أعدَّت آشلي باركر، مراسلة صحيفة «واشنطن بوست» في البيت الأبيض، تقريرًا نشرته الصحيفة الأمريكية سلَّطت فيه الضوء على التداعيات الناجمة عن الانسحاب الكامل للقوات الأمريكية من أفغانستان، موضحةً أن إدارة بايدن لا تَعُد هذا الانسحاب نهاية للحروب الأبدية، لكنه تدشين لمرحلةٍ جديدةٍ، ولكنها قد تكون محفوفة بالمخاطر، بحسب ما تراه المراسلة.

تحديات جسيمة بعد الانسحاب الكامل

في مستهل تقريرها، تُوضِّح المراسلة أن الانسحاب الكامل للقوات الأمريكية من أفغانستان يوم الاثنين (30 أغسطس/ آب) يُمثل نهاية لمُهمة الجيش الأمريكي التي استمرت 20 عامًا في تلك البلاد. لكن الرئيس الأمريكي، جو بايدن، لا يَعُد هذا الانسحاب نهاية حقيقية لـ«الحرب الأبدية» أكثر من كونه نقطة تحوِّل. ولذلك، يُمثل انسحاب القوات الأمريكية بداية مرحلة جديدة من تورُّط الولايات المتحدة في أفغانستان، والتي قد تكون محفوفة بالمخاطر أيضًا، وتعد تحديًا للقيادة الأمريكية لا يقل صعوبة عن ما حدث في العقدين الماضيين.

Embed from Getty Images

وأكدَّت المراسلة ضرورة تعامل بايدن وإدارته حاليًا مع بعض المخاوف الشديدة التي تتعلق بالتزام حركة طالبان، التي تحكم أفغانستان الآن، بوعودها لتنفيذ انتقال سلمي للسلطة. وتعهدت طالبان أيضًا بعدم السعي وراء الانتقام من الأفغان الذين عمِلوا مع الأمريكيين وساعدوهم أثناء الحرب الأمريكية في أفغانستان، بالإضافة إلى تعهدها باحترام حقوق المرأة، في إطار تفسير الحركة للشريعة الإسلامية على الأقل. لكن لا يزال هناك عدد من خبراء السياسة الخارجية وبعض من حلفاء بايدن يشعرون بالريبة حيال ما يعنيه ذلك بالضبط.

ويُشير التقرير إلى أن تهديدات الأمن القومي الأمريكي لا تزال قائمة، ومنها مدى إمكانية عودة أفغانستان التي تسيطر عليها طالبان ملاذًا للإرهابيين الحريصين على مهاجمة الولايات المتحدة. وتواجه إدارة بايدن أيضًا أزمة إنسانية تتمثل في إنقاذ عشرات الآلاف من اللاجئين الأفغان وتوطينهم في الولايات المتحدة. ومنذ يوم السبت الماضي، أُجلي أكثر من 117 ألف شخص من أفغانستان، معظمهم من المواطنين الأفغان، لكنهم يواجهون الآن مستقبلًا يكتنفه الغموض، بما في ذلك مستقبلهم في الولايات المتحدة، حيث تراوحت استجابة الأمريكيين مع إعادة توطين الأفغان بين الترحيب والحذر والأساليب العدائية.

تأمين ممر آمن للراغبين في مغادرة طالبان!

كما ستواجه الإدارة الأمريكية تساؤلات أخرى بشأن هل بذلت الولايات المتحدة قدرًا كافيًا من الجهود اللازمة لضمان تمكُّن الأمريكيين واللاجئين الأفغان من مغادرة أفغانستان في الأيام الأخيرة من انسحاب القوات الأمريكية وتسلُّم طالبان لحكم البلاد. وصرَّح الجنرال كينيث إف. ماكنزي جونيور، قائد القيادة المركزية الأمريكية، في مؤتمر صحفي عُقد يوم الاثنين لإعلان الانتهاء الرسمي للانسحاب الأمريكي من أفغانستان، للصحافيين بأن أعداد المواطنين الأمريكيين الذين تُرِكوا في أفغانستان صغير جدًّا «يقل عن 250» شخصًا. 

بيد أن ماكنزي اعترف أيضًا قائلًا: «نشعر بكثير الأسى والحسرة المصاحبَيْن لهذا الانسحاب. ولم نتمكن من إجلاء كلَّ من أردنا إجلاءَهم. لكنني أعتقد أنه إذا كنَّا بقينا 10 أيام إضافية أخرى، فإننا لم نكن سنتمكن من إجلاء كل من استطعنا إجلاءَهم بالفعل، وهو ما سيؤدي إلى إحباط مزيد من الأشخاص هناك. إنه موقف صعب».

تاريخ

منذ 4 أسابيع
من بريطانيا إلى أمريكا.. كيف أصبحت أفغانستان «مقبرة الغزاة»؟

وأضاف التقرير أن الرئيس الأمريكي بايدن أصدر بيانًا يوم الاثنين، وجَّه فيه الشكر إلى الجنود والقوات والضباط الذين أشرفوا على عملية الانسحاب الكامل «من دون وقوع مزيد من الخسائر في الأرواح الأمريكية». وقال بايدن في البيان إن: «طالبان تعهدت بتأمين ممر آمن للراغبين في مغادرة أفغانستان، وسيقدر العالم وفائها بالتزاماتها»، مشيرًا إلى قرار للأمم المتحدة، صدر في وقت سابق، لحث طالبان على الوفاء بوعودها بالسماح للأفغان بمغادرة البلاد إذا رغبوا ذلك. 

ونوَّه التقرير إلى أن الإدارة الأمريكية تواجه حاليًا تحديات لوجستية وسياسية. وبالفعل، هدَّد الانسحاب الفوضوي، الذي كان من نتائجه مقتل 13 شخصًا من أفراد الخدمة الأمريكية في تفجير انتحاري وقع في كابل يوم الخميس الماضي، بتقويض هدف بايدن الأساسي المتمثل في استعادة الهدوء والقدرة على إدارة شؤون البلاد والحكم، بينما يتزايد خوف الديمقراطيين من رد فعل عنيف بسبب الانسحاب الكامل ربما يُسفر عن تآكل مزيد من فرص انتخابات التجديد النصفي للكونجرس. بل بدأ بعض أعضاء مجلس النواب من الحزب الديمقراطي في مناقشة ضرورة إقالة أنتوني بلينكين، وزير الخارجية الأمريكي، وجيك سوليفان، مستشار الأمن القومي، بسبب الفوضى التي شهدتها أفغانستان مؤخرًا.

إدارة المرحلة التالية للانسحاب وتداعياتها

وفي هذا الصدد، قال بن رودس، نائب مستشار الأمن القومي للرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، إن: «إدارة بايدن تواجه قضيتين مهمتين، وهما الأزمة الإنسانية المحتملة التي سيواجهها الشعب الأفغاني، وخطر مكافحة الإرهاب في منطقة كانت لمدة طويلة ملاذًا آمنًا للإرهابيين، ولن يكون لدى الولايات المتحدة في الوقت الراهن سوى قدر قليل من الإمكانيات لجمع المعلومات الاستخباراتية اللازمة على أرض الواقع».

Embed from Getty Images

وشدَّد رودس على «ضرورة أن تثبت الإدارة الأمريكية، في الوقت نفسه، أن قرار إنهاء الحرب في أفغانستان كان صائبًا مع تأكيد قدرتها أيضًا على إدارة المرحلة التالية للانسحاب وما ينجم عنه من تداعيات، مثل مكافحة الإرهاب وغيرها من التحديات الإنسانية. ولن يكون إنهاء الحرب كافيًا. لكن ينبغي لإدارة بايدن أن تثبت أنها تدير المرحلة اللاحقة وتداعياتها بنجاح».

واستشهد التقرير بما أكدَّته دانييل بليتكا، الباحثة البارزة في معهد «أمريكان إنتربرايز»، أن انسحاب الإدارة الأمريكية من أفغانستان خلَّف وراءه «عددًا لا نهائيًّا من الأسئلة التي تحتاج إلى إجابات. ومنها، ماذا عن هؤلاء الأمريكيين الذين تُرِكوا في أفغانستان؟ وماذا عن وجود الجماعات الإرهابية في أفغانستان؟ وما الذي ستفعله الولايات المتحدة حيال المعارضين لطالبان؟ هل تدعمهم؟». 

وردًّا على هذه التساؤلات المرسلة عبر البريد الإلكتروني إلى دانييل، كتبت: «الأمر متروك لطالبان لتحديد ما سيحدث فيما بعد. وهم الذين يتولون زمام القيادة الآن. والشيء الوحيد الذي نعرفه عنهم هو سجلهم الحافل: سيجد الإرهابيون مأوًى آمنًا انتصرت فيه طالبان على الولايات المتحدة».

وألمح التقرير إلى أن إدارة بايدن أكدت مرارًا على الأعداد الذين جرى إجلاؤهم من أفغانستان حتى الآن، وسلَّطت جين ساكي، السكرتيرة الصحفية للبيت الأبيض، يوم الاثنين، الضوء مرةً أخرى على أعداد الأشخاص الذي أُخرِجوا من أفغانستان، مشيرةً إلى أنه أُجلي بالفعل، منذ منتصف أغسطس، أكثر من 120 ألف شخص؛ منهم 6 آلاف أمريكي وعائلاتهم.

هل النفوذ الأمريكي لا يزال مستمرًّا في أفغانستان؟

وأوضحت ساكي أيضًا أنه على الرغم من بعض الأخطاء التي ارتُكِبت، مثل ترك بعض المعدات العسكرية الأمريكية، والتي ستقع على الأرجح في أيدي طالبان، لا تزال الإدارة الأمريكية تستبشر خيرًا حيال قدرتها على المساعدة في التأثير في تصرفات طالبان. وتضيف ساكي أن: «الولايات المتحدة تتمتع بقدر هائل من التأثير والنفوذ، ومنه ما يتعلق بالوصول إلى السوق العالمية، وهو ليس جزءًا بسيطًا لممارسة التأثير في طالبان، التي تتحكم الآن في مساحات شاسعة من أفغانستان».

دولي

منذ شهر
«الإندبندنت»: ما نوع الأسلحة التي استولت عليها طالبان بعد الانسحاب الأمريكي؟

لكن الأسابيع الأخيرة المضطربة التي سبقت يوم الثلاثاء، وهو الموعد النهائي للانسحاب، تؤكد الورطة التي تنتظر إدارة بايدن. وكانت العاصمة الأفغانية كابل قد سقطت في أيدي طالبان بسرعة أكبر بكثير مما توقعته الاستخبارات الأمريكية، وقدَّمت من مطار العاصمة كابل صورًا أوَّلية للفوضى والمخاوف التي شاهدها العالم بأسره.

وأشار التقرير إلى أن منفذ التفجير الانتحاري، الذي وقع يوم الخميس الماضي في هجوم على بوابة مطار كابل، قَتَل 170 شخصًا على الأقل، من بينهم 13 شخصًا من أفراد الخدمة الأمريكية. وأفاد مسؤولون أفغانيون بأن الغارة الأمريكية العسكرية التي نفذتها الولايات المتحدة يوم الأحد ضد إحدى السيارات، التي كانت تبعد ميلًا عن مطار كابل واعتُقد أنها تُشكل تهديدًا «على صلة» بتنظيم الدولة الإسلامية، أسفرت أيضًا عن مقتل مدنيين، من بينهم أطفال.

هل تُشكَّل طالبان حكومة فعَّالة؟

يقول إيان بريمر، رئيس مجموعة «أوراسيا جروب» العالمية المتخصصة في استشارات المخاطر، قد يوفر يوم السبت القادم الذي يصادف حلول الذكرى العشرين لهجمات 11 سبتمبر (أيلول) فرصة دعائية جيدة لطالبان لعرض بعض الصور الصعبة، لكنها غير جيدة لإدارة بايدن التي تتمنى تجنب عرضها. ويشير بريمر إلى أن طالبان على الأرجح «ستعرض معدات أمريكية عبر العاصمة الأفغانية وترفع علم طالبان على السفارة». وأكدَّ أن: «طالبان فازت بكل شيء يمكن أن تفوز به. وهذا ليس أمرًا جيدًا للولايات المتحدة».

وفي السياق ذاته، طرح الجنرال المتقاعد دوجلاس لوت، السفير الأمريكي السابق لدى حلف الناتو، مسألة أخرى بشأن مدى إمكانية أن تصبح طالبان حكومة فعَّالة. يقول الجنرال: «ليس لدينا في الواقع حكومة لطالبان، لكن لدينا بقايا لطالبان المتمردة. والإطاحة بحكومة شيء وتولي الحكم شيء آخر».

Embed from Getty Images

ويلفت التقرير إلى ما رجَّحه بريمر قائلًا: إن الانسحاب النهائي للقوات الأمريكية من أفغانستان قد يمنح بايدن أخيرًا القدرة على التحرك من المنطقة المضطربة، وبخاصة من أمام الجمهور الأمريكي الذي وافق إلى حد كبير، نظريًّا على الأقل، على قرار بايدن بإعادة أفراد الخدمة الأمريكية إلى الأراضي الأمريكية. ويوضح بريمر: «أحاول ألا أكون صريحًا تمامًا حيال ذلك، لكن هذه النهاية التي وصلنا إليها تفرض على الولايات المتحدة أن تكون يقظة بشدة، لأنه لم يعد لدينا أي قوات في أفغانستان، وسنكون قد أَجلَينا كل أمريكي يريد الخروج من أفغانستان».

الجمهوريون يستغلون الموقف ضد إدارة بايدن

بيد أن الجمهوريين حريصون على الربط بين بايدن وبين ما يرونه انسحابًا كارثيًّا من أفغانستان. إذ قال رودس إنه يتوقع من خصوم بايدن السياسيين استغلال مجموعة الأزمات التي تواجه الإدارة الأمريكية، بداية من جائحة كوفيد-19 التي لا تزال مستعرة، ووصولًا إلى «الصور المخيفة التي نشاهدها في أفغانستان»، محاولين «تقديم سردية على مدى العام القادم هي الأكثر فزعًا من الواقع الذي يُحاولون استغلاله لإلقاء اللوم على بايدن وتحميله المسؤولية، على الرغم من أن معظم هذه الأزمات خارجة عن نطاق سيطرته».

وتختتم المراسلة تقريرها بالتقييم الأكثر قسوة الذي قدَّمته دانييل بليتكا قائلةً: «إذا كان ما يقوله الناس صحيحًا، وأعتقد أنه كذلك، فهذا الانسحاب ليس إلا نقطة انقلاب لرئاسة بايدن، وهو المنظور الذي سنحكم من خلاله على جميع تصرفاته. هل هي تصرفات غير مدروسة وجامدة فكريًّا ومتجاهِلة للآثار والتداعيات المترتِّبة على الولايات المتحدة. وإذا كان بايدن محظوظًا، فسيكون مثل جيمي كارتر (بمعنى أنه سيخرج من الرئاسة فحسب بعد فشله كما حدث مع جيمي كارتر الذي فشل في تحرير 52 دبلوماسيًّا أمريكيًّا احتجزهم إيرانيون في السفارة الأمريكية في إيران بعد الثورة الإسلامية عام 1979م وفشلت محاولات الرئيس كارتر للإفراج عن الرهائن حتی نهاية رئاسته. ثم في 20 يناير (كانون الثاني) 1981، وبعد 444 يومًا من احتجاز الرهائن أفرجت إيران عنهم رسميًّا بعد دقائق من انتهاء رئاسة كارتر وأداء الرئيس الأمريكي الجديد رونالد ريجان اليمين الدستورية). لكنه إذا كان سيء الحظ، فسيكون قد دعا لحدوث أحداث 11 سبتمبر مرةً أخرى».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد