يُظهر البحث أن الأُسَر التي تكافح من أجل البقاء في جميع أنحاء اليمن تحصل على الغذاء والخدمات عبر طُرُق مثيرة للدهشة

نشرت صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية تحليلًا لدراسة أجراها ديفيد وود، الأستاذ بكلية الدبلوماسية والعلاقات الدولية في جامعة سيتون هول، وجوزيف هادلستون، الأستاذ المساعد بالكلية ذاتها، وهارشانا جورهو، الباحثة المساعدة في معمل الدبلوماسية في كلية الدبلوماسية والعلاقات الدولية، عن الأوضاع الاقتصادية في اليمن وموقف المنظمات التي تقدِّم المعونات منها، مشيرًا إلى أن الأُسَر اليمنية واجهت الأزمة الاقتصادية من خلال استخدام المُدَّخرات وبيع الممتلكات الخاصة.

عربي

منذ شهر
«بروكنجز»: دول اليمن السبع.. هل نشهد نهاية اليمن الموحَّد؟

يستهل التحليل بالإشارة إلى أن تقديرات الأمم المتحدة تشير إلى أن 24.3 مليون شخص في اليمن، ما يعادل 80% من السكان، مُعرَّضون لخطر للإصابة بالمرض والجوع. وفي أجزاء من البلاد، يكافح أكثر من 60% من السكان من أجل تأمين الغذاء، بعد أن أدَّى الانهيار الاقتصادي الذي يغذيه الصراع إلى زيادة الصعوبات التي يواجهها اليمنيُّون في شراء الطعام وغيره من الاحتياجات الأساسية. وأدَّت الأزمة الإنسانية وتزايُد التهديدات بوقوع مجاعة إلى حدوث ثاني أكبر استجابة معاصرة للمساعدات في العالم، كما أسهم ذلك في الوصول إلى قرار الرئيس الأمريكي جو بايدن الذي يقضي بالتراجع عن إدراج جماعة أنصار الله، المعروفة أيضًا باسم الحوثيين، على قائمة التنظيمات الإرهابية (لتسهيل وصول مساعدات إنسانية للشعب اليمني)؛ ما أدَّى إلى ارتفاع تكلفة الواردات الغذائية.

ويتساءل التحليل: كيف يواجه اليمنيون الظروف الصعبة؟

ويجيب معدُّوه: أوضحنا في تقريرنا الأخير أن اليمنيين أنفقوا أصول أسرية، واتَّجَهوا إلى «أسواق محلية نشطة» للحصول على السلع والخدمات الأساسية. وقد تكَّيفت هذه الأسواق مع العمل في إطار القيود التي فرضها الصراع، ولا يخلو وجودها من تداعيات مهمة فيما يخص صُنْع السياسات المتعلقة باليمن. ومع أن البرامج الاقتصادية «الكبيرة» يصعُب تنفيذها ويمكن أن تكون محل نزاع سياسي، يشير بحثنا إلى أن دعم الأسواق المحلية قد يكون له تأثير مباشر في مساعدة اليمنيين.

ما مدى عمق الأزمة الاقتصادية؟

استخدم معدو التحليل عينة عشوائية مُقسَّمة إلى طبقات لاختيار 877 أسرة على جانبي الصراع في اليمن حتى يفهموا طبيعة هذه الأسواق. واختاروا 22 موقعًا لجمع العيِّنات وفقًا لثلاثة أبعاد، وهي: هل يعيش المشاركون في الدراسة تحت سيطرة «جماعة أنصار الله (الحوثيين)» أم تحت سيطرة الحكومة المعترف بها دوليًّا، أم يعيشون في ظل تنمية اقتصادية ذات مستوى أعلى أو مستوى منخفض؛ أم يعيشون في خِضَمِّ مستويات أعلى أو مستويات أقل من العنف.

واستخدم معدو التحليل في كل موقع أسلوبًا منهجيًّا لأخذ العينات، وتوجَّه القائمون على الدراسة إلى كل منزل لإجراء مقابلة مع رَبِّ الأسرة. وحصلت العينات التي أخذها الكُتَّاب على معدل استجابة بلغ 91%، وكانت المحصلة النهائية عبارة عن عينة مكوَّنة من 801 أُسرة معيشية. كما أجرى الكُتَّاب أيضًا مجموعات تركيز ومقابلات في جميع أنحاء البلاد للتحقُّق من صحة الاستنتاجات التي توصَّلوا إليها من خلال التحدُّث مع الشباب، والنساء، والمسؤولين، والأكاديميين، والمسؤولين الأمنيين، ورجال الأعمال.

Embed from Getty Images

وتُظهر نتائج الدراسة الآثار العميقة للصراع على الأُسَر في اليمن. وأشار المشاركون في الدراسة بوجه عام إلى انعدام الأمن الاقتصادي باعتباره أحد أهم التهديدات: إذ ذكر 30% من المشاركين في الدراسة أن الافتقار إلى فُرص تأمين الدخل يمثل أكبر تهديد يواجهونه، فيما ذهب 28% منهم إلى أن «تجدُّد العنف» يُمثِّل أكبر التهديدات.

وتراجعت فرص تأمين الدخل في القطاعين العام والخاص في اليمن. على سبيل المثال، تكشف الردود الواردة على الدراسة في المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون أن العمل في القطاع العام انخفض بواقع 11% منذ عام 2015. وحيث إن كثيرًا ممَّن يعملون في وظائف القطاع العام لم يتقاضوا رواتبهم منذ شهور، فإن أولئك الذين ذكروا أنهم يعملون لا يتحصَّلون بالضرورة على أي دخل. وتتلخص النتيجة في أن العمل لدى المجموعات المسلحة يوفر الدخل الأكثر استقرارًا. وعند سؤالهم عن فرص الدخل المتاحة للشباب، أوضح 61% من المشاركين في الدراسة في المناطق التي تقع تحت سيطرة الحكومة و35% من المشاركين في مناطق الحوثيين أن الانضمام إلى الجيش أو إلى قوات الأمن الأخرى هو الخيار الأفضل على الدوام.

ويؤكد الكُتَّاب على أن أسعار المواد الغذائية ارتفعت نظرًا للحصار المفروض على مناطق الحوثيين وارتفاع تكلفة السلع المستوردة ووسائل النقل. ويؤدي الانخفاض الشديد في الدخل إلى تفاقم مشكلات القدرة على تحمُّل التكاليف. وينفق اليمنيون على الطعام ما يقارب أربعة أضعاف ما ينفقونه على أي لوازم أخرى، بما في ذلك الإسكان والرعاية الصحية ووسائل النقل. ويُمثِّل الغذاء في العينة التي أخذها الكُتَّاب نصف نفقات الأسرة التي شملتها الدراسة، وهي نسبة أعلى بكثير من غيرها في بلدان أخرى في المنطقة. وبالموازَنة، ينفق الجزائريون 37% من دخل الأسرة على الغذاء.

كيف تواجه الأسر هذه الظروف؟

يرى الكُتَّاب أن اليمنيين واجهوا نقص الدخول من خلال استخدام المُدَّخرات وبيع الممتلكات. ومنذ عام 2015، أفاد 62% من المشاركين في الدراسة أنهم استنفدوا مُدَّخراتهم أو باعوا ممتلكاتهم من أجل دَفْعِ ثمن الطعام والماء، ولعلَّ أبرز هذه المُدَّخرات والممتلكات المجوهرات والموروثات العائلية. وذكر المشاركون في مجموعة التركيز الخاصة بالكُتَّاب أنهم توقَّفوا عن تناول اللحوم والجُبْن والحلويات بالكامل تقريبًا ولم تعُد ضمن وجباتهم الغذائية للتوفير في تكاليف الغذاء. كما أفاد بعض المشاركين أن أُسرَهُم انتقلت إلى تناول وجبتين فقط يوميًّا، مؤكدين على أنهم «يعيشون حياة تقشُّفية».

Embed from Getty Images

كما واجه اليمنيون هذه الظروف أيضًا من خلال البحث عن فرص في أماكن أخرى. وفي الواقع، يمكن أن يكون النزوح الداخلي نتيجة للمخاوف الاقتصادية بقدر ما يكون نتيجةً للعنف. ومنذ عام 2015، أعاد 18% من العينة التي أخذها الكُتَّاب توطين أنفسهم، وغادر 63% منهم مناطق تقع تحت سيطرة الحوثيين. وأوضح نصف أولئك الذين نزحوا إلى المناطق الحكومية أن «الهروب من المشكلات» هو سبب إعادة توطينهم، فيما أشار 40% في كامل العينة إلى أن المخاوف الاقتصادية مثل «العثور على عمل» و«صعوبة التأقلم» هي التي تدفعهم إلى النزوح.

ماذا تُقدم الأسواق النشطة في اليمن؟

وخلُص معدو التحليل أيضًا إلى أن الأسواق والشركات تكيَّفت مع الأزمة التي شهدتها اليمن. وقد ألزمت الأزمة الاقتصادية كثيرًا من اليمنيين بالاعتماد على ما يُطلُق عليه الكُتَّاب «الأسواق النشطة». وهناك قَدْر من التنظيم، على الرغم من أنه ليس من الواضح دائمًا ما هي السلطات التي تتمتع بالحق والقدرة على التدخُّل، وربما يكون أولئك المنخرطون في هذه الأسواق عُرضَة للاستغلال على أيادي مجموعات خارجية. وكانت هذه الأسواق قد ازدهرت في اليمن، إذ تمكَّنت من تلبية الاحتياجات الأساسية لبقاء كثيرٍ من الأُسَر من خلال تمكينهم من الحصول المُطَّرد على الوقود والمياه النظيفة والغاز المُستخدَم في الطهي وتبادُل العُملات.

عربي

منذ شهر
على الرغم من ثروات اليمن.. لماذا لا تملك الحكومة الشرعية المال؟

وقد وجدت الأعمال التجارية والأفراد النشطين في قلب هذه الأسواق طرقًا للبقاء في سياق الصراع، والتفاوض بشأن المطالب السياسية المتباينة في صنعاء وعَدَنْ وحماية أنفسهم من المجموعات المُسلَّحة. وكشفت مجموعات التركيز الخاصة بالكُتَّاب عن أن قادة الأعمال التجارية أنشأوا شبكات تأثير ودعم على جانبي الصراع تُمكِّنَهم من ممارسة أعمالهم. ومع أن معظم اليمنيين يبدو أنَّهم غير واضحين بشأن طبيعة القواعد التي تحكُم السوق وكيفية اضطلاع قوات إنفاذ القانون بمهامِّها والسلطات التي تتمتع بحق تنظيم هذه الأسواق، يُنحِّي الضغط الذي يفرضه الصراع والبقاء هذه المخاوف جانبًا. وتخدم هذه الأسواق غرضًا أساسيًّا مُتمَثِّلًا في تخفيف آثار الصراع على كثير من الأُسَر في اليمن.

يختتم التحليل بالإشارة إلى نداءً أطلقته الأمم المتحدة من أجل اليمن في الشهر الماضي جمع 1.7 مليار دولار، أي نصف هدف النداء فقط. ونظرًا لسَعْي المنظمات الدولية والجهود الخاصة لتقديم المساعدة، تُعطي الطبيعة المزدوجة للاقتصاد اليمني الذي يتمتع بالقدرة على التكيُّف بعض المؤشرات المهمة. وقد يكون من الصعب تنفيذ تَدخُّلات اقتصادية واسعة النطاق، مثل الإصلاحات الزراعية أو دعم قطاعات مُحدَّدة أو توحيد البنك المركزي، نظرًا للبيئة المالية اليمنية والسلطات المتنافسة في صنعاء وعدن. وبدلًا عن ذلك، يمكن أن يكون دعم الأسواق الحالية التي نشأت لتوفير السلع والخدمات الأساسية لليمنيين الذين يكافحون، من دون تحيُّز لأي طرف، نهجًا فعَّالًا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد