كتب أندرو براون، مدير تحرير منتدى بلومبرج للاقتصاد الجديد، مقالًا في موقع «بلومبرج»، استهله بالقول: منذ الحرب البيلوبونيسية (حرب يونانية قديمة نشبت بين الحلف الديلي بقيادة أثينا ضد الاتحاد البيلوبونيزي بقيادة إسبرطة ما بين عامي 431 و404 قبل الميلاد) وحتى عصرنا الحاضر؛ جرت العادة أن ينشب الصراع العسكري عمومًا عندما تتحدى قوة صاعدة قوة أخرى راسخة. تكرر هذا النمط في ثلاثة أرباع الصراعات، على وجه الدقة.

والحال هكذا، تصاعدت المخاوف من أن أمريكا والصين في طريقهما إلى الحرب. ولكن العالم تغيَّر، كما يشير الخبير الاقتصادي ويليام هـ. أوفرهولت؛ إذ أصبحت الأسلحة الحديثة مدمرة لدرجة أن اكتساب القوة من خلال الغزو لم يعد خيارًا. بدلًا من ذلك، أصبح الطريق إلى الهيمنة العالمية يمر عبر الاقتصاد. ويعتمد الاقتصاد السليم على بنية تحتية تتمتع بالكفاءة.

جسور وطرق بدلًا من المقاتلات والصواريخ

إعلان الرئيس جو بايدن الأسبوع الماضي عن خطة للبنية التحتية بقيمة 2.3 تريليونات دولار هو اعتراف صريح بهذا الواقع المتغيِّر. والهدف المعلن لخطة الإنفاق الأمريكية – الأكثر شمولًا في نصف قرن على الأقل – هو: إعادة تشكيل الاقتصاد الأمريكي ومواجهة صعود الصين في الأساس، من خلال بناء الجسور والطرق السريعة والبنية التحتية للمركبات الكهربائية وما شابه، بدلًا من السفن الحربية والطائرات المقاتلة والصواريخ.

اتخذت المنافسة بين الولايات المتحدة والصين على القيادة العالمية في القرن الحادي والعشرين منعطفًا جديدًا، بحسب المقال. ولن تنتهي هذه المنافسة بالطريقة نفسها التي انتهت بها الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، بغض النظر عن عدد المليارات من الدولارات التي تنطوي عليها خطة إنفاق بايدن، التي استطاعت أن تشق طريقها عبر الكونجرس المنقسم. إذ يستبعد تمامًا أن تجد الصين نفسها في يوم من الأيام متخلفة اقتصاديًّا، ومفلسة، ومضطرة إلى التخلى عن نضالها (مثلما حدث مع الاتحاد السوفيتي).

الصين والريادة.. أمريكا تحاول اللحاق بركب البنية التحتية

كما أشارت نشرة إخبارية عرضتها «بلومبرج» مؤخرًا، عندما يتعلق الأمر بالبنية التحتية، تحاول الولايات المتحدة اللحاق بالركب. ففي أقل من عقد من الزمان، دشنت الصين شبكة سكك حديدية فائقة السرعة أكبر من بقية الشبكات مجتمعة. والصين بلد رائد على مستوى العالم في مجال الطاقة الخضراء. كما أن لها قصب السبق في مضمار شبكات الجيل الخامس.

جو بايدن - بايدن- بايدن ومبارك

لكن جهود بايدن التاريخية لإعادة أمريكا إلى الساحة يمكن أن تغير الحسابات الصينية. ذلك أن سلوك الصين الحازم في السنوات الأخيرة – بدءًا من التعزيزات البحرية الهائلة إلى الخلافات الإقليمية مع جميع جيرانها تقريبًا – ينبع في معظمه من الاعتقاد بأن الولايات المتحدة وبقية الغرب في حالة تدهور لا تعافي بعده، وأن المستقبل يخبئ للصين أفضل أيامها.

يؤكد هذه الرؤية مبعوث غربي قال لمجلة «الإيكونوميست»: «تعتقد الصين أن الغرب ضعيف وفاسد وغير منضبط، ويجب أن يُجبر على الإذعان، مثل الكلب». ومثل هذه الأفكار المتطرفة يمكن أن تقدح زناد الصراع – حسبما يحذر الكاتب – وهي بالتأكيد تضعف الموقف التفاوضي للمفاوضين التجاريين الأمريكيين. فلماذا يتعين على الصين أن تقدم امتيازات لدخول الأسواق لدولة تعدها قوة عظمى فاشلة؟

وصفة للهزيمة الذاتية

لم تكن إدارة ترامب تمتلك أي سلاح تقريبًا لتلوح به في حربها الجمركية الشاملة مع بكين. ثم جاءت إدارة بايدن لترجئ بحكمة اتخاذ القرارات المتعلقة بمواصلة السياسات التجارية التي كان يتبعها الجمهوريون، أو تركها أو تعديلها، حتى يكون لديها مخطط موثوق به لتجديد الاقتصاد الوطني؛ مخطط من شأنه (وليس من قبيل الصدفة) أن يمنح الولايات المتحدة ورقة قوية على طاولة التفاوض.

تعد خطة بايدن للبنية التحتية – التي يسميها البعض المجتمع العظيم 2.0 – بداية ممتازة، كما يراها الكاتب، مضيفًا: لفترة طويلة جدًّا، كان النهج الذي تتبعه أمريكا في المنافسة مع الصين يتمثل في محاولة الإيقاع بالخصم، بدلًا من المضي قدمًا والتفوق عليه.

ويضيف المقال: خلص السياسيون الكسالى (الكارهون للأجانب) في واشنطن إلى أنه من الأسهل بكثير إلقاء اللوم على بكين فيما يتعلق بنقاط ضعف أمريكا بدلًا من إصلاح المطارات المتداعية، والمدارس المتهالكة، والطرق السريعة المليئة بالحفر.

في الواقع، كلما حاولت أمريكا هدم الصين، عملت الصين بجد لتحقيق «الاعتماد على الذات» في المجال الصناعي. هذا الجهد يقود في النهاية إلى الهزيمة الذاتية، على حد قول الكاتب.

الانتخابات الأمريكية داربا ساستيند الحرب الباردة

تفاقم الخطر الحقيقي الذي تشكله الثقة المفرطة الصينية بفعل افتقار أمريكا للثقة في الآونة الأخيرة. ويمكن لخطة بايدن، إذا نفذت، أن تحفز الولايات المتحدة على التنافس بفعالية أكبر مع الصين، وبالتالي تقليل المخاوف الأمريكية وتخفيف حدة التوتر.

وسوف تتحسن أيضًا آفاق التعاون في مجالات أخرى، مثل: تغير المناخ. كما أن أمريكا الأقوى اقتصاديًّا ستكون أكثر قدرة على بناء التحالفات الدولية اللازمة للرد على سلوك التنمر الصيني في الخارج، وانتهاكات حقوق الإنسان في الداخل.

دولي

منذ أسبوع
«فورين بوليسي»: لماذا تبدو «معاهدة الفضاء» فخًّا تنصبه روسيا والصين لأمريكا؟

يلفت المقال إلى أن هذا العام سيكون نقطة تحول؛ إذ يتوقع بنك «جولدمان ساكس» أن ينمو الاقتصاد الأمريكي بنسبة 8%، متجاوزًا الصين لأول مرة منذ عقود. في الواقع، من الممكن تمامًا أن تكون أمريكا على أعتاب طفرة إنتاجية مدفوعة بالتقدم في التقنيات التي لا تزال تحرز فيها قصب السبق – مثل تحرير الجينات والذكاء الاصطناعي – والتي بدأت في تقديم تطبيقات خارقة مثل لقاح الحمض النووي الريبوزي المرسال mRNA.

يستبعد الكاتب في نهاية مقاله أن يحمل المستقبل القريب للصين بشرى أن تكون أكبر اقتصاد في العالم. وبينما تظل العلاقات بين الولايات المتحدة والصين «حقل ألغام من المشكلات المتفجرة»، على حد تعبير صحيفة «وول ستريت جورنال»، يرى الكاتب أن المنافسة دخلت لتوها مرحلة جديدة حاسمة. ولأول مرة منذ سنوات، يميل ميزان هذه المنافسة لصالح أمريكا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد