نشر «المعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية» تحليلًا كتبه كلٌ من أحمد ناجي وبدر السيف، الباحثين غير المقيمين في مركز مالكوم كير – كارنيجي للشرق الأوسط في العاصمة اللبنانية بيروت، تناولا فيه تداعيات القرارات الأخيرة التي اتخذتها الإدارة الأمريكية الجديدة بقيادة جو بايدن لوضع أوزار الحرب في اليمن، ورجَّحا أن تُسفر هذه القرارات عن مآلات أشدَّ خطورة وأن تكون سببًا في إشعال فتيلِ مزيدٍ من الحروب في المنطقة.   

ما يجب أن تفعله الولايات المتحدة لإنهاء الحرب في اليمن

استهل الكاتبان تحليلهما بالتأكيد على أنه من العجيب أن تُسفِر القرارات التي اتخذتها إدارة بايدن لإنهاء الحرب في اليمن عن تأثيرات معاكسة: تصعيد عسكري غير مسبوق ووقوع مزيد من الضحايا ومزيد من تفاقم الأزمة الإنسانية. وستؤدي هذه البداية الفاشلة للإدارة الأمريكية الجديدة إلى زيادة المخاطر التي تحيق بـ«أسوأ أزمة إنسانية في العالم».

مجتمع

منذ 3 أسابيع
«واشنطن بوست»: ما أفضل طريقة لمساعدة اليمن على البقاء؟

وإذا كانت الولايات المتحدة جادة فيما يخص مسألة إنهاء الحرب فينبغي عليها فورًا أن تُغير بعض تكتيكاتها: إذ يجب عليها تبني سياسات ترتكز على الأدلة والإلمام بالتحركات والديناميات على أرض الواقع، وأن تعمل على موازنة ضغوطها على الأطراف المتنازعة كافة، وخاصة الحوثيين الأكثر مقاومة لقبول مساعي وقف إطلاق النار. والسياسة الناجحة هي تلك التي تسعى جاهدةً لتحقيق سلام دائم في اليمن. ولن يفلح ذلك إلا عندما تتجه الولايات المتحدة إلى داخل اليمن، وتمنح الأولوية للمصالح الوطنية اليمنية.

اليمن محور سياسة بايدن الخارجية في الشرق الأوسط

ويُوضح الكاتبان أن السياسة الخارجية التي تتبنَّاها الإدارة الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط تُركز على اليمن منذ البداية. إذ أعلنت إدارة بايدن في أوائل فبراير (شباط) عن نهاية دعم الولايات المتحدة للعمليات الهجومية التي تشنها قوات التحالف الذي تقوده السعودية، وأرسلت مبعوثًا أمريكيًّا جديدًا إلى اليمن، بالإضافة إلى رفع اسم جماعة أنصار الله (المعروفة بالحوثيين) من قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية. وكانت هذه الخطوات تهدف إلى تعزيز فرص الحل الدبلوماسي. لكنها مع ذلك لم تُقدم قراءة متأنية لديناميكيات الحرب السريعة التغيُّر. 

وبدلًا عن ذلك حرمت هذه الخطوات الولايات المتحدة من ممارسة أي تأثير على ميلشيا الحوثي المدعومة من إيران. وأخذت الولايات المتحدة تنفُض يَدَها تدريجيًّا من التحالف الذي تقوده السعودية، بينما تُقدِّم في الوقت نفسه حوافز للحوثيين من دون قصد. وهذه هي الكيفية التي يرى بها عددٌ من قادة جماعة الحوثيين الخطوات الأمريكية؛ إنها تحثهم على توسيع نطاق عملهم العسكري. وفي نهاية المطاف، لم تكن القرارات الأخيرة التي اتخذتها الإدارة الأمريكية الجديدة سوى دعوة لتوسيع نطاق الحرب التي دخلت عامها السابع مؤخرًا.

ودلَّل الكاتبان على ذلك بالإشارة إلى أن جماعة الحوثيين استأنفت بعد ثلاثة أيام فقط من خطاب بايدن حول السياسة الخارجية، أكبر حملة عسكرية ضد مأرب، وهي المدينة التي لا يُمكن المبالغة في أهميتها الإستراتيجية، فهي آخر المعاقل التي لم تزل القوات الحكومية تُسيطر عليها في شمال البلاد. بالإضافة إلى أن مأرب هي أكبر تجمع للأشخاص النازحين داخليًّا (حوالي 2 مليون يمني فروا من ويلات الحوثيين).

Embed from Getty Images

كيف شجَّع بايدن الحوثيين على العمليات العسكرية ضد السعودية؟

ونظرًا إلى المخاطر المرتفعة على كلا الطرفين تُعد هذه واحدة من أعنف المعارك منذ بداية الحرب. وحاربت قوات الحكومة اليمنية بمساعدة القبائل المحلية ضد هذه الحملة العسكرية التي تشنها جماعة الحوثيين، كما شارك التحالف الذي تقوده السعودية في التصدي للحملة العسكرية بإطلاق صواريخ جوية بأرقام قياسية بعدما كانت شبه متوقفة تقريبًا. وأدَّت هذه المواجهات إلى تفاقم معاناة اليمنيين: إذ فَقد مئات من الجانبين أرواحهم، وشُرِّدت آلاف العائلات، بينما واجه عددٌ من الأشخاص النازحين داخليًّا احتمالية التعرض للنزوح المزدوج.

وأضاف الكاتبان أن قرارات إدارة بايدن لم تُشجِّع على العمل العسكري في مأرب فحسب؛ إذ شهدت تعز، وهي مدينة كبرى تقع في وسط اليمن، اشتباكات مسلحة بعد توقف استمر ثلاث سنوات في المواجهات العسكرية. وصحيحٌ أن هناك عواملَ داخليةً أدَّت إلى اندلاع هذه الاشتباكات، لكن القرارات الأمريكية التي تتسم بقصر النظر لعبت دورًا ملحوظًا في عودة اندلاع الحرب في تعز مُخلِّفة آثارًا مدمرة، ومنها فقدان المدنيين وتجنيد مزيد من اليمنيين في دوامة حرب لا نهاية لها.

ومما زاد الطين بلة أن التصعيد العسكري الأخير أثَّر بالسلب على مسار المفاوضات المتعلقة بالتعامل مع إحدى الكوارث البيئية الوشيكة – ناقلة النفط (صافر) التي ترسو قبالة سواحل مدينة الحُدَيْدَة. وبعد عدة تأجيلات ومفاوضات مطوَّلة مع الحوثيين، تمكنت الأمم المتحدة في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي من التوصل إلى اتفاق يسمح لوحدات الصيانة بالدخول إلى ناقلة النفط وإجراء تقييم شامل لحالتها، والذي كان من المفترض إجراؤه في وقت سابق من الشهر الجاري، ومع ذلك فإن الحوثيين أرجأوا عملية التقييم مرةً أخرى بسبب انتصاراتهم المتصورة. 

لماذا أدَّت سياسات بايدن الأخيرة إلى تفاقم الأزمة؟

ونوَّه الكاتبان إلى أن الحوثيين رأوا أن التغيُّر الذي جرى في سياسات الولايات المتحدة يصب في مصلحتهم. ولم تؤثر هذه الرؤية سلبًا على اليمن فحسب: إذ أثَّرت كذلك على التحركات الإقليمية. وكثَّف الحوثيون الشهر الماضي من عملياتهم باستخدام الطائرات المُسيَّرة والصواريخ الباليستية ضد السعودية. ومن بين ما يزيد عن 500 هجوم شُنَّ ضد السعودية منذ بداية الحرب، شَنَّ الحوثيون عشرات العمليات الهجومية منذ أصبح بايدن رئيسًا للولايات المتحدة. ولم تَسْلَم أي مدينة سعودية من هجمات الحوثيين، بدءًا من جازان، ونجران، وأبها، وجدة، والرياض.

Embed from Getty Images

والأكثر خطورة – بحسب الكاتبين – هي الهجمات التي شنَّتها جماعة الحوثيين مؤخرًا ضد مصافي النفط في مدينتي رأس تنورة والرياض في شرق البلاد. وأعلن الحوثيون مسؤوليتهم عن هذه الهجمات، على الرغم من أن السلطات السعودية صرَّحت بأن هجوم رأس تنورة جاء من البحر، في إشارة أخرى إلى إيران. وإذا اتضح أن هذا الأمر صحيح، فإن هذا التقييم يتطابق مع تقرير الأمم المتحدة الصادر بعد هجوم سبتمبر (أيلول) 2019 على منشأة أرامكو النفطية في منطقتي بقيق وخريص. وهذا الأمر يُشير أيضًا إلى أن حرب اليمن أصبحت على نحو متزايد مجرد جزء من لُغز إقليمي أكبر.

وأردف الكاتبان قائلَيْن: ومن المفارقات أن تؤدي السياسات الأمريكية الأخيرة إلى تعطيل الجهود الدبلوماسية التي تبذلها واشنطن وتفاقم أوضاع الحرب في اليمن وتأزم الموقف. وتفتقر إدارة بايدن إلى أدوات حقيقية فعَّالة ضد الحوثيين. ولا ينظر الحوثيون إلى الولايات المتحدة على أنها جهة فاعلة محايدة، بل إن الحوثيين على النقيض تمامًا ينظرون إلى الولايات المتحدة على أنها عدو لهم، وأنها هي التي تقف وراء الحملة «الأمريكية السعودية» العسكرية ضدهم.

إستراتيجية من معيارين أساسيين

وألمح الكاتبان إلى أنه نظرًا لأن الحوثيين جهة فاعلة غير حكومية، فليس لديهم أي مصلحة في إنهاء الحرب لأنهم يحققون التقدم في تغيير الوضع الراهن بممارسة أعمال العنف. ولن تُؤدي فرض العقوبات أو إنهاء الدعم للتحالف الذي تقوده السعودية إلى كسر عزم الحوثيين أو إنهاء الحرب. وبدلًا عن معاقبة قادة الحوثيين من الصف الثاني، فإن أفضل خدمة تقوم بها الولايات المتحدة هي إعادة تقييم إستراتيجيتها في اليمن. ويتعين على إدارة بايدن تجنب الوقوع في فخ البيانات الدبلوماسية غير المصحوبة بأعمال مفيدة؛ إذ كان مارتن جريفيش المبعوث الخاص للأمم المتحدة يفعل ذلك منذ عام 2018 دون جدوى. وبدلًا عن ذلك فمن الممكن أن تبني الولايات المتحدة إستراتيجيتها الجديدة على معيارين أساسيين.

وفصَّل الكاتبان المعيارين موضِّحَيْن أن المعيار الأول هو استحالة تحقيق السلام دون تهيئة بيئة مواتية على الأرض. ولن يتحقق ذلك في وقت ينظر فيه الحوثيون إلى الخطوات الأمريكية الأخيرة على أنها بمثابة مزيد من التشجيع لهم لهزيمة خصومهم. وتُمثل حماية مأرب، آخر معقل للحكومة المعترف بها دوليًّا، والدفاع عنها من حملة الحوثيين العسكرية بداية أساسية. ولن يقود هذا إلى بناء قناعة لدى الحوثيين بأن الحل العسكري غير فعَّال فحسب، بل سيقودهم إلى مسار المفاوضات وسيمنع أيضًا وقوع أزمة إنسانية هائلة. وإذا حقق الحوثيون النصر في مأرب، فستكون النتيجة تمدد قوتهم المتوافقة في الديناميكيات الداخلية لليمن؛ مما يجعل السلام حلمًا بعيد المنال.

فَصْل الأزمة الداخلية عن الملفات الإقليمية

أما المعيار الثاني الذي تشتد الحاجة إليه، فهو فَصْل اليمن عن الملفات الإقليمية التي غَرِق فيها. لقد مكَّنت إدارتا أوباما وترامب السعودية من التدخل في اليمن، بينما تنقل إدارة بايدن حاليًا هذا الدور إلى إيران من خلال منح الحوثيين زمام الأمور وربط اليمن بالمفاوضات الأمريكية مع إيران. وعلى الرغم من المشاركة القوية للجهات الفاعلة الإقليمية: مثل السعودية، والإمارات العربية المتحدة، وإيران، فإن اتخاذ مسار محلي وداخلي سيساعد في تغيير الأوضاع الجيوسياسية في اليمن وسيضع نهاية جادة للحرب.

Embed from Getty Images

ويرى الكاتبان أن تدويل الصراع سيُطيل أمده إلى ما لا نهاية، وهذا هو السبب في أن المقترحات المتكررة لوقف إطلاق النار، التي تتمحور حول الجهات الفاعلة الإقليمية، تُولد ميتة. وينبغي أن يكون هناك تحوُّلٌ في التوجه لضمان نهاية حاسمة للصراع. إن البدء «من الداخل إلى الخارج» يؤدي إلى تمكين الجهات الفاعلة المحلية التي يمكنها بعد ذلك بدء التسويات مع الجهات الفاعلة الإقليمية، على عكس البدء «من الخارج إلى الداخل»، الذي يُعطي الأولوية للجهات الفاعلة الإقليمية على حساب الجهات المحلية.

ويختتم الكاتبان تحليلهما بالتأكيد على ضرورة إرسال رسالة صريحة إلى جميع الأطراف بشأن خارطة الطريق الأمريكية لإحلال السلام في اليمن. لكن قبل ذلك ينبغي على واشنطن أولًا أن تتبنَّى مثل هذه الخطة. وحتى الوقت الحالي لم تُسفِر سياسة بايدن الراهنة في اليمن إلا عن تكثيف وتيرة الحرب، دون أن تلوح نهاية لهذه الحرب في الأفق. إن سياسة بايدن هذه ليست السياسة التي تنشد إحلال السلام.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد