ما علاقة أولمبياد بكين الشتوية لعام 2022 وسياسات الفضاء ببعضهما البعض؟ يقول إلسبورج إن هذا يوضح قدرة الصين على المزج بين الرياضة والسياسة في الترويج الذاتي الوطني.

نشر موقع بلاي ذا جيم (Play the Game)، مبادرة ومؤتمر دولي تحت رعاية المعهد الدنماركي للدراسات الرياضية يهدف إلى تعزيز الأساس الأخلاقي للرياضة، وتعزيز الديمقراطية والشفافية، وحرية التعبير في الرياضة، تحليلًا للمحلل البارز ورئيس المؤتمر ستانيس ألسبورج، تحدث فيه عن الألعاب الأولمبية، وأهمية التمائم التي تتبناها الدول، والتي تعبِّر عن ثقافتها وتمثل قوتها الناعمة.

ويستهل الكاتب تحليله بتوضيح مفاده أنه في كل حفل ختام للأولمبياد، جرت العادة أن يقدم المُضيِّف القادم عرضًا فنيًّا يسمى حفل التسليم، والذي غالبًا ما يعطي لمحة عن الأجندات الثقافية والسياسية التي يرغب المُضيِّف الجديد في الترويج لها.

وحظي المتفرجون في حفل التسليم الصيني في نهاية دورة الألعاب الأولمبية الشتوية لعام 2018 في بيونجتشانج، بوَلِيمة بصرية أبدعها تشانج ييمو، المخرج السينمائي الصيني الشهير، والذي – وفقًا لنشرة رسمية وُزِّعت على معلقي التلفزيون تحمل اسم الدليل الاعلامي – أراد «استخدام الأساليب والتفكير الحديث لعرض مزيج غني من العناصر الثقافية الصينية مع الرياضات الشتوية وإبراز صورة الصين في عصر جديد».

هذا العصر هو عصر التكنولوجيا الفائقة؛ حيث تريد الصين أن تضع نفسها على قمة المنصة.

أولمبياد بكين 2022: حفل بتكنولوجيا مبهرة

وأشار الكاتب إلى أن الهوية المرئية الكاملة لحفل التسليم بدَت وكأنها سماء مرصعة بالنجوم كما تُرَى من الفضاء الخارجي. وبدا 24 متزلجًا، جاءوا جميعًا من جامعة بكين الرياضية، وكأنهم رواد فضاء يطيرون في الفضاء بينما تركوا وراءهم مسارات منحنية بمساعدة التكنولوجيا العالية.

وتحولت هذه المسارات لاحقًا إلى لونج (Long) صيني نابض بالحياة، (لونج هو اسم آخر للتنين). وبعد ذلك، تحولت مسارات الانزلاق إلى طائر فينيق صيني، ووفقًا للدليل الإعلامي، فإن «اللونج والفينيق، في الثقافة الصينية، هما رمزان لحسن الحظ، ويمثلان تمنيات الشعب الصيني الطيبة ومباركته لدورة الألعاب الأولمبية الشتوية». وكان هذا المزيج من التكنولوجيا العالية والثقافة الصينية موضوعًا رئيسًا طوال الحفل.

وإلى جانب المتزلجين على الجليد البالغ عددهم 24، كان هناك أيضًا 24 شاشة تلفزيون متصلة بمركبات موجَّهة بصورة أوتوماتيكية قدمت احتفالًا صوتيًّا ومرئيًّا يجمع بين التكنولوجيا والثقافة الصينية.

Embed from Getty Images

وسلطت شاشات التليفزيون الضوء على نحو خاص على اختراعات الصين في التكنولوجيا العالية مثل السكك الحديدية الفائقة السرعة في الصين والمدن الصينية الحديثة والاستاد الوطني المعروف أيضًا باسم «عش الطائر» وجسور السكك الحديدية ذات السرعة الفائقة و«العين السماوية» – وهو تليسكوب مساحته 500 متر افتتح في قويتشو في عام 2017، والذي سيكون ذا أهمية كبيرة للتنمية المدفوعة بالعلم والابتكار في الصين.

الصين: التركيز على التكنولوجيا والفضاء

ويضيف الكاتب: كما ظهرت على الشاشات أول طائرة ركاب كبيرة صينية كلها من صنع الصين وهي سي 919، ومركبة الشحن الفضائية الصينية تيانتشو 1، والتي نجحت في عام 2017 في مهمة طيران، مما مهد الطريق لـ«عصر محطة فضائية» وبرنامج رحلات الفضاء الصينية الذي يحمل البشر.

ويوضح الكاتب أن هذا التركيز على التكنولوجيا العالية وتكنولوجيا الفضاء استمر منذ حفل التسليم في عام 2018 حتى سردية أولمبياد بكين الشتوية 2022 والصين الجديدة المتمثلة في التميمة الأولمبية لألعاب بكين 2022: الباندا بينج دوين دوين (Bing Dwen Dwen)، الذي يرتدي زي رائد فضاء.

الدعاية.. حرب من دون إطلاق نار

ونفى الكاتب أن تكون دورة الألعاب الأولمبية الشتوية في بكين 2022 هي المرة الأولى التي تختلط فيها سياسات الرياضة بالفضاء. وخلال الحرب الباردة، خاضت القوتان العظميان – الولايات المتحدة واتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية – حربًا رمزية في كل من الرياضة والفضاء. لقد كانت «حرب من دون إطلاق نار» كما يقول الكاتب الإنجليزي جورج أورويل. في كلا المجالين كان الأمر يتعلق بإظهار أي نظام اجتماعي هو الأفضل.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ 3 أسابيع
مترجم: الصين وإيران ضد أمريكا في الموقف من عدوان إسرائيل على غزة.. لمن التأثير الأقوى؟

في الواقع سببت الانتصارات السوفييتية في الفضاء الخارجي صدمة كبيرة للأمريكيين لدرجة أنها دفعتهم إلى تطوير برنامج أبولو، الذي دفع الولايات المتحدة في نهاية المطاف إلى وضع رجل على القمر في عام 1968.

لكن المجالين كانا مختلطين أيضًا، خاصة خلال أولمبياد 1980 في موسكو وأولمبياد 1984 في لوس أنجلوس. وخلال حفل افتتاح أولمبياد 1980، قام رائدا فضاء بالتواصل مباشرة مع الجمهور والمشاهدين في اتصال مباشر من الكون. وبعد أربع سنوات في حفل افتتاح أولمبياد 1984، كان رجل الصواريخ ويليام سويتور يرتدي بدلة رائد فضاء أثناء تحليقه عبر الاستاد الأولمبي مستخدمًا حزمة نفاثة.

Embed from Getty Images

وفي أولمبياد سوتشي 2014، استغل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الحدث أيضًا لتوضيح طموحاته الفضائية. وكانت سياسة الفضاء الموضوع الرئيس في حفل الافتتاح الذي سلَّط الضوء على الإسهامات السوفيتية في تكنولوجيا الفضاء. لكن رحلة الشعلة الأولمبية إلى محطة الفضاء الدولية هي التي أظهرت حقًا رغبة الدولة الروسية في أن تصبح قوة عالمية عظمى في الفضاء.

هل هو سباق فضاء جديد؟

لم تزل الولايات المتحدة وروسيا تستثمران الكثير لكي يصبح كل منهما القوة العظمى في الفضاء، ولكن في بداية الألفية الجديدة، برزت الصين باعتبارها منافسًا جديدًا في ساحة المعركة السياسية للرياضة والفضاء. ومثلما أصبح الأمريكيون في عام 1957 مهووسين بفكرة أن الطريق إلى الهيمنة على العالم يمر عبر الفضاء، فإن الصين وخاصة في العقود الثلاثة الماضية بات لديها شعور مماثل.

وتعد هندسة الفضاء وتكنولوجيا الفضاء جزءًا مهمًا من خطة الصين الطموحة للغاية «صنع في الصين 2025»، والتي أطلقها رئيس الوزراء لي كه تشيانغ في عام 2015. وتسعى السياسة الصناعية التي تقودها الدولة إلى تأمين مكانة الصين بوصفها قوة عالمية في صناعات التكنولوجيا الفائقة، ويُعد الفضاء الخارجي المكان المثالي لاستعراض قدرات التكنولوجيا العالية لدى البلاد.

ويشير الكاتب إلى أنه في ظل حكم الرئيس شي جين بينغ، يعمل «حلم الفضاء» الصيني، كما يسميه، بأقصى طاقته. وباختصار تخطط الصين لتجميع محطتها الفضائية الخاصة بها بالكامل بحلول نهاية عام 2022، لبناء قاعدة على القمر وإطلاق بعثات بها بشر إلى المريخ في محاولتها أن تصبح قوة فضائية رائدة عالميًّا تتقن الابتكار المستقل في صناعة الفضاء. وتجسد استثمارات الصين الضخمة في تكنولوجيا الفضاء وأنشطتها في الفضاء ذروة الإنجاز التكنولوجي.

رائد فضاء الباندا باعتباره تميمة أولمبية

بينما دعت اللجنة الأولمبية الدولية لعقود من الزمان إلى عدم اختلاط الرياضة بالسياسة، كانت الصين تاريخيًّا استثنائية للغاية في استخدامها للرياضة في الأغراض السياسية، وتعد دورة الألعاب الأولمبية الشتوية في بكين 2022 منبرًا مثاليًّا لعرض طموحات الدولة المُضيِّفة في مجال الفضاء أمام العالم الخارجي وسكانه. وستلعب تميمة ألعاب بكين 2022 دورًا رئيسًا، وهي رائد فضاء الباندا المسمى «بينج دوين دوين».

دموع ميشا وإنجاز بوتين

ورجح الكاتب أن التميمة الرسمية لحدث رياضي دولي كبير مثل الألعاب الأولمبية وكأس العالم قد يكون لها أهمية أكبر مما كان يُفترض في البداية. وستظل التميمة الأولمبية من أولمبياد موسكو 1980 مطبوعة إلى الأبد في ذاكرة الشعبين السوفيتي والروسي.

Embed from Getty Images

وأصبح الدب البني، ميشا، رمزًا قويًّا لدورة الألعاب الأولمبية لعام 1980، والدمعة الشهيرة التي ذرفها ميشا في حفل الختام أعيد إنتاجها من قِبل تميمة الدب القطبي لدى بوتين في أكبر مشروع يرتقي بمكانته حتى ذلك الحين، ألا وهي دورة الألعاب الأولمبية الشتوية لعام 2014 في سوتشي.

ووفقًا لعالم السياسة جوزيف س. ناي، القوة هي القدرة على التأثير في سلوك الآخرين للحصول على النتائج التي يريدها المرء. ويمكن تحقيق ذلك، إما عن طريق «القوة الصلبة»، التي تقوم على استخدام القوة العسكرية، أو الاقتصادية، أو «القوة الناعمة»، التي تقوم على الجذب بدلًا عن الإكراه.

وفي مقال بعنوان «القوة الناعمة والأيديولوجية والتلاعب الرمزي في مراسم افتتاح الألعاب الأولمبية الصيفية: تحليل سيميائي»، يصف كريس آرنينج كيف يمكن أن تعمل التميمة باعتبارها خصائص منتجة للقوة الناعمة، حيث صُمِّمت غالبًا لإظهار كل من القلب الناعم والثقة والقوة لتكون قادرة على «ترك قناع القوة ينزلق».

التميمة والقوة الناعمة

وتكمن قدرة التميمة وفقًا لما يراه الكاتب على إنتاج القوة الناعمة في قدرتها على أن تكون «نزوة»، والتي يمكن تعريفها على أنها «ابتكار مرح» يمكن أن يثير شعورًا بما هو غير متوقع، ويكون له سحر مغرٍ. ومن خلال نزوة مرحة ومفاجأة فورية، يمكن للتمائم أن تغري الجمهور والمشاهدين بالخروج من حالة الرهبة إلى حالة من الفرح، وهو جزء من التلاعب الرمزي.

ومن خلال بينج دوين دوين، ستعيد الصين الباندا بوصفها تميمة أولمبية. وكان سفير الحيوانات الصيني المشهور للغاية أيضًا أحد التمائم الخمسة لدورة الألعاب الأولمبية الصيفية لعام 2008 في بكين، وكان أيضًا رمزًا للألعاب الآسيوية في بكين في عام 1990.

وكانت حيوانات الباندا على مدى عقود جزءًا فريدًا من الدبلوماسية الشعبية الصينية؛ ما يسمى بدبلوماسية الباندا، ولكن في حالة الألعاب الأولمبية لعام 2022، هناك أيضًا رسالة سياسية أساسية مرتبطة بالباندا واسمها بينج دوين دوين.

ولفظ «بينج» يعني الجليد ووفقًا للوصف الرسمي فإنه يرمز أيضًا إلى النقاء والقوة، وتمثل دوين دوين الأطفال. يقول الوصف: إن التميمة «تجسد قوة الرياضيين وقوة إرادتهم وستساعد في تعزيز الروح الأولمبية».

Embed from Getty Images

لكن جرى تصوير بينج دوين دوين أيضًا على أنه رائد فضاء وفي فيديو التقديم الرسمي، تصل التميمة إلى الأرض قادمة من الفضاء قبل أن يعود إلى الفضاء الخارجي حيث يحيا رائد فضاء معلق في الفضاء ومربوط بالمركبة تيانتشو 1.

عودة مواد الألعاب الأولمبية من القمر

وفي ديسمبر (كانون الأول) 2020، عادت الأعلام الأولمبية ودبابيس الشعارات ودمى التميمة إلى الأرض بعد رحلة إلى القمر على متن مسبار تشانغ إي-5 الصيني.

دولي

منذ شهر
«ذا دبلومات»: هل يعاني الجيش الصيني من نقاط ضعف خفية؟

وتشانغ إي-5 هي الرحلة القمرية الخامسة للبرنامج الصيني لاستكشاف القمر، وفي 17 ديسمبر هبطت كبسولة العودة لمسبار تشانغ إي-5 على الأرض بعد رحلة فضائية استمرت 23 يومًا، ولم تجلب معها أول عينات صينية من القمر فحسب، ولكن أيضًا مواد بكين 2022 الشهيرة. وسُلِّمت المواد بعناية إلى اللجنة المنظمة لأولمبياد بكين 2022 في برنامج تلفزيوني جرى بثه.

الصين أول دولة تهبط على الجانب المظلم للقمر

وفي ختام مقاله نفى الكاتب أن تكون هذه هي المرة الأولى التي تقوم فيها الصين ببعثة إلى القمر. وفي يناير (كانون الثاني) 2019 أصبحت الصين أول دولة في التاريخ تهبط بمسبار على «الجانب المظلم» من القمر. لكن طموحات الصين تذهب إلى أبعد من ذلك؛ إذ تضع أعينها على المريخ.

وهي موجودة هناك بالفعل. وفي مايو (أيار) 2021 أكمل مسبار المريخ الصيني تيانوين 1 بنجاح هبوطًا تاريخيًا على سطح الكوكب الأحمر، تاركًا بصمة صينية على المريخ للمرة الأولى. ولا توجد طريقة أفضل لتسليط الضوء على هذه الإنجازات أكثر من حفل افتتاح دورة الألعاب الأولمبية الشتوية 2022 حيث يشاهدها المليارات.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد