13,390

تناول تقرير نشرته مجلة «الإيكونوميست» البريطانية التحدي الذي تواجهه بلجيكا في محاولتها لمواجهة التطرف، في ظل وجود عدد كبير من المسلمين في البلاد، وتنوع فصائلهم، كما يتناول التنافس القائم داخل المجتمع الإسلامي نفسه بين الأتراك والمغاربة لتولي الشئون الإسلامية في البلاد.

يبدأ التقرير بالحديث عن زيارة دونالد ترامب الأخيرة للعاصمة البلجيكية بروكسل الشهر الجاري، تلك المدينة المتنوعة ثقافيًا ومعماريًا وسكانيًا أيضًا، والتي ربما لا يعرف عنها ترامب الكثير، ولم ير صورتها الحقيقية. المدينة – تمامًا كبلجيكا بالكامل – مقسمة إلى جزء يتحدث الفرنسية، وآخر يتحدث الهولندية.

صعود إسلامي

هذه الأيام يمكن ملاحظة فجوة اجتماعية واضحة بين التراث الكاثوليكي الثري للمدينة، وجانب آخر يمثل ربع المدينة، وهو المجتمع الإسلامي، والذي من المتوقع أن يمثل الأغلبية بحلول منتصف القرن الجاري بحسب الأرقام الحالية. داخل المجتمع الإسلامي نفسه ثمة نوع من التنافس بين فصيلين أساسيين: المغاربة، والأتراك.

الجالية المسلمة في بلجيكا

على سبيل المثال ربما يحدث في كثير من الأحيان حالات زواج بين بلجيكيين من أصول مغربية من بلجيكيين مسيحيين، في حين يبدو الأمر نادرًا جدًا أن تحدث حالة الزواج تلك مع بلجيكيين من أصل تركي.

لمحاولة فهم الأمور، علينا النظر للأرقام الأخيرة حول اختيارات التعليم الديني للطلاب في التعليم الحكومي في العاصمة بروكسل (وهو ما يعكس غالبًا انتماء آبائهم). خلال السنوات السبع الماضية، تراجعت نسب المشاركة في حصص التعليم الكاثوليكي من 23% إلى 16% فحسب، في حين ارتفعت نسبة التعليم الإسلامي من 43% إلى 51%.

يعكس هذا الاتجاه قدوم مزيد من المهاجرين من شرق أوروبا ومن الجنوب؛ إذ يمكننا أن نرى أيضًا تزايد نسب حصص التعليم المسيحي غير الكاثوليكي (الأرثوذوكسي والبوتستانتي) مؤخرًا ليصل إلى قرابة 8%.

تستثني هذه الأرقام المدارس الابتدائية الدينية، والتي يُدرس أغلبها الكاثوليكية. في حال أخذ تلك المدارس في الاعتبار أيضًا، سوف نرى أن نسبة الصغار الذين يتلقون تعليمًا إسلاميًا في بروكسل لا تتجاوز 30% في حين أن من يتعلمون الكاثوليكية هم قرابة 50% من الطلاب.

أوضاع جديدة

ومع ذلك فهناك شعور عام بأن الكاثوليكي في حالة تدهور طويل الأمد؛ إذ ذكر مسئولون كاثوليك أن قرابة 20 كنيسة كبرى في بروكسل (خمس عدد الكنائس تقريبًا) هي زائدة عن الحاجة حاليًا. خلال العام الماضي بالكامل لم يتم تعيين سوى سبعة كهنة كاثوليك في أنحاء بلجيكا، بحسب التقرير.

تجمع لعدد من أعضاء الأحزاب اليمينية الرافضة لتزايد المسلمين في بلجيكا بمدينة أنتويرب (أ.ف.ب)

يشير التقرير إلى تدخل السلطات الفيدرالية البلجيكية مؤخرًا بقوة في ذلك المشهد الإسلامي المتصاعد مؤخرًا، خاصة مع الهجوم الإرهابي الكبير في البلاد في مارس (آذار) 2016، والذي استهدف مطار بروكسل بالإضافة إلى المترو. تسعى السلطات إلى تشجيع أصحاب الميول الدينية المعتدلة القائمة على الامتثال للقانون واحترامه، كما تواجه بقوة أي علامات للتطرف من اللحظة الأولى.

في مارس عقب التفجيرات، وبعد صدور مجموعة من التوصيات من لجنة برلمانية شُكلت بعض الهجمات الإرهابية، أنهت الحكومة رسميًا ترتيباتها، والتي كان بموجبها تتولى لجنة ذات انتماءات سعودية مسئولية المسجد الكبير في بروكسل.

تنتقل مسئولية المسجد بموجب ذلك القرار إلى الهيئة التنفيذية للمسلمين في بلجيكا، وهي منظمة قوية، لكنها كانت غير مُمكنة في أغلب الأحيان بحسب التقرير، إلا أن لديها صلاحيات واسعة فيما يتعلق بإدارة الشئون الإسلامية في البلاد، أهمها إصدار التصديقات المتعلقة بالمساجد ومساعدة الحكومة في توجيه الدعم المقدم للدين الإسلامي كغيره من الديانات في البلاد.

في مايو (أيار) كشف تقرير استخباراتي سُرِب للصحافة عن أسباب نقل الإشراف على المسجد الكبير في بروكسل؛ إذ ذكر التقرير اكتشاف بعض الكتب والمواد المكتوبة باللغة العربية التي تشجع على معاداة السامية ورهاب المثلية الجنسية والعنف والتطرف.

صراع مغربي تركي

المسئول الجديد عن المسجد والمنتمي للهيئة التنفيذية الإسلامية صلاح الشلاوي، والذي وُلِد في المغرب، أصر على الفور باعتباره مدير المسجد الجديد أن إدارته سوف تنتهج طريقًا مختلفًا لمنع وجود أي أفكار متطرفة في المسجد، وأن جميع المساجد التي تشرف عليها الهيئة لن تسمح بنشر تلك الأفكار، كما أن الأئمة التابعين لها سيسعون دائمًا لمساعدة وتوجيه من يستمعون لمثل ذلك الخطاب، وأن الهيئة ستعمل جاهدة أيضًا للتأكد من أن المسلمين المتواجدين في السجون لا يتعرضون لأي نوع من الأفكار المتطرفة.

المسجد الكبير بالعاصمة البلجيكية بروكسل – الإيكونوميست

يبدو ذلك خطابًا مشجعًا وجيدًا للغاية بحسب التقرير، إلا أن عمل الهيئة ونجاحها يبقى قيد الاختبار حاليًا. بعد يومين من إطلاق تلك التصريحات والوعود، استُبدِل الشلاوي – المغربي ذو الروابط القوية بمجتمع المسلمين ذوي الأصول المغربية في بلجيكا – من منصبه واستُبدِل بمحمد أوستون، أحد الرجال الأكثر تأثيرًا في مجتمع البلجيكيين الأتراك.

تم ذلك بموجب اتفاق لتناوب القيادة بين المغاربة والأتراك، إلا أن هناك الكثير من اللغط حول توقيت ذلك التغيير. يقول التقرير: «إن التنافس بين المغاربة والأتراك دائمًا ما تتسبب في شل عمل الهيئة، وربما يحدث ذلك من جديد بسبب تجدد تلك المنافسة».

ختامًا، يؤكد التقرير أن الوضع الآن في بلجيكا أكثر تعقيدًا بالنظر إلى حقيقة أنه في الجزء المتحدث بالهولندية من بلجيكا، دائمًا ما يشكك السياسيون ذوو الاتجاه القومي بقوة في أية جهة أو هيئة تمثل المسلمين، سواء كانت محلية أو أجنبية، حتى أولئك السياسيين الذين من المفترض أنهم ينتهجون خطًا معتدلًا.

العام الماضي – على سبيل المثال – قامت وزيرة الداخلية الممثلة للاتجاه القومي الفلمنكي، ليسبيث هومانس، بإلغاء تصريح أحد المساجد، كما رفضت 20 طلبًا مدعومًا فيدراليًا للحصول على تصاريح للمساجد. واتهمت الوزيرة السلطات الدينية والسياسية التركية بالتدخل بشكل غير لائق بشئون الجالية التركية في بلجيكا. بحسب التقرير، ليس هناك الكثير أمام الحكومة الفيدرالية البلجيكية لتفعله أمام هذا النوع من سياسات الحجب.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

تعليقات الفيسبوك