كان يأمل كثير من اللبنانيين، في أن يكون هناك يُسْر؛ متمثلًا في مجيء حكومة مستقلة وإجراء انتخابات جديدة مع العسر الذي خلَّفته هذه المأساة

 كتب جلبير الأشقر، أكاديمي وكاتب لبناني فرنسي، وأستاذ العلاقات الدولية بجامعة لندن، مقالًا نشرته صحيفة الجارديان البريطانية تناول فيه الأوضاع في لبنان بعد الانفجار الكبير الذي دمَّر مرفأ بيروت، موضحًا أن الأوضاع على حالها لم تتغير، وما تزال الطبقة اللبنانية الحاكمة قابضة على السلطة. وبعد أن أشاعت زيارة ماكرون إلى لبنان في أعقاب الانفجار الأمل، في حدوث تغيير كبير، لم يلبث الأمل أن خبا، وبدا أن ماكرون كما لو كان يستغل الحادث للعودة بلبنان إلى الخلف.

وفي بداية المقال، يقول الكاتب؛ إن كتب التاريخ ستُسجِّل الانفجار الهائل الذي هز لبنان في 4 أغسطس (آب) بوصفه نقطة تحول رئيسة في تاريخ البلاد، وبأهمية لا تقل عن أهمية الانفجار الأقل قوة الذي أودى بحياة رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري في 14 فبراير (شباط) 2005م. وانطلاقًا من أن الأمر استغرق خمس عشرة سنة، قبل أن تقر المحكمة التي عيَّنتها الأمم المتحدة بعجزها تجاه حل لغز الحادث الأخير؛ فلن يكون هناك أي تأكيدات رسمية في المستقبل المنظور بشأن ظروف الانفجار الرهيب الذي ضرب مرفأ بيروت. غير أنه يمكن الخروج ببعض الاستنتاجات بشأن هذه المأساة المؤلمة للغاية.

من المسؤول عن الانفجار؟

وأفاد الكاتب أن الاستنتاج الأول هو أنه على الرغم من الظروف الخاصة التي وقع فيها الانفجار، فإن مسؤولية ترك 2.750 طنًّا من مادة نترات الأمونيوم شديدة الانفجار مُخزَّنة في قلب بيروت، لمدة لا تقل عن ست سنوات تقع على عاتق الطبقة الحاكمة اللبنانية بأكملها – أي كل أولئك الذين كانوا في الحكومة اللبنانية خلال تلك الفترة – ويقع اللوم على الرؤساء ورؤساء الوزراء، ووزراء النقل، ورؤساء الأجهزة الأمنية الرئيسة والإداريين في المرفأ. وتضم القائمة قادة كل من الدولة اللبنانية الرسمية، والدولة الموازية التي يمثلها حزب الله في لبنان، والمعروف أنه يراقب عن كثب مطار بيروت والمرفأ ويستخدمهما كما يحلو له.

وتساءل الكاتب قائلًا: كيف وصل لبنان إلى هذه النقطة؟ لنفهم ذلك، نحن بحاجة إلى أن نأخذ في الاعتبار 30 عامًا من سوء الإدارة السياسية والاقتصادية. وقبل عام 1975م، عندما بدأت الحرب الأهلية، كان لبنان معروفًا بأنه «الجنَّة الضريبية (دول تتمتع أنظمتها المصرفية بقوانين صارمة لتحافظ على سرية حسابات عملائها الأجانب، فتساعدهم على التهرب من دفع الضرائب في بلادهم الأصلية)»: بمعنى أنه بلد الرأسمالية المتوحشة، وجعلت السرية المصرفية والضرائب الزائفة منه منطقة مثالية لغسيل الأموال وهروب رأس المال، وجميع أنواع التهريب.

مرفأ بيروت بعد الانفجار

مرفأ بيروت بعد الانفجار

وانتهت الحرب باتفاق سياسي، ودستوري بين الفصائل اللبنانية أُبرِم في عام 1989م، برعاية مشتركة من الملكية السعودية والنظام السوري. وجرى تأكيد ذلك الاتفاق في العام التالي بمشاركة سوريا في التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة والذي شن الحرب الدولية الأولى على العراق من الأراضي السعودية.

خروج سوريا من لبنان

ولفت الكاتب إلى أنه على مدار اثني عشر عامًا، كانت أمور لبنان تُدار وفقًا لهذا الوفاق السعودي السوري: كان رفيق الحريري، الذي يمثل الجانب السعودي، ينسق عن كثب مع غازي كنعان، رئيس جهاز الأمن السوري القوي في لبنان. وأدَّت معارضة دمشق للحرب الثانية بقيادة الولايات المتحدة على العراق واحتلاله في عام 2003م إلى نهاية الوفاق. وبدأت واشنطن في ممارسة الضغط لطرد القوات السورية من لبنان، وذلك من خلال رعاية قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1559 لعام 2004 (امتنعت روسيا والصين عن التصويت حتى لا تستخدما حق الفيتو ضد القرار).

وأدى اغتيال الحريري إلى اندلاع موجة من الغضب الشعبي، مما أجبر دمشق على سحب قواتها من لبنان. ومع ذلك، استمرت سوريا في لعب دور ما من خلف الكواليس في لبنان، وذلك من خلال تحالف ثلاثي مؤلف من حليفتها الوثيقة أمل، الحركة الطائفية الشيعية التي يقودها نبيه بري، رئيس مجلس النواب اللبناني مدى الحياة (تولى المنصب عام 1992م) وحزب الله الوكيل اللبناني لإيران حليفة سوريا الإقليمية، وميشال عون، العدو اللدود السابق لسوريا الذي شهد موقفه تحولًا كليًّا في عام 2006م.

إعادة الإعمار على النسق النيوليبرالي كان كارثة

وأوضح الكاتب أنه على مدى السنوات الخمسة عشرة الماضية، كان لبنان يُدار بالأساس على يد حكومة مشتركة متجددة، تضم سعد الحريري، نجل رفيق الحريري، والتحالف الثلاثي. وكانت الحكومة مستمرة في السياسة الاقتصادية الكارثية المتمثلة في إعادة الإعمار النيوليبرالي، والتي ظلت قائمة منذ نهاية الحرب. غير أن الحرب التي اشتعلت أوزارها في سوريا منذ الربيع العربي عام 2011م أضعفت دمشق إلى حد كبير، وزادت من دور طهران ووكيلها اللبناني؛ إذ أصبحت إيران صاحبة اليد العليا على سوريا نفسها. وتُرجِم هذا التحول في ميزان القوى الإقليمي إلى انتخاب عون رئيسًا في عام 2016م. وكانت المحاولة الفاشلة التي قام بها ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، لِلَي ذراع سعد الحريري لإنهاء التعاون مع أتباع طهران في عام 2017م بمثابة رد فعل أخرق على هذا التحول في الأحداث.

بيروت

مسؤولية مشتركة

وأضاف الكاتب قائلًا: على أي حال، تقع المسؤولية المباشرة عن انهيار الاقتصاد اللبناني على أطياف الطبقة الحاكمة كاملة في البلاد، كل أولئك الذين شغلوا المناصب على مدى الثلاثين عامًا الماضية، كما تقع بالقَدْر نفسه على عاتق القطاع المصرفي الذي وقعوا جميعًا في شَرَكه. ويجسد رياض سلامة، محافظ مصرف لبنان المركزي منذ عام 1992م، والذي ما زال يشغل المنصب، هذه المشكلات الراسخة. وجرى تأكيد هذه المسؤولية المشتركة من خلال الشعار المركزي الشهير للانتفاضة الشعبية التي بدأت في 17 أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي: «كلن يعني كلن».

ومع وصول الغضب الشعبي إلى ذروته بسبب انفجار بيروت الأخير، كان الأمل كبيرًا في لبنان في أن تتمخض المأساة عن جانب مشرق، يتمثل في فرض مطلبين رئيسين لانتفاضة أكتوبر على الطبقة الحاكمة: حكومة مستقلة حقًّا عن الطبقة الحاكمة، وانتخابات جديدة على أساس قانون انتخابي جديد. وكان المتوقع أن يؤدي الضغط الدولي إلى فرض تنفيذ هذين المطلبين، وتوفير ثقل موازن للطبقة الحاكمة المحلية.

زيارة ماكرون

وألمح الكاتب إلى أن زيارة الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إلى بيروت بعد يومين من الانفجار رفعت من سقف هذه التوقعات. وبدا ماكرون الزعيم الذي تجرأ على الاختلاط بالناس مباشرةً بعد الكارثة، كما اعتقد كثيرون، مُتنَاسِين أنها كانت فرصة رائعة لاحت لرئيس فرنسي يعاني من متاعب في بلده لالتقاط صور تذكارية. ولكن الآمال تلاشت: خط ماكرون الثابت فيما يتعلق بالشرق الأوسط هو التوسط بين الولايات المتحدة وإيران (إذ تُعد الرهانات الرأسمالية الفرنسية عالية)، كما فعل عندما حاول تنظيم اجتماع بين دونالد ترامب ووزير خارجية إيران على هامش قمة مجموعة السبع في عام 2019م في بلدة بياريتز بفرنسا.

واختتم الكاتب مقاله موضحًا أن منطق هذا الموقف بشأن لبنان يتمثل في أن ماكرون تصرف على نحو منهجي للحفاظ على حكم ائتلاف الحريري وحزب الله في البلاد. وهذا هو السبب الذي دفعه للتدخل بحسم لإعادة سعد الحريري المحتجز من الرياض في عام 2017م، وهو السبب أيضًا في أنه الآن بدد آمال الشعب اللبناني في تشكيل حكومة مستقلة وإجراء انتخابات جديدة من خلال تفضيله، كما ورد، «لحكومة وحدة»، والتي فُسِّرت على أنها خطة «لإعادة تنصيب رئيس الوزراء السني السابق سعد الحريري مقابل تنازلات من حزب الله». وبدلًا من إجراء تغيير هائل، قد يعني هذا أن ماكرون يعمل بنشاط لتحويل انفجار بيروت إلى قوة تدفع البلاد إلى الخلف، وهي بالتأكيد وصفة لزيادة السخط والمزيد من الاضطرابات.

عربي

منذ شهر
إعادة نظر لما حدث.. إليك خريطة النفوذ الأجنبي في لبنان

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد