أعد كريم شهيب وريتا كابالا تقريرًا نشره موقع «ميدل إيست آي» أفاد أن الأزمات المتعددة في لبنان تسببت في صدمة نفسية لمواطنيه الذين يكافحون من أجل البقاء، حيث يعاني الشباب أكثر من غيرهم. وإليكم الترجمة الكاملة لنص التقرير.

تدخن فاطمة سيجارتها وهي تنظر عبر النافذة في شقتها المكونة من غرفة نوم واحدة في حي السلوم جنوبي العاصمة اللبنانية بيروت، التي تتقاسمها مع زوجها وابنتها وأبنائها الثلاثة. وتقول السيدة البالغة من العمر 59 عامًا إن عائلتها عاشت دائمًا بشكل متواضع، لكن العام الماضي أجبرهم على تقديم تضحيات لم يتخيلوها قط.

في هذه الأيام، لا تعمل الكهرباء إلا لمدة ساعة تقريبًا في اليوم، كما تقول. ولكن لحسن الحظ، تمكنوا في كثير من الأحيان من إضاءة المصابيح فترة أطول، لأن مزود المولدات الخاص بها سمح لها بالدفع على أقساط.

عربي

منذ شهرين
ثلث أطفال لبنان باتوا لياليهم الشهر الماضي بأمعاءٍ خاويةٍ.. ما هي خيارات لبنان؟

يعمل زوج فاطمة البالغ من العمر 63 عامًا في مستودع، حيث كان يجني ذات مرة حوالي 667 دولارًا. ولكن مع فقدان الليرة اللبنانية حوالي 90% من قيمتها، في أزمة مالية غير مسبوقة، أصبح راتبه الآن يزيد قليلًا عن 50 دولارًا. وفي الوقت نفسه، تؤدي هي مهمات فردية للمساعدة في تغطية بعض النفقات.

قالت لميدل إيست آي: «لفد عملت ليوم واحد واشتريت سجادة. كان ثمنها 140 ألف ليرة [حوالي 7.22 دولارًا] وقد دفعته على أقساط». نظرًا لأن لبنان يعاني من أحد أعلى معدلات التضخم الغذائي في العالم، فإن فاطمة وعائلتها لا يستطيعون شراء اللحوم كما كانوا يفعلون من قبل. وهم يعيشون الآن على نظام غذائي يتكون أساسًا من البطاطس والعدس. وأحيانًا تنام فاطمة وزوجها دون طعام حتى يتمكن أطفالهما من أكل المزيد.

ذكرت اليونيسف في تقرير حديث لها إن أكثر من ثلاثة أرباع اللبنانيين ليس لديهم طعام كاف في منازلهم. حسين، ابن فاطمة الأصغر، 17 عامًا، يعمل لمدة 10 ساعات في محل لبيع العصائر والآيس كريم، في محاولة لجمع كل ما في وسعه من مال. تقول فاطمة: «إنه يأكل وجبة واحدة فقط في اليوم وقد فقد الكثير من وزنه؛ فوزنه 60 كيلوغرامًا وطوله 1.80 مترًا».

فاطمة – المصدر ميدل إيست آي

لا يستطيع حسين العودة إلى المنزل كل ليلة بعد العمل، كما تقول والدته، لأن «البلطجية» يجوبون الشوارع وهناك عدد قليل جدًا من عربات النقل المشتركة في الليل بسبب أزمة الوقود، لذلك غالبًا ما يبقى مع عمته التي تعيش بمفردها ولا تطبخ كثيرًا.

أما علي، ابن فاطمة البالغ من العمر 20 عامًا، فهو معاق ولا يمكنه العمل وابنها الأكبر، 32 عامًا، يكافح للعثور على عمل منتظم، لكنها تأمل أن تعيش ابنتها، المخطوبة الآن، حياة أفضل قريبًا. تقول فاطمة وهي تحاول كبح دموعها: «تحدث إليّ حسين اليوم وبكى على الهاتف قائلًا إنه لا يستطيع تحمل الأمر أكثر من ذلك ويريد العودة إلى المنزل».

تفاقم نقص الوقود بشكل كبير في لبنان الممزق اقتصاديًّا في يونيو (حزيران)، مما أدى إلى تحول الذهاب إلى محطة الوقود من عمل روتيني عادي إلى مصدر توتر شديد.

في محطة وقود بفرن الشباك، يتجلى مشهد مألوف في صباح حار ورطب. كان بضع عشرات من السائقين ينتظرون لساعات في طابور طويل لتزويد سياراتهم بالوقود، عندما بدأ موظفو المحطة فجأة في إبعادهم. قالوا إن مولد الكهرباء معطل، وبما أنه لم تكن هناك كهرباء حكومية في ذلك اليوم، لم تعد محطة الوقود قادرة على استيعابهم.

«كذابون!»، صرخ أحد السائقين وهو ينصرف، في حين جلس سائق دراجة نارية مصدومًا وبلا حراك لدقيقة قبل أن ينطلق وهو يصرخ: «تبًّا لهذا البلد!». قبل أيام قليلة فقط، في نفس محطة الوقود، أدت مشادة بين السائقين إلى اشتباكات، ليتطور الوضع إلى إطلاق الذخيرة الحية.

جروح حديثة

جلس ميشال، 45 عامًا، وباسكال، 35 عامًا، خارج منزلهما المرمم جزئيًّا والذي دمر في انفجار ميناء بيروت قبل عام تقريبًا. لقد سوى الانفجار معظم المنطقة المحيطة بالأرض، بما في ذلك منطقة الكرنتينا شبه الصناعية، مما أدى إلى تدمير والمنازل والشركات.

يكون الجو حارًّا جدًّا داخل المنزل، ولا يمكنهم تحمل تكلفة سوى ما يكفي من الكهرباء للحفاظ على الإضاءة وتشغيل الثلاجة. نشأ كل من ميشال وباسكال في الكرنتينا، شمالي شرق بيروت، حيث التقيا ووقعا في الحب وكونا عائلة. وهما الآن يبذلان كل ما في وسعهما لدعم ابنهما البالغ من العمر خمس سنوات وابنتهما البالغة من العمر ست سنوات.

يقول ميشيل: «في بعض الأحيان نبيع بعض الأشياء، مثل المجوهرات، للحفاظ على سير الأمور. نحن ندفع أكثر من نصف دخلنا على مولد الكهرباء». لقد دمر الانفجار منزلهم ومتجر ملابس ميشال – مصدر رزقه الرئيسي.

يضيف ميشال: «أقضي أيامي في السعي لمحاولة إعادة افتتاح المتجر»، على الرغم من أنه يخشى أن تكون إعادة فتح متجره عبئًا اقتصاديًا هائلًا، «لأن الناس بالكاد قادرون على شراء الطعام، لذلك لن يشتروا الملابس كثيرًا. إذا فتحنا المتجر، فعلينا أن نأخذ في الحسبان تكاليف الكهرباء والإيجار والموظفين – ولكن كيف يمكننا الدفع إذا لم نبع أي شيء؟».

باسكال وزوجها ميشال – المصدر ميدل إيست آي

تتدخل باسكال عندما يقول زوجها إنه على استعداد لبيع المزيد من المجوهرات والموروثات العائلية لمحاولة بدء عمل تجاري قائم على المزيد من الخدمات، ويفكر أيضًا في مغادرة البلاد، قالت: «ولكن لماذا يجب أن أغادر وأدع حكامها يواصلون نهبها؟ لن أغادر. حتى لو كان علي أن أتضور جوعًا».

عانت الأسرة معاناة شديدة في انفجار المرفأ. تعرضت أخت ميشال، أرليت 63 عامًا، لصدمة في الرأس – وفقدت القدرة على الكلام، والآن تعتني بها راهبات في مركز رعاية. قال ميشال إن المستشفيات فعلت كل ما في وسعها من أجل أخته وأنه على مار شربل الآن مساعدتها، في إشارة إلى قديس محلي. ومع ذلك، فإن رعاية أرليت المستمرة تمثل عبئًا ماليًّا على الأسرة. كما فقدت والدة ميشال منزلها في الانفجار ودُمرت صيدلية شقيقته.

معاناة الشباب

على بعد بضع كيلومترات إلى الغرب من الكرنتينا، يقول سكان الحمرا التي كانت تنبض بالحياة في السابق إن المنطقة الشعبية أصبحت مكانًا كئيبًا يعج بأصوات المولدات.

أحبت جنى، فلسطينية تبلغ من العمر 25 عامًا، الحياة الصاخبة في شارع الحمرا حيث درست وتعمل الآن. وتصف الشارع قائلة: «كان شارع لا ينام أبدًا. كل شيء كان في متناول الجميع». أما الآن، لم تعد ترى وجوهًا مألوفة في الشوارع، ولا تشعر بالأمان عند الخروج ليلًا، خاصة مع انقطاع التيار الكهربائي الذي يغمر المنطقة في الظلام.

عندما اندلعت أزمة العملة أواخر عام 2019، أضافت جنى شيئًا جديدًا إلى روتينها اليومي الصباحي: التحقق من سعر الصرف على التطبيقات والمواقع الإلكترونية. تقول: «لم أتوقف عن التحقق من سعر الصرف بقلق شديد. كان لدي أمل في أن تستقر الأمور مرة أخرى سريعًا».

تشعر جنى بأنها محظوظة لأنها موظفة في وقت يكافح فيه كثير من الناس في سنها لتأمين دخل ويختارون الهجرة بدلًا من ذلك. ومع ذلك، فإن مسؤولية رعاية والدتها، التي تعيش في مدينة صيدا الجنوبية حيث نشأت، زادت من الضغط عليها. تقول جنى: «كأنني أحاول إعالة أسرتين».

اقتصاد الناس

منذ شهرين
«الجارديان»: أزمة وقود وانهيار في كل مكان.. لبنان يواجه نهاية الزمان

لقد أصبح الحال بائسًا للغاية، لدرجة أن الشبان لم يعودوا يشاهدون الأخبار المسائية كما كانوا في السابق، لكنهم يشغلون أنفسهم بالمسلسلات التليفزيونية. تسببت الأزمة المالية المعوقة في توتر الشباب في لبنان، حيث عجز الكثير منهم عن العثور على عمل واضطر آخرون إلى العمل في أكثر من وظيفة لتغطية نفقاتهم. وفي تقرير صدر العام الماضي، أفادت اليونيسف أن 34% من الشباب في لبنان عاطلون عن العمل.

لم تتوقع يارا، البالغة من العمر 24 عامًا، أن تضطر إلى التوفيق بين ثلاث وظائف، حتى بعد نشأتها في منزل متواضع. بعد تخرجها العام الماضي، لم تنجح خططها للانتقال إلى الخليج لتكون معلمة. تعمل يارا الآن على الأقل 13 ساعة في اليوم، وبالكاد تجد الوقت الكافي لتناول الطعام والنوم. وخلال عطلة نهاية الأسبوع، تركز على متجرها عبر الإنترنت للملابس المستعملة. وكحال آلاف غيرها، تتطلع لمغادرة لبنان. تقول: «كانت كارثة عدم القدرة على الحصول على وظيفة تدريس. لكن الملابس المستعملة ظلت لفترة طويلة جزءًا من حياتي، لذلك فكرت لماذا لا أجعلها عملًا؟».

مدينة الأشباح

تغيرت الحياة في بيروت تغيرًا جذريًًّا، مثل معظم أنحاء البلاد. عند التجول في شوارع العاصمة، يمكن تلمس التغيير في الأجواء حول المقاهي والبارات والحانات والمطاعم التي تمكنت من البقاء مفتوحة، حتى بعد تضخم الأسعار وانقطاع التيار الكهربائي المستمر.

«ما هو سعر الزبادي اليوم؟» سُمع أحدهم يسأل صديقه في مقهى في الحمرا. في حانة في الجميزة، يتساءل السائقون فيما بينهم حول ما إذا كانوا قادرين على ملء سياراتهم بالوقود ذلك الصباح أم لا. تقول جنى: «ليست لدينا فرص للحديث عن أشياء إيجابية، لا يمكننا تجنب الحديث عن الدولار والسرقة والوقود ونقص الأدوية. لسوء الحظ، هذه محادثاتنا الآن».

مع انعدام فرصة وجود انتعاش اقتصادي في الأفق، تعكس واجهة مدينة بيروت النابضة بالحياة المعنويات المنخفضة التي يشعر بها معظم سكانها اليوم. فتقول جنى: «تبدو بيروت وكأنها مدينة أشباح»، وتضيف: «أشعر بأنني مجبرة على التواجد هنا».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد