سلطت مجلة «جاكوبين» الأمريكية الضوء على تقرير نشرته شبكة «سي إن إن» الأمريكية عن فترة السياسي الأمريكي بيرني ساندرز حين كان عضوًا في حزب سياسي يساري مستقل في ولاية فيرمونت يُدعى حزب اتحاد الحرية.

ويتحدث التقرير عن كيف أن دعوة بيرني ساندرز في سبعينيات القرن الماضي لتأميم معظم الصناعات الأساسية لاقت إعجاب الاشتراكيين، لكنها لم تحظ بإعجاب الجميع.

مترجم: هل يفوز بيرني ساندرز برئاسة أمريكا 2020؟ هذه الإحصائيات تجيبك

ووفقًا لما نقلته مجلة «جاكوبين» عن تقرير شبكة «سي إن إن»، دعا حزب اتحاد الحرية إلى تأميم صناعة الطاقة والملكية العامة للبنوك وشركات الاتصالات والكهرباء والأدوية ومعظم وسائل الإنتاج مثل المصانع ورأس المال، فضلًا عن مقترحات أخرى مثل فرض ضريبة دخل بنسبة 100% على أصحاب أعلى الدخول في أمريكا.

ترشح ساندرز لمنصب حاكم ولاية فيرمونت وعضوية مجلس الشيوخ عن حزب اتحاد الحرية أربع مرات بين عامي 1972 و1976، وكان رئيسًا للحزب لفترة قصيرة. وأدى استياء ساندرز من جمود الحزب خلال فترات ما بين الانتخابات إلى رحيله عام 1977.

وتقول المجلة إن هذا التاريخ لم يكن سرًا، إذ جرى تداوله خلال عام 2016 عندما رُشح ساندرز لانتخابات الرئاسة الأمريكية عن الحزب الديمقراطي، واستغله البعض لتشويه ساندرز باعتباره «ستالينيًا صريحًا».

وبحسب المجلة فقد حث تقرير «سي إن إن» التيار اليميني على شن مزيد من الهجمات ضد الشيوعية. ونقلت المجلة عن مايكل أرينز المتحدث باسم اللجنة الوطنية للحزب الجمهوري قوله: «إذا كان هناك أي شك في أن الديمقراطيين هم حزب الاشتراكية، فإن مرشحهم متصدر استطلاعات الرأي لانتخابات عام 2020 دعا إلى سيطرة الحكومة الكاملة على صناعات بلادنا».

أفكار لم تتغير

لكن الحزب الجمهوري فسر الأمر بشكل خاطئ، حسبما أوضحت المجلة. إذ أكدت أن تقرير «سي إن إن» لا يذكر أي شيء من قريب أو من بعيد عن الحزب الديمقراطي، إلا على النقيض التام، وأنه في الواقع هناك عدد قليل فقط من الديمقراطيين البارزين مستعدون لتأييد توفير التأمين الصحي «ميديكير» للجميع والكليات المعفاة من الرسوم الدراسية، وأن القليلين الذين يدعمون هذه المطالب الشعبية اليوم جرى استقطابهم إلى التيار اليساري في أعقاب مغادرة بيرني.

وعلى العكس من ذلك، تشير المجلة الأمريكية إلى أن تقرير «سي إن إن» يكشف عن بيرني كونه ناشزًا بارزًا في مجال سياسي يعج بالمرتزقة من الشركات. ويحارب بيرني ضد سيطرة الشركات واستغلال العمالة طوال حياته. وتقول المجلة إن الشعب الأمريكي بالكاد كان بحاجة إلى المزيد من الأدلة على ذلك، لكن هكذا كان الأمر على أية حال.

وبحسب المجلة فقد كان تبرير بيرني لاقتراحه عام 1973 بتأميم شركات الطاقة هو أنه «من غير المنصف أن يُجبر محدودو الدخل والعاملون على المساهمة بالمزيد من الأرباح للخزائن التي تفيض بالفعل لأصحاب المليارات»، مضيفًا أنه «يجب أن تكون صناعة النفط وصناعة الطاقة بأكملها مملوكة للدولة وتُستخدم للصالح العام، وليس لتحقيق أرباح إضافية للمليارديرات».

ورغم أن البعض قد يرى هذه الفكرة متطرفة مقارنة بأجندته الحالية، فإن السياسات التي تؤيدها هي نفسها سياسات بيرني بما لا يدع مجالًا للشك.

ولا بد من قول إنه جرت دراسة مقترح توفير «التأمين الصحي للجميع»، وهو المقترح الأبرز في سياساته، قبل أن يروج له خلال حملته الانتخابية الرئاسية عام 2016.

وسيؤدي برنامج «ميديكير» إلى تأميم صناعة التأمين الصحي، لتجري الاستعاضة عن الشركات الخاصة الهادفة للربح ببرنامج عام واحد يتحمل تكاليف التأمين بدلًا من المواطنين، تمامًا مثلما اقترح بيرني تطبيقه على شركات النفط في سبعينيات القرن الماضي.

وفي عام 1993، وبعد 20 عامًا من انضمامه إلى حزب اتحاد الحرية، قدم بيرني أول مشروع قانون له بشأن تأميم صناعة الرعاية الصحية إلى الكونجرس، وقال بيرني في تقديمه لمشروع القانون: «لا يحتاج نظامنا إلى المساعدات المؤقتة أو الترقيع أو مفاهيم مثل المنافسة المدارة. نحن بحاجة إلى نظام جديد».

وصفه البعض بالجنون، لكنه كان في مهمة محددة، إذ أضاف «يعتقد الشعب الأمريكي أن الرعاية الصحية يجب أن تكون حقًا لجميع المواطنين وليست فقط امتيازًا للأثرياء»، وفق المجلة.

وترى مجلة «جاكوبين» أن رسالة ساندرز ظلت متسقة في العقدين التاليين، إذ كتب عام 2013، في بداية فترة غموضه الفكري، قائلًا: «يجب أن تكون الرعاية حقًا وليست امتيازًا»، مضيفًا: «يدرك الشعب الأمريكي أن نظامنا الحالي للرعاية الصحية لا يجدي نفعًا، وأن الحل طويل الأجل الوحيد لأزمة الرعاية الصحية في أمريكا هو وضع برنامج وطني عام للرعاية الصحية».

وفي غضون بضع سنوات، بعد أن استمر في هذا المسار مدة نصف قرن، شق ساندرز طريقه إلى النجاح بفضل هذه الرسالة، ليصبح السياسي الأكبر شعبية في الولايات المتحدة، بحسب المجلة الأمريكية.

وذكرت أن ساندرز أيد السياسات الطموحة الداعمة للطبقة العاملة حتى عندما كانت تُعد هامشية، مقتنعًا بأن غريزة الشعب تجاه العدالة ستتجاوز في نهاية المطاف تشاؤمه بشأن ما هو ممكن سياسيًا.

تاريخ حافل

وفي السباق الرئاسي الأولي للحزب الديمقراطي، كان هذا التاريخ الحافل هو ما يميز بيرني ساندرز عن المرشحين الآخرين. وفقًا للمجلة. فعندما كان بيرني في الثلاثينات من عمره، كان يحاول بناء حزب سياسيّ مستقل هدفه على حد قوله، «توفير وضع يحصل فيه المواطنون العاملون العاديون على ما يحق لهم».

عندما كانت السياسية الأمريكية كامالا هاريس، التي أعلنت ترشحها للانتخابات الرئاسية عام 2020 عن الحزب الديمقراطي، في الثلاثينات من عمرها، كانت تعمل مدعية عامة في مكتب المدعي العام لمنطقة سان فرانسيسكو، وتحرز تقدمًا في مسيرة مهنية سياسية من خلال إرسال الأشخاص إلى السجن.

وعندما كان السياسي الأمريكي بيتو أورورك، الذي أعلن ترشحه هو الآخر لانتخابات 2020 عن الحزب الديمقراطي، في الثلاثينات من عمره، كان ينصب نفسه ليبراليًا اجتماعيًا في أثناء استطباق الأحياء اللاتينية منخفضة الدخل بمدينة إل باسو، داعيًا إلى «فرض رقابة أفضل على المساومة الجماعية في القطاع العام»، واستمالة المؤيدين الأثرياء للجمهوريين.

بينما كانت السيناتور الديمقراطية إليزابيث وارن، التي أعلنت ترشحها أيضًا لانتخابات عام 2020، تنتمي إلى الحزب الجمهوري عندما كانت في الثلاثينات من عمرها. وغيرت وارن انتمائها الحزبي فقط عندما أصبحت تشعر بالقلق من أن عدم انتباه الحزب الجمهوري بالشروط المثالية للمنافسة في السوق من شأنه أن يعرض الرأسمالية، وهو النظام الاقتصادي الذي تؤيده، للخطر.

في حين كان السياسي الديمقراطي جو بايدن، الذي يعتزم الترشح لانتخابات 2020، يحارب ضد مساعي إلغاء التمييز العنصري في المدارس العامة عندما كان في الثلاثينات من عمره.

لم يكن بايدن سياسيًا بعد، وكان معارضًا قويًا لنقل الأطفال بالحافلات إلى مدارس خارج مناطق إقامتهم (بغرض تحقيق توازن عنصري في هذه المدارس)، مطلقًا عليه «أكبر مشكلة مدمرة يمكن أن تحدث لولاية ديلاوير». وفيما يتعلق بالعنصرية، قال بايدن: «أنا لست مسؤولاً عن خطايا والدي، أنا مسؤول فقط عن خطاياي».

ساندرز المدافع باستماته عن الطبقة العاملة

وعلى عكس بايدن في شبابه، كان ساندرز في شبابه ناشطًا يحارب التمييز العنصري في التعليم، بحسب مجلة «جاكوبين».

وبعد عقودٍ، تقول المجلة إن ردود فعل بايدن وساندرز برزت تجاه هذه القضايا مرة أخرى، إذ تباينت مواقفهما بشأن سياسة الجريمة، مشيرة إلى أنه في مناقشة بالكونجرس عام 1994، أبدى بايدن تخوفه من المجرمين المفترسين وقال إن البلاد بحاجة إلى «استعادة السيطرة على شوارعنا من خلال المزيد من قوات الشرطة والمزيد من السجون».

في حين تحدث ساندرز في المناقشة ذاتها معترضًا على حملات الاعتقال الجماعي، داعيًا إلى فرض نظام عدالة جنائية بعقوبات أخف، وطالب الكونجرس بمكافحة الجريمة من خلال الحد من الفقر الجماعي.

وترى المجلة أنه مثلما كان موقف بايدن المبكر بشأن دمج المدارس مؤشرًا قويًا على كيفية تعامله مع قضايا العدالة الجنائية، كانت دعوات ساندرز المبكرة لفرض سيطرة الدولة على الصناعات مؤشرًا قويًا على كيفية أدائه بوصفه رئيسًا، معتبرة أن تلك الدعوات تشير إلى أنه لا يخشى الإساءة إلى مجتمع الأعمال، وأن هدفه سيكون هو الكفاح من أجل الطبقة العاملة.

وتختم المجلة تقريرها قائلة إنه إذا كان الشعب الأمريكي جادًا بشأن انتزاع القوة الهائلة للنخبة الحاكمة وبناء مجتمع قائم على العدالة والديمقراطية، فينبغي له النظر إلى تاريخ المرشحين وسؤالهم أي منهم يضع هذه الأولويات حقًا في اعتباره.

«بيرني ساندرز» والقضية الفلسطينية: على غير خطى «اللوبي» الإسرائيلي

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد