يُعد تأكيد الرئيس الأمريكي جو بايدن على أن الولايات المتحدة ليست في حالة حرب لأول مرة منذ 20 عامًا بعد انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان تجاهلًا للصراعات المستمرة على نطاق أصغر.

نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية تقريرًا عن الحروب التي تخوضها الولايات المتحدة في جميع أنحاء العالم ومدى صِدْق التصريحات التي أدلى بها الرئيس الأمريكي جو بايدن بشأن الكَفِّ عن الدخول في حروب أخرى. وخلُص التقرير الذي أعدَّه مراسل الصحيفة الاستقصائي مارك مازيتي إلى أن تورُّط القوات الأمريكية في شنِّ الحروب لم يزل مستمرًّا، وأن التعهُّدات التي قطعها بايدن لا تختلف عن نظيرتها التي قطعها الرؤساء الأمريكيين السابقين، خاصة أن مسؤولي الإدارات الأمريكية المتعاقبة أساءوا استخدام قرار التفويض الذي صدر عام 2001 لتنفيذ أعمال انتقامية بعد أحداث 11 سبتمبر، من أجل تبرير شنِّ عمليات ضد مجموعات لم تكن موجودة حتى عندما وقعت هذه الهجمات.

هل تطوي واشنطن حقًا صفحة خوض الحروب؟

يستهل الكاتب تقريره بالإشارة إلى أن الرئيس الأمريكي جو بايدن أعلن أمام الأمم المتحدة يوم الثلاثاء أن «الولايات المتحدة ليست في حالة حرب لأول مرة منذ 20 عامًا. وقد طوينا هذه الصفحة».

دولي

منذ شهرين
مترجم: 3 أسباب توضح لماذا كانت ستخسر أمريكا في أفغانستان على كل حال

وقبل يوم واحد من هذا الإعلان، أضرم صاروخ أطلقته طائرة أمريكية من دون طيار النيران في سيارة كانت تسير على طريق بعيد في شمال غرب سوريا، حيث استهدف الهجوم عنصرًا يشتبه في كونه من أعضاء تنظيم القاعدة. وقبل ثلاثة أسابيع شنَّ الجيش الأمريكي غارة جوية في الصومال استهدفت عناصر من حركة الشباب المُسلَّحة، في إطار تنفيذ حملة جوية أمريكية في ذلك البلد، الذي تفاقمت فيه الأوضاع في الأشهر الأخيرة.

ويؤكِّد التقرير أنه لم يعُد هناك جنود أمريكيون على أرض أفغانستان حقًّا، ولكن الحروب التي تخوضها أمريكا لم تزل نيرانها موقدة. وكان تأكيد بايدن أمام الأمم المتحدة يهدف إلى إظهار أنه أوفى بتعهُّده بإنهاء أطول حرب خاضتها أمريكا، كما أدلى بايدن بخطابه في اليوم ذاته الذي دُفِن فيه آخر جندي قُتِل قبل الانسحاب الأمريكي من أفغانستان في مقبرة أرلينجتون الوطنية.

واستدرك المراسل قائلًا: ولكنَّها كانت أحدث المحاولات التي يجريها رئيس أمريكي خلال العقدين الماضيين منذ اندلاع هجمات 11 سبتمبر (أيلول) للتلاعب بلغة الحرب من أجل إخفاء واقعٍ مؤلِم في بعض الأحيان، وهو: أن أمريكا لم تزل متورطة في صراعات مُسلَّحة بجميع أنحاء العالم.

وأدرج بايدن في خطاب أرسله إلى الكونجرس في يونيو (حزيران) جميع البلدان التي تنفِّذ فيها القوات الأمريكية عمليات ضد عدد كبير من المجموعات المُسلَّحة، بداية من العراق وسوريا مرورًا باليمن والفلبين، ووصولًا إلى النيجر.

هل خرجت القوات الأمريكية من الشرق الأوسط؟

وينوِّه التقرير إلى أن هناك أكثر من 40 ألف جندي أمريكي يتمركزون في جميع أنحاء الشرق الأوسط، بما في ذلك 2500 جندي في العراق بعد مرور أكثر من 18 عامًا على إصدار الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن مرسومًا بغزو ذلك البلد. كما يوجد نحو 900 جندي في سوريا في مهمة بدأها الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما في عام 2015، وأوضح بايدن أنَّه سيصدر تعليماته إلى الجيش من أجل تنفيذ عمليات على أرض أفغانستان في المستقبل بهدف التصدِّي للتهديدات الإرهابية الناشئة، حتى إذا اضطر الجيش الأمريكي إلى شنِّ هذه العمليات من قواعد خارج البلاد.

Embed from Getty Images

«لن تعود قواتنا إلى أرض الوطن. وعلينا أن نكون صادقين بشأن ذلك الوضع»، هكذا قال النائب توم مالينوفسكي، عضو الكونجرس الديمقراطي عن ولاية نيوجيرسي، خلال الشهادة التي أدلى بها وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن ‏أمام الكونجرس هذا الشهر. وأضاف مالينوفسكي: «إنها (القوات الأمريكية) تنتقل فقط إلى قواعد أخرى في المنطقة ذاتها من أجل تنفيذ مهمات مكافحة الإرهاب ذاتها، بما في ذلك المهمات التي تُنفَّذ في أفغانستان».

مُبرِّرات لخوض الحروب

ووفقًا للتقرير، أسفرت حالة التصدُّع التي شهدها تنظيم «داعش»، فضلًا عن ظهور أذرع للتنظيم في شمال أفريقيا وآسيا وفي أماكن أخرى، إلى تقديم مُبرِّرات للمُخطَّطين العسكريين من أجل الاستمرار في شنِّ بعض العمليات التي وصفها بايدن في خطابه الذي أرسله إلى الكونجرس.

ووفقًا للخطاب، لا تتضمَّن غالبية عمليات نشر القوات هذه «مشاركة دائمة في القتال»، ولكن «قد يُطلب من القوات الأمريكية في عديد من الأماكن أن تدافع عن نفسها ضد التهديدات أو الهجمات». ويوضح كاتب التقرير أن بيانات البنتاجون التي صدرت خلال الأشهر الأخيرة تُظهر استمرار تنفيذ الهجمات التي استهدفت تنظيم «داعش» في العراق وسوريا، حتى إذا كانت القوات الأمريكية لا تنفِّذ سوى عدد قليل من هذه الهجمات شهريًّا.

دولي

منذ 3 شهور
«ذي إنترسبت»: مليون قتيل و8 تريليونات دولار.. هذه نتائج حرب أمريكا على الإرهاب

وكانت حروب الظل التي خاضتها الطائرات من دون طيَّار وقوات العمليات الخاصة جزءًا من التاريخ الذي أعقب حقبة الحادي عشر من سبتمبر على غرار الصراعات التي اندلعت في العراق وأفغانستان. ولكنَّ الرؤساء الأمريكيين روَّجوا بأساليب مختلفة للفوائد المُكتسبَة من هذه العمليات أمام الرأي العام الأمريكي من خلال تصويرها باعتبارها حروبًا تتَّسِم بمزيد من النظافة ومكافَحة الفساد، وهو ما يُطلِق عليه ميكا زينكو، خبير شؤون الأمن القومي، «تعريف مُخِل للحرب».

لماذا تراجع أوباما عن سياسة «عدم نشر قوات برية»؟

وبحسب التقرير، صرَّح أوباما مرارًا وتكرارًا بأنه يعارض «نشر قوات برية» في مناطق نائية من العالم، غير أن إدارته قدَّمت استثناءات تتعلَّق بقوات العمليات الخاصة التي دفعت مسؤولين أمريكيين في بعض الأحيان إلى تحريف الكَلِم عن مواضعه للتقليل من أهمية الدور القتالي الذي تؤديه هذه القوات.

وفي أواخر عام 2015 عندما ضغط عليه أحد المراسلين بشأن با إذا كان قرار نشر القوات في العراق وسوريا بمثابة نقض لتعهُّده «بعدم نشر قوات برية» أم لا، أجاب أوباما بأن الشعب الأمريكي أدرك أن ما يعنيه بهذا التعهُّد هو «أننا لن نشنَّ غزوًا على العراق أو سوريا على غرار الغزو الذي شهدته العراق من خلال الكتائب العسكرية التي تنشط في مُختلَف أرجاء الصحراء». ووصف البنتاجون المجموعة الأولى من الجنود التي تتكوَّن من 200 جندي باعتبارها «قوة استهدافية استطلاعية مُتخصِّصَة».

Embed from Getty Images

ويلمح التقرير إلى أنه عندما أصدر بوش مرسومًا سريًّا في عام 2008 من أجل شنِّ حملة عبر طائرات من دون طيار تستهدف معاقبة تنظيم القاعدة في باكستان، لم يضطر الرئيس الأمريكي آنذاك قطعًا إلى أن يتحدَّث علنًا عن هذه العمليات؛ لأنها تمَّت تحت رقابة سُلطة العمليات السرية التابعة لوكالة الاستخبارات المركزية.

وبوصفه مرشحًا رئاسيًّا في عام 2016، تحدَّث دونالد ترامب عن شكوكه المتعلقة بالحروب الكبيرة والمُكلِّفَة التي تخوضها القوات الأمريكية في العراق وأفغانستان، ولكنه استخدم لغة صاخبة بشأن كيفية شنِّه «قصفًا» على تنظيم «داعش». وفي النهاية قال زينكو: إنه شنَّ «قصفًا على كل بلد قصفه أوباما».

هل انتهت الحروب الأبدية؟

ويضيف التقرير: تولَّى بايدن مقاليد حكم الولايات المتحدة بعد أن تعهَّد بإنهاء «الحروب الأبدية» ودافع دفاعًا مُستميتًا عن قراره المتعلق بسحب القوات الأمريكية من أفغانستان في ظل انتقادات لاذعة من جانب المُشرِّعين المُنتمين لكلا الحزبين (الديمقراطي والجمهوري). غير أن مسؤولي إدارته أوضحوا أن المهمات القتالية الجارية في بلدان أخرى ستستمر، لا سيما تلك البلدان التي تتضمَّن عمليات نشرٍ كبيرة للقوات الأمريكية أو البلدان التي تخضع لتدقيق شديد من جانب وسائل الإعلام الإخبارية.

ولا يلاحظ بعض المحاربين القدامى هذه الفوارق الدقيقة. يقول النائب روبين جاليجو، وهو عضو ديمقراطي في الكونجرس عن ولاية أريزونا وأحد المحاربين القُدامى الذين شاركوا في حرب العراق: «يختلف منظور كل شخص للحرب اختلافًا شديدًا». وأضاف: «أرى من وجهة نظري أن هناك أشخاصًا يطلقون النار عليك، وهذا بمثابة دقِّ طبول الحرب».

دولي

منذ شهرين
«واشنطن بوست»: كيف كان العالم سيبدو لو لم تغزُ أمريكا العراق؟

ويوضح التقرير أن الإدارة الأمريكية كانت قد أمضت أشهرًا في محاولة فرض قواعد جديدة تُنظِّم كيفية تنفيذ هجمات مميتة خارج مناطق الحرب المُعلَنَة وموعد تنفيذ هذه الهجمات، ونشأت هذه الجهود من خلال الاعتقاد السائد في أوساط فريق بايدن بأن القواعد أصبحت متساهلة للغاية أثناء مدة ولاية ترامب التي بلغت أربع سنوات.

ولكن انهيار حكومة أفغانستان السريع، فضلًا عن الرأي السائد في أوساط مسؤولي الإدارة الأمريكية بأن تنظيم القاعدة وغيره من المجموعات الإرهابية يمكن أن يكتسب قوة في البلاد في وقت أقرب مما كان مُتصوَّرًا من الأساس، أدَّى إلى تعقيد هذه العملية. ومع أن مسؤولي البيت الأبيض تصوَّروا في الأساس أنهم سيحتفظون بإحكام السيطرة والرقابة على الموافقة على شنِّ هجمات عسكرية، ناقش هؤلاء المسؤولون في الأسابيع الأخيرة إمكانية منح القادة العسكريين مزيدًا من الحرية من أجل تنفيذ هجمات في أفغانستان وبعض البلدان الأخرى التي ربما تشهد تنفيذ مزيد من العمليات العسكرية.

وقد اعتنق أربعة رؤساء أمريكيون الأسلوب الأمريكي الجديد للحرب، ويرجع ذلك جزئيًّا إلى أن الكونجرس وضع قيودًا طفيفة للغاية على الأماكن التي يمكنهم خوض الحروب فيها. وتُنفَّذ معظم عمليات مكافحة الإرهاب الأمريكية في جميع أنحاء العالم من خلال استخدام التفويض الذي منحه الكونجرس للسيد بوش منذ 20 عامًا لتنفيذ أعمال انتقامية بعد هجمات 11 سبتمبر.

تداعيات قرار التفويض باستخدام القوة

ويشير التقرير إلى أن كبار المُشرِّعين استنكروا على مدى سنوات حقيقة أن الرؤساء اللاحقين استمروا في استخدام القرار الذي صدر عام 2001، وهو قرار التفويض باستخدام القوة العسكرية، لتبرير شنِّ عمليات ضد مجموعات لم تكن موجودة حتى عندما وقعت هجمات 11 سبتمبر. ولكن لم يكن هناك إجماع سياسي كافٍ في الكونجرس لإلغاء التفويض الذي مضت عليه عقود، أو الاستبدال به.

وخلُصَت عِدَّة إدارات أمريكية أيضًا إلى أنه على عكس الحروب التي لا تحظى بشعبية في أفغانستان والعراق، يدعم الرأي العام الأمريكي على نطاق واسع تنفيذ العمليات التي يبدو أنها لا تُمثِّل سوى خطر صغير على القوات الأمريكية. وإذا كانت هذه العمليات ستُعرِّض القوات الأمريكية للخطر الشديد، تتصدَّر الصحف الأمريكية عناوين كارثية.

Embed from Getty Images

ويستنتج كاتب التقرير أن الضربة الفاشلة التي نفذتها طائرة من دون طيار في الشهر الماضي في العاصمة الأفغانية كابول كانت أحدث الأمثلة على ذلك. وقد تحوَّل ما قصده الجيش الأمريكي باعتباره هجومًا ضد ما اعتقده مسؤولون أنه مُسلَّح يُخطِّط لشن هجوم انتحاري، إذ وصف رئيس هيئة الأركان المُشتركة هذه العملية بأنها عملية «مبرَّرة أخلاقيًّا»، إلى نكبة أسفرت عن مقتل مَن اعترف البنتاجون لاحقًا أنه رجل وعائلته البريئة.

وقد غادرت القوات الأمريكية أفغانستان الآن، ولكنَّ ستستمر التكنولوجيا التي خرجت من رحم أطول حرب أمريكية. ويختم الكاتب تقريره مستشهدًا بما قاله مالينوفسكي خلال شهادته أمام الكونجرس: «لم يكن ذلك الهجوم الذي نفَّذته طائرة من دون طيَّار في كابول آخر عملية في حربنا». وأضاف: «ولكنَّه كان لسوء الحظ أول فصل في المرحلة التالية من حربنا».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد