كتب الصحافي البريطاني الشهير، روبرت فيسك، في صحيفة الإندبندنت تعليقًا حول المظاهرات التي تعصف ببيروت في الأيام الأخيرة، والتي تعد أكبر موجة غضب تجتاح البلاد بسبب فرض الحكومة ضرائب جديدة مع ارتفاع الأسعار وتداعي الظروف المعيشية للفقراء. ويقول فيسك: «لا ألوم المتظاهرين لأنهم فقراء وجوعي ويعانون في حياتهم اليومية».

يفتتح الكاتب مقاله بالقول: «اعتقدت أن الأيام التي كنت أركل فيها الإطارات المحترقة على الطرق قد انتهت. اعتدت على تنظيف الطريق في بلفاست (أيرلندا الشمالية) في عام 1972. ثم فعلت الشيء نفسه في كثير من الأحيان في بيروت».

ويستدرك: «لكني كنت هناك بالأمس، حيث انتظر سائقي الأمين سليم (والحمد لله جميع سائقينا مخلصون) بصبر فيما كنت أصافح رجل الميليشيا المحلية وأشرح له سبب رغبتي في الوصول إلى الدامور (حوالي 20 كيلومترًا جنوبي بيروت) وألوح في وجهه ببطاقتي الصحفية اللبنانية الصغيرة، وأنا أستخدم ببطء أفضل حذاء بني لدي لإزاحة الإطارات المحترقة من الطريق السريع. كانت الإطارات ملتهبة ومجرد إلقاء النظر إلى اللهب جعل عيناي تؤلماني». وأضاف: «هذا ما يفترض أن تفعله الإطارات المحترقة، بالطبع. وتراجع السائقون اللبنانيون خلفنا مثل الأرانب واستداروا عائدين إلى بيوتهم».

يستكمل فيسك روايته: «حسنًا، لقد مررنا لهذه النقطة، ومضينا بالسيارة في الطريق ونحن نضحك من أننا فعلنا ذلك. ولكن هذه كانت مسألة خطيرة للغاية. بقي الجيش بعيدًا فيما نصحت الشرطة سائقي السيارات بالعودة إلى منازلهم. القانون والنظام – هل تتذكر تلك الكلمات القديمة؟ – كانا أقل أهمية من الحق القانوني في استخدام الطريق. لكن لعدة ساعات، مارست وسليم حقنا في استخدام الطريق».

حركة أمل تتصدر المحتجين

ويضيف فيسك أن الرجال الذين كانوا يقومون بإشعال هذه الحرائق ينتمون، في جانبهم الأكبر، إلى «حركة أمل»، الجماعة الشيعية التي يسيطر عليها نبيه بري، رئيس البرلمان اللبناني. أو «هذا هو ما قيل لي، ولم أجادل حول هذا الموضوع».

ويستطرد فيسك أن حركة أمل تروي القصة الخاصة بها. كان البعض فقراء للغاية، وبدا ذلك جليًّا عليهم، وأنا لا ألومهم حقًّا على تصرفاتهم. لم يكن لبنان أبدًا دولة ثرية للغاية – باستثناء التجار السنيين والمصرفيين المسيحيين – وكان هؤلاء هم الأشخاص الذين لم يكن لديهم ما يكفي من الطعام. لعدة أيام، كانوا يحتجون على مصيرهم. لقد انخفضت الليرة اللبنانية، وارتفع سعر الغذاء وهو ما دفعهم إلى الاحتجاج.

Embed from Getty Images

الاحتجاجات لم تكن مفاجئة

ويتابع فيسك أن الاحتجاجات لم تكن مفاجئة بالنسبة له، ولكن كان هناك شيء جديد ومدهش في هذا الموضوع. طوال هذا الأسبوع، أحرقت جبال لبنان. وقد أزهر مجدهم وفخرهم الكبير المتمثل في أشجار الصنوبر والجبال الرائعة ألسنة اللهب. كانت مروحيات الحكومة الثلاث المتخصصة في إطفاء الحرائق يأكلها الصدأ في مطار بيروت الدولي – الحكومة لم تقوم بصيانتها – وكانت بحاجة إلى اليونان وقبرص والأردن لإرسال طائراتها لإخماد التلال المحترقة.

يقول فيسك: «شقتي الخاصة على الواجهة البحرية لبيروت كانت تنضج برائحة الدخان. في ليلة الأربعاء، زار الله لبنان – كان يتردد عليها من حين لآخر، وقرر أن يغمر البلد بالمطر والعواصف. في صباح يوم الخميس، كانت شرفتي مغطاة بالرمال والرماد».

ثراء فاحش وفقر مدقع

ويرى فيسك أن هناك شيئًا أكثر خطورة يحدث هنا. الغضب الجسدي للشعب اللبناني ليس مجرد فورة غاضبة لمليشيا. ليس ذلك لأن الناس العاديين يعانون من الجوع – وهم كذلك – ولكن لأن النظام غير العادل (الضرائب التي تتزايد باستمرار والأسعار التي ترتفع باستمرار) تجعل من المستحيل العمل من أجل جلب المال والطعام إلى المنزل.

يتساءل فيسك: «اسمحوا لي أن أطرح سؤالًا صغيرًا واحدًا فقط. على الواجهة البحرية للكورنيش، حيث أعيش – طريق باريس، كما قرر الانتداب الفرنسي تسميته في عشرينيات القرن الماضي – تعد المباني السكنية شبه خالية. باستثناء أولئك الذين يتقاسمون مجموعة المنازل الصغيرة التي أعيش فيها، لا يوجد سوى الظلام. يمكنك أن تقود سيارتك من هنا إلى وسط المدينة، على بعد أميال إلى وسط بيروت، دون أن تجد ضوءًا. هذه المباني مملوكة في الغالب للعراقيين باعتبارها استثمارات، كما يمتلك بعضها أيضًا السوريون والسعوديون ولا أحد يعيش هناك».

ويكتب فيسك أنه في بلد يعيش فيه فقراء وادي البقاع واللاجئون من سوريا واللاجئون الفلسطينيون (الذين لم نعد نتكلم عنهم بالطبع، لأنهم حطام الدولة الإسرائيلية) في أكواخ، فإن هذه المباني التي تمثل حراسًا أقوياء للمال تقف مزهوة بانتصارها: خاوية وغنية ومشينة. ويختم بالقول: لذلك أخشى أن يكون لدينا المزيد من الإطارات المحترقة على الطريق.

بحث في الجذور.. متى توحش الفقر في لبنان؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد