قبل بضعة أعوام، وضع الكوميديان لويس س. ك عرضًا كوميديًا خاصًا على موقعه بسعر زهيد، 5 دولارات، تجاوزت المبيعات مليون دولارًا بعد 12 يومًا، وبعد بضعة أيام، قسّم المبلغ كالآتي: 250 ألف دولار لتغطية نفقات الإنتاج؛ 220 ألف دولار لنفسه، 250 ألف دولار كمكافئات لطاقم العمل بأكمله، و280 ألفًا كتبرعات لخمس جمعيات خيرية.

لماذا تخلّى لويس عن أكثر من نصف المبلغ الذي جمعه؟

” لم أنظر أبدًا إليه كأنه (المال الخاص بي). كنت أراه دائمًا (المال) وفقط. إنه مورد إن تجمّع عندي الكثير منه فإنه يحتاج إلى أن يُعاد إلى النظام مرة أخرى”.

 

كيف تشعر بالكفاية من المال؟

نتعلم دومًا أن نضيّق على المال ونتحكم فيه، المال “مالي” أو “مالك”، لكنه بالتأكيد ليس “المال”، نتعلم دومًا أن نحاول جمع أكبر قدر من المال، لكي نحيا حياةً جيدة الآن، ونتقاعد تقاعدًا جيدًا فيما بعد، وإن لم تستطع جمع الكثير من المال لتحقيق رخائك، أنفق القليل وادّخر الباقي؛ لكي تتمكن من العيش برخاء لاحقًا.

عندما ننظر إلى تسلسل ماسلو الهرمي للاحتياجات، وهو واحد من أشهر النظريات حول التحفيز الإنساني، فإن المال يمكنه التأثر على كل شيء، بدء من احتياجاتنا الأولية في قاعدة الهرم، وانتهاءً بأسماها في أعلاه.

54226948

هرم ماسلو. المصدر: مبادرة الباحثين السوريون

 

يمكن القول بأن التأثير المباشر للمال يقع على الاحتياجات الأولية في أسفل الهرم: جودة الطعام، والملجأ، والعناية الصحية، هذه الاحتياجات تتطلب قدرًا معينًا من المال، لكن الاحتياجات الأسمى، مثل الحب/الانتماء، تقدير الذات وتحقيق الذات، تحتاج إلى أن تشعر بالاكتفاء من المال، لا أن تجمع الكثير منه فقط.

ليس أمرًا مستحيلا، ولكنه شديد الصعوبة، أن تفكر في أن تصبح الأفضل في مكان ما، بينما أنت قلق حول دفع الإيجار هذا الشهر، أو توفير طعام صحي لأسرتك. وربّما يكون الأمر مستحيلًا إن كنت قلقًا حول مكان مبيتك كل ليلة، أو شراء وجبتك القادمة.

إن هذه الطريقة في التعامل مع المال، طريقة “مالي ومالك”، هي التي تعلمنا التفاوض على العرض الأفضل، لقد تعلمنا أن الشخص على الطرف الآخر من الطاولة يحاول أن يحجز عنا أكبر قدر من المال، لهذا نذهب إلى المدرسة، ويُطلب منّا أن نجد عملًا منتظمًا؛ لأننا كمجتمع يشعر أغلبنا بأن العامل الأول الذي يحدد اختياراتنا في الحياة، هو المال.

إن أغلبنا يحتاج إلى قدر معين من المال. ربما لسنا كلنا جشعين ونريد من المال ما لن نقدر على إنفاقه، لكن أغلبنا يريد ما يكفيه من المال؛ ليشعر بالارتياح، و”ما يكفيه من المال” تختلف قيمته من شخص إلى آخر، لكن الثابت أن الراحة تأتي من تمكننا من اتخاذ الاختيارات التي نودها.

إن المال لا يشتري السعادة، لكن الكفاية تولد إحساسًا بالحرية. توفر لك وقتًا أطول للتفكير بما ستفعله في حياتك بدلا من محاولة النجاة من براثنها.

لقد أعاد لويس المال إلى النظام بلا مقابل مادي مباشر، إن عائده لم يكن ماديًا، ولكنه – بإعطائه المال لزملائه وللجمعيات الخيرية – أثر تأثيرًا إيجابيًا مباشرًا في أشخاص ومشاريع يهتم بشأنها، لكنّه فعل شيئًا آخر يدلنا على طريقة تفكير مختلفة في المال.

ربما يظن الكثيرون أن لويس يحيا حياة شديدة الرفاهية، مع كل هذا النجاح في مشواره المهني. لكن في حين أنه يكسب قدرًا جيدًا من المال، يكفل له الراحة لأعوام، فإنه أيضًا يترك الكثير من المال على الطاولة، لكي يحافظ على حريته الإبداعية، ويدعم الآخرين في الطريق.

لقد ألهمني لويس لكي أعطي مالا أكثر عندما أشعر بالكفاية. بدلًا من الإبقاء على الفائض، يمكنني أن أدعم به شخصًا أو شيئًا ما بلا انتظار لعائد مادي مباشر.

إن هذا التفكير بتطلب بعد النظر، وأحيانًا لا يكون العائد واضحًا جليًا. لكن إن كنت تؤمن بأن المال هو وقود، وليس شيئًا قيمًا يجب جمعه وكنزه، فإنك تخلق إمكانية عائد أكبر بكثير من العائد المادي: أن تعطي لأحدهم الفرصة لكي يختبر حرية الإلهام، الإبداع، أملًا في أن يعطي للعالم ما هو أقيم من مالك الذي كنت لتكنزه في جعبتك.

لا شك أن للمال أهميته في المجتمع، ولكن بعيدًا عن المكانة الاجتماعية، والرفاهية، فإن المال يمكنه أن يعطينا مستوىً عاليا من الراحة، والأمان، إن نظرنا إليه كسلعة أخرى فسيوفر لنا حرية الإبداع، وحرية التصرف بالطريقة التي تشعر أنها صحيحة، سيحررنا من قيود الاحتياج المستمر، وسيغذي النظام الذي يتيح لنا الحياة في رخاء.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد