بعد أكثر من عام من المساومات بين الحكومات المتنافسة في كل من طبرق وطرابلس، فإن الجهود التي تدعمها الأمم المتحدة من أجل تحويل ليبيا من دولة مقسمة إلى دولة موحدة، تحت إدارة واحدة، وذات مصداقية، يبدو أنها قد بدأت تؤتي ثمارها أخيرا. أعلن مبعوث الأمم المتحدة «مارتب كوبلر» في 11 ديسمبر/ كانون الأول أن الحكومتين اللتين تقتسمان السيطرة على البلاد، المؤتمر الوطني العام الذي يهيمن عليه الإسلاميون في الغرب، ومجلس النواب المعترف به دوليا في الشرق، على استعداد للتوقيع على اتفاق تقاسم السلطة بحلول 16 ديسمبر/ كانون الأول الحالي.

هناك مشكلة واحدة فقط: هي أن الصفقة التي تعرضها الأمم المتحدة ليست هي الصفقة الوحيدة المطروحة على الطاولة. في اليوم ذاته الذي أعلنت فيه الأمم المتحدة اقتراحها، فإن مجموعة من الممثلين المنشقين من كلتا الحكومتين قد مدا أيديهما بصفقة منافسة، وهي واحدة من شأنها أن تقوض المفاوضات، وتعطل عملية السلام إلى أجل غير مسمى.

وتأتي خطة الأمم المتحدة بعد أكثر من عام من المفاوضات لاستعادة الاستقرار من بعد سيطرة مجموعات فجر ليبيا على العاصمة طرابلس في عام 2014 وإجبار حكومة البلاد المنتخبة على إعادة تجميع صفوفها في الشرق في مدينة طبرق. منذ ذلك الحين، تم تقسيم ليبيا بين الحكومتين. المحادثات التي ترعاها الأمم المتحدة، بقيادة نائب رئيس المؤتمر الوطني العام «صالح مخزوم» ونائب رئيس مجلس النواب «محمد شعيب» قد توجت مؤخرا في صفقة تم الإعلان عن ملامحها يوم 11 ديسمبر/كانون الأول، وتشمل الاتفاق على تشكيل مجلس رئاسي متعدد الأعضاء لحكم البلاد. وسيتألف المجلس من رئيس و5 نواب و3 أعضاء كبار. وسوف يوفر اتفاق تقاسم السلطة المزيد من التمثيل إلى الجهات الفاعلة السياسية القبلية والإقليمية في جميع أنحاء البلاد. لو لم يكن هناك مخاوف من اتفاق منافس، فإن مسئولي الأمم المتحدة لم يكونوا ليعلنوا هذا الاتفاق في وقت مبكر؛ لأنه كان من المرجح أن يتم طرحه خلال قمة الأمم المتحدة حول ليبيا، والمقرر عقدها في 13 ديسمبر (اليوم) في روما.

لكن البعض في ليبيا لديهم تساؤل حول مدى جدية الصفقة التي ترعاها الأمم المتحدة، ويرجع ذلك في جزء كبير منه إلى أن الأمم المتحدة نفسها ليست محايدة تماما. مبعوث الأمم المتحدة السابق «بيرناردينو ليون»، بعد كل شيء، له صلات وثيقة بدولة الإمارات العربية المتحدة، وهي الدولة التي قدمت دعما لا لبس فيه إلى الحكومة في طبرق. في الواقع، في نظر العديد من الليبيين، وبخاصة أنصار الإدارة في طرابلس، فإن قبول «ليون» في الشهر الأخير لعرض عمل إماراتي مربح هو تأكيد صارخ على أن مفاوضات الأمم المتحدة كانت دائما منحازة بشكل صارخ لصالح مجلس النواب.

مدفوعين بالإحباط من الأمم المتحدة، فإن نائب الرئيس «عوض عبد الصادق» من المؤتمر الوطني العام و«إبراهيم عميش» من مجلس النواب قد قررا التفاوض على اتفاق بديل. الآن، فإن منتقدي الاتفاق الذي تدعمه الأمم المتحدة يتجمعون حول الاتفاق البديل؛ نظرا لأنه يرسل إشارة واضحة لأصحاب المصالح الخارجية للبقاء بعيدا عن السياسة الليبية.

الخطة المنافسة، التي تعرف باسم اتفاق ليبيا – ليبيا، قد حازت على دعم كبير، على الرغم من أن محتواها الفعلي ليس مجديا من الناحية السياسية بقدر اتفاقية تقاسم السلطة المدعومة من الأمم المتحدة. أخذ المشاركون في محادثات الأمم المتحدة بعين الاعتبار البيئة السياسية المعقدة والمجزأة للغاية في ليبيا، كما يعطي الاتفاق صوتا لمجموعة متنوعة من المصالح الإقليمية والقبلية في جميع أنحاء البلاد.

 

الاقتراح المنافس (ليبيا – ليبيا) على النقيض من ذلك، يركز السلطة في أيدي الجهات الفاعلة في كل من طبرق وطرابلس. ويستند الاقتراح إلى تشكيل هيئة تمثيلية جديدة من شأنها أن تختار لجنة لترشيح رئيس للوزراء خلال 15 يوما، إضافة إلى لجنة أخرى تجري مراجعة للدستور الليبي. على أن تحظى كلتا الحكومتين بتمثيل متساو في كل من اللجنتين.

وفقا لـ«شعيب»، الذي كان جزء من مفاوضات الاتفاق الذي تدعمه الأمم المتحدة، فإن «عميش» لم يكن لديه تفويض بالتفاوض، لكنه ذهب إلى ما هو أبعد من سلطته في هذه المحادثات الموازية. يدعي كل من «عميش» و«عبد الصادق» أنهما قد اتفقا بالفعل على اسم الرئيس المؤقت ونائبين له. الآن هما يحاولان فقط حشد الدعم الدولي الكافي لجعل اتفاق لجعل ليبيا – ليبيا قابلا للحياة، حتى أنهما قد قاما بنشر مقال في صحيفة «ذا هيل».

في نهاية المطاف، فإن صفقة ليبيا – ليبيا سوف تسقط سريعا. ليس فقط الأمم المتحدة، ولكن أيضا الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ومعظم الدول المجاورة قد رفضت الاتفاق. (الرئيس التونسي قدم في البداية ملاحظات إيجابية، ولكنه بعد فترة وجيزة أكد دعمه للاتفاق المدعوم من الأمم المتحدة). الاتفاق المنافس هو مفرط في التبسيط فيما يتعلق بهيكل السلطة في ليبيا، لدرجة أن العديد من المليشيات والمجموعات الإقليمية على يقين من رفضه بشكل قاطع.

ومع ذلك، مهما كانت عيوبها، فإنه لا ينبغي على صفقة ليبيا – ليبيا أن تكون واقعية أو مناسبة حتى تكون فعالة. موقعا الصفقة لم يكن لديهما أي شكوك أن المجتمع الدولي سوف يرفض اقتراحهما ناهيك عن أنه لن يوضع أبدا موضع التنفيذ. الصفقة ليست أكثر من أداة سياسية وضعت بعناية لزعزعة مقترح الأمم المتحدة، وهو أمر تؤكده حقيقة أن المظاهرات لدعم اقتراح ليبيا – ليبيا قد تركزت بشكل كبير في مدن غرب طرابلس ومصراتة. ليبيا، إذن، هو بلد ينقسم مرتين: تمزق مرة بين الشرق والغرب، وها هو يشتعل أيضا بين أولئك الذين هم على استعداد للعمل مع الجهات الراعية الأجنبية وأولئك الذين يرفضون بشدة أي تأثير خارجي. هذا الصدع العميق والدائم في السياسة الليبية سوف يضمن أن المفاوضات سوف تستمر، دون جدوى، في المستقبل المنظور.

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد