استحوذ بيرني ساندرز على قلوب وعقول الشباب الأمريكي المتحمس من الديمقراطيين أو محبي الحزب الديمقراطي في انتخابات الرئاسة الأمريكية لعام 2016، لكن قاعدة هيلاري كلينتون الانتخابية ساعدتها على الفوز في الانتخابات التمهيدية وإقصاء ساندرز. واليوم، يرى موقع «ڤوكس» الأمريكي أن فرص فوز ساندرز بالرئاسة تزايدت، بحسب تقريرٍ أصدرته مؤسسة جالوب مؤخرًا.

وذكر الموقع أن مؤسسة جالوب أصدرت تقريرها عن حالة الرأي العام داخل الحزب -وخاصة تلك المتعلقة بحملة بيرني لعام 2020- قبل ساعاتٍ قليلةٍ من إعلان بيرني ساندرز ترشحه رسميًا للرئاسة صباح الثلاثاء الماضي.

ودرس التقرير مدى تغير الحزب الديمقراطي على مدار 18 عامًا ماضية، ليجد أن ناخبي الحزب يتحولون بشكلٍ متزايدٍ إلى اليسار. ويرى الموقع الأمريكي أن ذلك يساعد على تفسير نجاح ساندرز المفاجئ عام 2016، وأسباب كونه أحد المرشحين الرئيسيين (واقعيًا) للفوز اليوم.

«بيرني ساندرز» والقضية الفلسطينية: على غير خطى «اللوبي» الإسرائيلي

وأفاد «ڤوكس» بأن هناك أيضًا المزيد من الأخبار الجيدة لنائب ولاية فيرمونت. ففي عام 2016، مثل الناخبون السود والديمقراطيون المسنون طوق النجاة بالنسبة لساندرز. ووجد تقرير جالوب أن نقاط الضعف التالية ليست عرضية: إذ أن الناخبين المسنين وغير البيض هم اثنين من أكثر المجموعات الفرعية محافظةً داخل الحزب الديمقراطي. ويخلق ذلك حاجزًا جوهريًا أمام ساندرز، أكثر المرشحين يساريةً في السباق الرئاسي، مما يظهر ضرورة تمسكه بقاعدة ناخبيه الأساسية وسط مناخٍ يضم عدة مرشحين يساريين آخرين.

ولكن الموقع الأمريكي يرى أن تحليل جالوب كان محدودًا في المعلومات التي تمكن من سردها عن فرص ساندرز في النجاح. إذ أن استطلاعات الرأي لم تطرح أسئلةً عن القضايا الرئيسية مثل الشرطة والعنف والهجرة، إذ أن السياسة والأيديولوجية ليست العوامل الوحيدة التي تشكل طريقة تصويت الناخبين الديمقراطيين في الانتخابات التمهيدية. لكن البيانات الجديدة تساعد في فهم الوضع الراهن على الأرض والعقبات التي يتعين على ساندرز اجتيازها إذا كان يرغب في الفوز.

النتائج الرئيسية لمؤسسة جالوب: الديمقراطيون أصبحوا أكثر تحررًا

وأفاد الموقع أن مستطلعي آراء جالوب فحصوا البيانات التي جمعت عن الحزب الديمقراطي منذ عام 2000، وقسموها إلى ثلاث فترات مختلفة: 2001-2006 حين بدأت أعداد متزايدة من الديمقراطيين في وصف أنفسهم بأنهم ليبراليون، و2007-2012 حين استقرت نسبة الديمقراطيين الذين يصفون أنفسهم بأنهم ليبراليون، و2013-2018 حين عادت تلك الأعداد إلى الزيادة مرةً أخرى.

وإجمالًا، أدى ذلك إلى تحولٍ كبيرٍ في أيديولوجية الحزب، بحسب الموقع. ولأول مرةٍ في تاريخ استطلاعات جالوب، وجد المستطلعون أن أعداد الليبراليين الذين يصفون أنفسهم بأنهم «ليبراليون» تخطت «المعتدلين» و«المحافظين» على مدار السنوات الأخيرة.

ولا يرى الموقع الأمريكي أن هذا مجرد فارقٍ دلالي. إذ وجدت بيانات جالوب أن آراء الناخبين الديمقراطيين بشأن سلسلةٍ من السياسات تحركت بشكلٍ متزايدٍ تجاه اليسار، بدايةً من الأسلحة والضرائب ووصولًا إلى التغير المناخي. وهذه نتيجة واقعية في أوساط الليبراليين، لكن الديمقراطيين المعتدلين والمحافظين أيضًا تحولوا إلى اليسار في بعض القضايا الرئيسية.

وأصبح الحزبين السياسيين الرئيسيين داخل الولايات المتحدة أكثر وحدةً من الناحية الأيديولوجية على مدار العقود العديدة الماضية بحسب «ڤوكس»، إذ يمثل الجمهوريون «المحافظين» بشكلٍ متزايد، في حين يمثل الديمقراطيون «الليبراليين» بشكلٍ متزايد. وأصبح الحزبان يدافعان عن هوياتٍ اجتماعيةٍ أوسع نطاقًا، إذ يعد الجمهوريون حزب المسيحيين البيض في أمريكا والديمقراطيون يمثلون بقية الشعب.

ونتج عن ذلك حزبان يستقطبان الناخبين إلى معسكرين يتحد كل منهما على الازدراء العميق للجانب الآخر، فضلًا عن عددٍ من الحواجز الداخلية التي تحول دون الانجراف الأيديولوجي من وجهة نظر الموقع الأمريكي. واتجه الجمهوريون إلى اليمين أكثر من اتجاه الديمقراطيين إلى اليسار، لكن بيانات جالوب تظهر أن الديمقراطيين يشهدون عملية تحولهم الشخصية أيضًا. وفي ظل تحول «الليبرالية» و«التقدمية» إلى جزءٍ أساسيٍ من هوية الحزب الديمقراطية، يرجح الموقع أن يعتنق الحزب مواقف السياسة التقدمية. ويتحول الديمقراطيون الآن من مختلف الخلفيات ومناحي الحياة إلى اليسار.

وأوضح معدو الدراسة: «ارتفعت نسبة الليبراليين 16 نقطةً في أوساط الديمقراطيين الحاصلين على شهادةٍ جامعية، و13 نقطةً بين طلاب الدراسات العليا، و12 نقطةً بين الأشخاص الذين لم يكملوا دراستهم الجامعية، و10 نقاط في أوساط الأشخاص الذين لم يدرسوا في الجامعة».

«الجارديان»: يوصف بها ترامب وبولسنارو.. دليلك لتعريف الشعبوية وتاريخها

ويرى «ڤوكس» أن هذه الظروف تعد مواتيةً للتفكير في احتمالية انتصار ساندرز. إذ تحول الحزب الذي رفع شأن بيل كلينتون المعتدل ليصبح حامل رايته الرئيسي إلى حزبٍ أكثر تحرريةً باختياره على مدار العقدين الماضيين. وكشف قرار ساندرز بالترشح للرئاسة عام 2016 عن مدى تغير الحزب واتجاهه إلى اليسارية. وارتفعت نسبة المنضمين لحزب الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا إثر ترشحه للرئاسة، وأصبحت طاقة الحزب الإيجابية موجهةً إلى نجمتها اليسارية الجديدة: النائبة ألكساندريا أوكاسيو-كورتيز.

وسرد الموقع الأمريكي الطريق الذي يتعين على ساندرز أن يسلكه للفوز بانتخابات الرئاسة عام 2020: الحفاظ على قاعدة مؤيديه في انتخابات عام 2016، واستغلال تحول الحزب إلى اليسار لحصد المزيد من المؤيدين، والاستفادة من مناخٍ أكبر يساعده على تفتيت أصوات الكثير من المرشحين المنافسين. وليس من الصعب تخيل فوز ساندرز بالانتخابات، بحسب الموقع، في ظل صعود اسمه على المسرح الوطني والخبرة التي اكتسبها من الحملة الرئاسية السابقة.

المشكلات التي ستواجه ساندرز: العمر والعرق

ولا يعني تحرر الحزب الديمقراطي تدريجيًا أن الانتخابات ستكون سهلةً بالنسبة لساندرز، بحسب «ڤوكس». إذ سيواجه منافسةً في اليسار من مرشحين مثل إليزابيث وارين. ولم تتضح بعد أعداد الناخبين من قاعدته الأساسية -الشباب البيض والناخبين اليساريين أيديولوجيًا- الذين سيحافظون على دعمهم له في ظل توافر خياراتٍ أخرى.

وأفاد الموقع الأمريكي أن أكبر العقبات في وجه محاولات ساندرز لتوسيع هذه القاعدة ما تزال مستمرةً منذ عام 2016: الديمقراطيون المسنون وغير البيض، إذ تقترح بيانات جالوب أنهم أكثر تحفظًا من الديمقراطي العادي.

مترجم: كيف تموت الديمقراطيات؟ أمريكا مثالًا!

ونفى الموقع أن تكون وجهات النظر الأيديولوجية والسياسية هي العوامل الوحيدة المؤثرة. إذ أن انتخابات عام 2016 شهدت ميل ناخبي هيلاري لليسارية أكثر من ناخبي ساندرز في بعض القضايا السياسية. وتتمتع مخاوف الهوية بنفس القدر من الأهمية أيضًا، إذ أنه من المهم أن يشعر الناخبون بمدى قدرة ساندرز الشخصية على إدراك مصالح مختلف الدوائر الانتخابية داخل الحزب الديمقراطي المتنوع. وتقترح بيانات جالوب أن نتائج انتخابات عام 2016 لم تأت بالكامل نتيجة تأييد الناخبين للمرشحين، بل إن جزءًا منها يعود إلى الاختلافات الأيديولوجية المتأصلة داخل الحزب.

وذكر «ڤوكس» أن العمر هو أكبر العوامل التي قسمت الأصوات بين ساندرز وهيلاري في عام 2016. إذ هيمن ساندرز على أصوات الناخبين الشباب، وخاصةً الفئة العمرية من 18 إلى 29 عامًا، لكنه مني بخسارةٍ كبيرةٍ في أوساط الناخبين الذين تخطت أعمارهم 45 عامًا. ووجدت بيانات جالوب أن غالبية الديمقراطيين الذين يصفون أنفسهم بأنهم «محافظون» تتجاوز أعمارهم 50 عامًا، والعكس هو الصحيح مع الديمقراطيين الذين يصفون أنفسهم بأنهم «ليبراليون».

وحل العرق في المرتبة الثانية بين العوامل المؤثرة على أصوات الناخبين بحسب الموقع، إذ وجدت جالوب أن الديمقراطيين البيض يميلون بقدرٍ أكبر إلى وصف أنفسهم بالليبراليين، على عكس الديمقراطيين غير البيض. وفي الوقت ذاته، ينقسم الديمقراطيون ذوي البشرة السمراء بين المحافظين والليبراليين.

وأورد الموقع الأمريكي الرسم البياني التالي، المستقى من البيانات التي جمعتها استطلاع آراء يوجوف-إيكونوميست عن الناخبين الديمقراطيين والمستقلين الذين يميلون إلى الحزب الديمقراطي إبان الانتخابات التمهيدية، الذي يظهر المنافسة بين ساندرز وهيلاري بناءً على عوامل العمر والعرق. إذ تمتعت هيلاري بشعبيةٍ أكبر وسط الناخبين غير البيض في مختلف الفئات العمرية، رغم تباين تلك الشعبية على مدار فترة الانتخابات التمهيدية. كما حظيت بشعبيةٍ أكبر في أوساط البيض الأكبر سنًا، في حين استحوذ ساندرز على أصوات الشباب الأبيض، ويظهر الرسم البياني أسفله مدى ازدياد شعبيته مع تقدم الانتخابات:

وأفاد الموقع أن الناخبين غير البيض يمثلون قرابة نصف أصوات الحزب الديمقراطي، ويميل الناخبون الأكبر سنًا للتصويت في الانتخابات التمهيدية، بعكس الناخبين الشباب. وحصلت هيلاري على أفضليةٍ لا تقهر بفضل هذه التقسيمات، بحسب الموقع. إذ فازت بـ99% من المقاطعات الجنوبية التي تضم أعدادًا كبيرةً من ذوي البشرة السمراء، مما ساعدها على اكتساح الجنوب وإقصاء ساندرز من الترشيحات.

وطرح استطلاع آراء جالوب أسئلته حول تفضيلات الأيديولوجية والسياسة، بحسب الموقع، ولم يسأل عن المرشح الذي يفضل الديمقراطيون التصويت له. وأثبت انتصار أوباما على هيلاري كلينتون عام 2008 أن مرشحًا تقدميًا يمكنه الهيمنة على أصوات الناخبين ذوي البشرة السمراء.

ولكن «ڤوكس» يرى أن هناك أسبابًا أعمق لمعاناة ساندرز مع هذه المجموعات، بخلاف حقيقة مواجهته لمؤسسةٍ حزبيةٍ متحدةٍ حول دعم هيلاري كلينتون. إذ أن هناك انشقاقات أيديولوجية واضحة داخل الحزب الديمقراطي بطول الخطوط الديموغرافية الظاهرة مما يخلق عقباتٍ في وجه مرشحٍ بأيديولوجية ساندرز، رغم اتجاه الحزب إجمالًا إلى اليسار.

ويؤمن الموقع الأمريكي بأن الطريق مفتوح أمام ساندرز للفوز بالانتخابات وسط الحزب الديمقراطي الأكثر تحررًا حاليًا، في حال اكتشف طريقةً لكسب ثقة هذه المجموعات أو قضى على محاولات إليزابيث وغيرها من المرشحين الذين يحاولون الاستفادة من قاعدة ناخبيه التي كسبها عام 2016. وإذا لم يحدث ذلك، سيكون السباق الرئاسي لعام 2020 أكثر انفتاحًا على كافة الاحتمالات مما هو عليه اليوم.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد