يتدفق الشباب إلى المستشفى من الخطوط الأمامية مباشرةً، وقد كُسِرت أيديهم وأرجلهم، أو فُقدت واحترقت جلودهم من جرَّاء قذائف الصواريخ وغارات الطائرات المسيَّرة، وأُصيبت رؤوسهم ورقابهم بطلقات نارية. بهذه الكلمات وصفت سيوبان أوجرادي، مديرة مكتب صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية في القاهرة الأوضاع في محافظة مأرب التي تمثل معركتها لحظة فارقة في الحرب الأهلية التي استمرت منذ سبع سنوات.

وفي البداية، يشير التقرير، الذي شارك في إعداده المراسل الصحفي، علي المجاهد، إلى أن مقابر المدينة امتدت فيها صفوف شواهد القبور فوق الرمال صفًّا بعد صف. ويستمر هذا الفيضان القاتم الهائج طيلة الأشهر الأخيرة بسبب تصميم الطرفين الأساسيين في الحرب الأهلية اليمنية على تحقيق النصر في المعركة المحورية في الصراع المستمر منذ سبع سنوات.

نكسة كبرى!

يوضح التقرير أنه في خضم تضاريس صحراوية قاسية على مشارف مدينة مأرب، يُقاتل المتمردون الحوثيون المدعومون إيرانيًّا الحكومةَ اليمنية المدعومة من التحالف العسكري الذي تقوده السعودية والمعترف بها دوليًّا، للسيطرة على المعقل الإستراتيجي في شمال البلاد. وإذا سيطرت جماعة الحوثي على محافظة مأرب، فسيؤدي هذا إلى استحواذها على شمال اليمن بالكامل، وستقع البنية التحتية الرئيسة للنفط والغاز في قبضتها، وستكون لها اليد العليا في المحادثات التي تهدف إلى إنهاء الصراع.

عربي

منذ 7 شهور
«بروكنجز»: كيف يمكن إجبار الحوثيين على الانخراط في محادثات سلام؟

بيد أن هذا يمثل نكسة كبرى للقوات الحكومية. وقد تدفق أكثر من مليون مدني إلى محافظة مأرب في السنوات الأخيرة فرارًا من القتال في مدن أخرى، وقد ينزح عديد منهم مرةً أخرى حاليًا مع قرب المعركة منهم، خاصة بعد وفاة بعضهم وإصابة البعض الآخر، ومنهم الأطفال، بسبب الهجمات الصاروخية والقصف.

ويُشير التقرير إلى أن الحوثيين رفضوا هذا العام عرض السعودية لوقف إطلاق النار والذي كان من الممكن أن يضع حدًّا لإراقة الدماء، واقترحوا مناقشة أمر الهدنة بعد إعادة فتح مطار صنعاء ورفع جميع القيود عن ميناء الحُدَيْدَة. ويواصل التحالف الذي تقوده السعودية السيطرة على المجال الجوي للبلاد والميناء، الذي يُعد شريان حياة حيويًّا لليمن الغارقة في أسوأ أزمة إنسانية في العالم، كما وصفتها الأمم المتحدة.

العين بالعين

وبدلًا من ذلك، ضغطَ الحوثيون لانتزاع السيطرة على محافظة مأرب. وللتصدي للحوثيين، حفرت القوات الحكومية والقوات المحلية المتحالفة معها خنادق في سفوح التلال وتمركزت فوق القمم التي تنتشر في الأراضي القاحلة، مُستخدمةً الأرض المرتفعة لإطلاق النار. وتدعمهم الغارات الجوية السعودية المتكررة على مواقع الحوثيين القريبة. لكن القوات الحكومية نفسها عرضة لهجمات الحوثيين بصواريخ وطائرات من دون طيار.

Embed from Getty Images

في هذا الصدد، قال الفريق الركن صغير بن عزيز، رئيس أركان الجيش اليمني، إن: «المشكلة الأكبر تتمثل في مواجهة الصواريخ الباليستية والطائرات المسيَّرة. بينما قال ضيف الله الشامي، وزير الإعلام في صنعاء إن الحوثيين صعَّدوا من تلك الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة ردًّا على الغارات الجوية السعودية، موضحًا أن «العين بالعين».

وأفاد ابن عزيز أن 1700 جندي حكومي على الأقل قتلوا في محافظة مأرب وأُصيب نحو 7 آلاف حتى الآن بسبب مثل هذه الهجمات ونيران القناصة المستمرة وغيرها من الأعمال العدائية. ويعتقد المحللون أيضًا أن الحوثيين، الذين لم ينشروا الأعداد الرسمية للقتلى، يتكبدون خسائر فادحة وذلك بسبب الغارات الجوية السعودية إلى حد كبير.

هَرِمنا بسبب هذه الحرب

ينقل التقرير عن عمار أبو صالح، البالغ من العمر 29 عامًا، قوله إنه فقد ساقه اليسرى في انفجار لغم أرضي في عام 2018 أثناء قتاله على الخطوط الأمامية مع القوات الحكومية، ثم بُترت ساقه بعدما احتجزه الحوثيون رهينة. وأُطلِق سراحه في نهاية المطاف في عملية تبادل أسرى وجرى تركيب طرف صناعي له، وأُعيد إلى خط المواجهة، لكنه تعرض لإطلاق نار في أواخر العام الماضي واضطر إلى التخلي عن ساقه الصناعية الجديدة.

يتابع التقرير أنه في يوم من الأيام الأخيرة، ترك أبو صالح مناوبته على خط المواجهة لمدة وجيزة للسفر إلى المدينة والانضمام إلى الصف المتنامي من الأشخاص الذين ينتظرون سيقان جديدة في المستشفى العام. والتي تتجلى فيها مآسي الحرب تمامًا. فخارجها تجد شبانًا فقدوا أرجلهم يتكئون على عكازات أو يمارسون تمارين المشي بأطراف صناعية جديدة وفَّرها مركز إعادة تأهيل ممول سعوديًّا، والذي ارتفعت فيه قائمة انتظار الأطراف الجديدة في العام الماضي.

أما في داخل المستشفى، سرد موظفو المستشفى سلسلة طاحنة من الحالات المؤلمة التي أصابتهم بالإعياء. يقول محمد القباطي رئيس هيئة المستشفيات: «تتزايد علينا الضغوط يومًا بعد يوم». ويعالج المستشفى حاليًا عددًا قليلًا من المدنيين، في ظل التدفق المستمر للجنود الجرحى. وفي طابقه العلوي، كان هارون عبد الله، البالغ من العمر 20 عامًا، مستلقيًا متكئًا على ساقه المحترقة والمكسورة، بينما كان يتعافى مما وصفه بهجوم بطائرة مسيَّرة. وتعد إصابته الأخيرة هي المرة الرابعة التي يُصاب فيها بجروح بالغة في الحرب، يقول عبد الله: «لقد حوَّلتنا هذه الحرب إلى شيوخ طاعنين في السن».

Embed from Getty Images

يلفت التقرير إلى أن هذه الحرب تسببت حتى في تقدم أعمار الأطفال. إذ يروي صبي يبلغ من العمر 15 عامًا، في وحدة العناية المركزة الجراحية القريبة، كيف أُطلق عليه الرصاص أثناء قتاله على الخطوط الأمامية لصالح الحوثيين قبل نحو 11 شهرًا، وتسببت الرصاصة في إصابة عموده الفقري فأُصيب بالشلل. بينما نفى الشامي أن يكون هناك أطفال يقاتلون لصالح الحوثيين وصرخ بأعلى صوته أن مثل هذه الادَّعاءات «غير صحيحة».

مأرب.. مباحثات إنهاء الحرب

ينوِّه التقرير إلى ما قاله بعض المحللين إن المعركة على هذه المحافظة الإستراتيجية تعوق الجهود المتجددة لإنهاء الحرب، في ظل تعثر المحادثات تقريبًا. ويُوضح تيموثي ليندركينج، الذي عيَّنه الرئيس الأمريكي بايدن مبعوثًا خاصًا للولايات المتحدة إلى اليمن، أن: «ما نشاهده هو بسبب إصرار الحوثيين اللانهائي على السيطرة على مأرب. إن معركة محافظة مأرب هي حجر عثرة أمام استكمال المفاوضات».

وألمح التقرير إلى أن إدارة بايدن، في وقت مبكر من هذا العام، سحبت دعمها للعمليات الهجومية التي يشنها التحالف الذي تقوده السعودية وألغت قرار إدارة ترامب بتصنيف الحوثيين جماعة إرهابية. وهو التصنيف الذي قالت عنه مجموعات الإغاثة إنه كان يُهدد بالتدخل في جهود المساعدات الدولية. يقول ابن عزيز إن: «سحب الولايات المتحدة دعمها أثَّر في معنوياتنا بوصفنا قادة. ونحن نريد من أصدقائنا الأمريكيين إعادة النظر في هذا القرار».

وأكدَّ بعض المحللين أن القوات الحكومية أعاقت تقدم الحوثيين إلى حد كبير من خلال هذا الدعم الأمريكي، على الرغم من أن المتمردين حققوا في الآونة الأخيرة بعض التقدم الملحوظ. تقول إيلانا ديلوزير، كبيرة الباحثين في «معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى» إنه: «لا يمكنك حقًّا تحقيق النصر في حرب بالقوة الجوية. وفي هذا المكان تُعرِّض الحكومة نفسها حقًّا للمتاعب لأنها ليس لديها ما يكفي من الحيوية لطرد الحوثيين، لذا فإن الضربات الجوية السعودية تمنعهم من التقدم وتكبح تحركاتهم فحسب».

«ليس لدي أحد غيره»

ألمح التقرير إلى أن الشعور بالرعب بدأ يتسرب إلى قلوب هؤلاء اليمنيين الذين فروا من القتال في مدن يمنية أخرى للوصول إلى مأرب، التي اعتقدوا أنها ملاذًا آمنًا لهم. وكانت عائلة جميلة دوما قد تركت منزلها في محافظة عمران منذ عدة سنوات وتعيش حاليًا في شقة ضيقة في مأرب. وفي يونيو (حزيران)، ضرب صاروخ محطة وقود؛ حيث كان يقف طاهر، زوج جميلة، في طابور فأحرقه هو وابنتهما ليان البالغة من العمر عامين. وتخشى جميلة الآن السماح لابنها بالخروج، قائلةً: «ليس لدي أحد غيره. ولا يمكن أن أسمح له بالخروج».

Embed from Getty Images

بينما قال الشامي، الوزير التابع للحوثيين، إن الضربة استهدفت «موقعًا عسكريًّا وأن قواتهم لن تقتل طفلًا عمدًا».

ويسرد التقرير قصة مأساة عائلة يمنية أخرى، وهي عائلة فاطمة الشرفي التي فرت للمرة الرابعة هذا الربيع بحثًا عن ملاذ في مخيم على أطراف المدينة. تقول فاطمة إنه بعد مدة وجيزة، هبَّت رياح عاتية على المنطقة، وطارت خيمتهم من فوق ابنتها الرضيعة، مما أدَّى إلى مقتلها. وعندما سُئلت عن اسم ابنتها، توقفت لمدة 10 ثوانٍ تقريبًا، مذهولة من عدم قدرتها على التذكر، ثم تذكرت صارخة اسمها «أمل». وأضافت أن الطريقة الوحيدة التي تمكَّنت من خلالها من التعايش مع خسارتها تمثلت في «محاولة إلقاء هذه الخسارة في يَمِّ النسيان».

ويختتم المراسلان تقريرهما بما قاله بلال عبد الله، البالغ من العمر 38 عامًا، إن: «الطائرات من دون طيار هي التي تسبب لنا المشكلات على خط المواجهة الأمامية»، مضيفًا أن تلك الطائرات تحتاج أيضًا إلى دفاعات مضادة للصواريخ، لكنه أكد أن القوات مستعدة لمواصلة الدفاع عن محافظة مأرب ضد تقدم الحوثيين، حتى وإن كان ذلك يعني «التضحية بأنفسنا».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد