لذلك أصبح النظام غير قادر على تلبية احتياجات الموالين له أو حتى كبح جماح بعض الميليشيات المفترض أنها موالية للنظام.

قوات الجيش والميليشيات تدخل مرحلة جني الثمار

وفي حالات أخرى مثل مدينة القرداحة معقل الأسد، لم تستطع القوات الحكومية الدخول للمناطق التي تخضع لسيطرة العصابات المسلحة، والتي سلمت أسلحتها الثقيلة بشرط أن يتجاهل النظام أنشطتهم الاقتصادية غير القانونية.

وحتى الجيش السوري والمؤسسات الأمنية غدت أكثر اهتمامًا بالمعاملات التجارية، مع سعي أفرع الأجهزة الأمنية لمصالحها الخاصة بدلًا عن السعي لتحقيق مصالح الدولة.

Embed from Getty Images

تؤكد لينا الخطيب أنه لا يمكن للنظام السوري أن يُشبِع جشع هؤلاء المستغلين من خزائنه الحالية، كما أنه لا يمكنه أن يتحمل تجويعهم، لكن سلطته تعتمد جزئيًا على دعمهم، ولهذا السبب أصاب الأسد اليأس من الحصول على أموال إعادة الإعمار التي يمكنه بعد ذلك تحويلها إلى شبكات المحسوبية الخاصة بسوريا.

وتضيف أنه حتى يتجنب الأسد هذه النتيجة، فإن أي دعم خارجي مقدم لمشاريع إعادة الإعمار ينبغي أن يكون مشروطًا بأن يتم توزيع هذه الأموال على الشعب السوري ككل.

وتستطرد قائلةً: «إن أي نظام آخر ربما يحاول تعزيز سلطته في أعقاب انتهاء الصراع بجذب المواطنين من خلال الالتفات لاحتياجاتهم، لكن نظام الأسد فعل العكس؛ معاقبًا من يراهم ليسوا موالين بما يكفي، عن طريق حرمانهم من الخدمات الأساسية والأمن والحقوق».

وتدلل الكاتبة على ذلك بفرض نظام الأسد في العام 2018 القانون رقم 10، والذي يجرد المواطنين من حقوق الملكية ما لم يقدموا ما يثبت الملكية للسلطات المحلية شخصيًا. وطُبِقّ القانون بشكل رئيس في البلدات التي استعاد الأسد السيطرة عليها من الجماعات المتمردة، حيث يتعرض من يقومون بالإبلاغ عن ملكيتهم لتحقيقات تمّهِد الطريق لإلقاء القبض عليهم.

وتشير لينا إلى أنه في المقابل تستفيد شبكات المحسوبية من مثل تلك التدابير على سبيل المثال من خلال طلب الرشاوى للإفراج عن من يتم اعتقالهم.

العودة إلى ما قبل 2011

تقول الكاتبة: «إن الأسد يسعى من خلال إسكات المعارضين وتعزيز قبضته على الأراضي داخل سوريا، إلى نقل انطباع بأن سوريا تعود إلى ما كانت عليه قبل العام 2011، لكن نظامه مبني على وهم الدولة، وما يتمتع به من سلطة قليلة يستقر في أيدي أسياده الذين يحركونه كالدمية».

وتطالب لينا الدول الغربية بألا تطّبِع العلاقات مع سوريا على أساس اعتقادها بأن نظام الأسد هو الخيار الوحيد المتاح، وعليها أن تسعى بدلًا عن ذلك لفهم طبيعة سوريا من القاع إلى القمة، حتى يمكنها فرض نفوذها  على الفجوات الموجودة داخل نظامها لضمان ألا يستغل النظام أي برامج دعم لسوريا من أجل تغذية شبكات المحسوبية الخارجية والمستغلين للنظام داخليًا.

وتختتم الكاتبة مقالها بالقول: «إن نهاية لعبة الأسد في سوريا ستتركه يجلس على عرش هش؛ لأنه مكون من ألف قطعةٍ تفتقر إلى التوازن».

دولي

منذ 10 شهور
«ستراتفور»: هل أوشكت «شمس» نفوذ إيران في سوريا على المغيب؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد