نشرت مجلة «فورين بوليسي» مقالًا لسعيد قاسم نجاد، مستشار اقتصادي ومالي في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، وماثيو زويج، وريتشارد جولدبرج، وهما باحثان بارزان في المؤسسة نفسها، بشأن الوضع في أفغانستان والتعامل المستقبلي مع طالبان. ويرى الكتَّاب أن تقديم تنازلات مالية وسياسية لطالبان من شأنه أن يشجِّع الحركة على «الإرهاب» والابتزاز. وينصح الكتَّاب الرئيس الأمريكي بعرقلة الاعتراف بالحركة حتى في الأمم المتحدة، وعدم فك الحظر عن الأصول الأفغانية في الولايات المتحدة، وعرقلة حصول طالبان على أي تسهيلات من المؤسسات المالية الدولية.

ويستهل الكتَّاب مقالهم بالقول إنه في أواخر أغسطس (آب)، التقى مدير وكالة المخابرات المركزية، وليام بيرنز، مع زعيم طالبان  عبد الغني برادر، في كابول، للتفاوض على الأرجح بشأن إجلاء المواطنين الأمريكيين والحلفاء الأفغان. وبصرف النظر عن الأهداف والنوايا، تجري إدارة بايدن مفاوضات تتعلق برهائن مع منظمة «إرهابية». والسؤال لواضعي السياسات: ما الذي يمكن أن يعرضه الآن الرئيس الأمريكي جو بايدن بعد انسحاب آخر القوات الأمريكية المتبقية؟

دولي

منذ أسبوعين
«نيويورك تايمز»: مَنْ هم قادة حكومة طالبان الجدد؟

لا يزال الآلاف من المواطنين الأمريكيين وغيرهم من الغربيين، إلى جانب حلفائهم الأفغان، محاصرين في الأراضي التي تسيطر عليها طالبان في أعقاب قرار بايدن بسحب جميع القوات الأمريكية من القواعد والمطارات، التي كان من الممكن استخدامها لحمايتهم وإجلائهم. وهؤلاء الأفراد الذين تقطعت بهم السُّبل يعتمدون كليًّا على تعاون طالبان لدخول مطار كابول والمطارات الأخرى ومغادرتها.

إن احتمال بقاء الآلاف من الرهائن الأمريكيين وحلفائهم في أفغانستان دون مساعدة عسكرية أمريكية يجعل الولايات المتحدة وحلفاءَها من الدول الديمقراطية عرضة للابتزاز. والاعتراف الدولي بطالبان بوصفها حكومة شرعية لأفغانستان سيكون الخطوة الأولى الحاسمة للحركة نحو الحصول على تنازلات وموارد إضافية، مثل المساعدة الاقتصادية المباشرة. ومن المرجح أن يساعد الاعتراف الرسمي بدوره طالبان في تحقيق مطلب آخر: الوصول إلى العملة الصعبة، بما في ذلك أصول الحكومة الأفغانية التي جمَّدتها الولايات المتحدة، وغيرها.

الأصول الاحتياطية لأفغانستان

ويشير التقرير إلى أن الأصول الاحتياطية لأفغانستان، المقدرة بنحو 9 مليارات دولار، موجودة في الغالب في الولايات المتحدة ومحظور التصرف فيها. وتواجه طالبان عقبتَيْن في الحصول على هذه الأموال. أولًا، لا تعترف الولايات المتحدة بإمارة أفغانستان الإسلامية بوصفها حكومة شرعية للبلاد – ومن ثم تكون مالكة لهذه الأصول. ثانيًا، طالبان مصنَّفة كيانًا إرهابيًّا من جانب وزارة الخزانة الأمريكية، وكذلك عديد من قادة الحركة. وفي الوقت الحالي، لا يزال الجزء الأكبر من احتياطيات أفغانستان مجمدًا في الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي.

 Embed from Getty Images

وتوفر الأموال التي يحتفظ بها ويوزعها صندوق النقد الدولي مصدرًا محتملًا آخر للعملة الصعبة لطالبان. وكان من المقرر أن تتلقى أفغانستان 455 مليون دولار من المساعدات في الشهر الجاري، بوصف ذلك جزءًا من استجابة صندوق النقد الدولي للأزمة الاقتصادية العالمية الناجمة عن كوفيد-19. ولكن مسؤولي صندوق النقد الدولي علَّقوا هذا التحويل وكذلك منعوا الوصول إلى موارد الصندوق الأخرى، مثل حقوق السحب الخاصة. ومن الواضح أن طالبان حريصة على الحصول على هذه الأموال.

طالبان تتطلع إلى اعتراف الجمعية العامة بها ممثلة لأفغانستان

ومن المرجح أن يكون لدى طالبان مطالب دبلوماسية واقتصادية أخرى. وتأمل الجماعة في أن يُعترَف بها رسميًّا ممثلًا لأفغانستان في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وهو مصدر رئيس للشرعية حرموا منها عندما كانوا يحكمون أفغانستان قبل عام 2001. وستطالب طالبان أيضًا بإلغاء عقوبات الأمم المتحدة والولايات المتحدة التي يمكن أن تعوق العلاقات التجارية مع بقية العالم.

ويبدو أن الصين وروسيا وإيران وباكستان وقطر على استعداد بالفعل لمساعدة طالبان على تجنب وضع الدولة المنبوذة. ومن جانبه، لم يسحب بايدن الاعتراف أو الإفراج عن الأموال من على الطاولة، ربما بسذاجة اعتقاده بأن مثل هذه الحوافز سيدفع طالبان إلى التصرف بصورة جيدة، بحسب تعبير معدي التقرير. والذي يدور في ذهن الرئيس أن طالبان تتصارع مع ما أسماه «أزمة وجودية» بشأن هل يريدون أن يكونوا في عزلة دولية أم لا. وقالت وزارة الخارجية للصحافيين إن الإدارة ستدرس استخدام نهج العصا والجزرة.

وقد يميل بايدن إلى دفع «إتاوة» لطالبان، حتى لو كان الهدف من ذلك لا يعدو أن تظل أفغانستان تحتل العناوين الرئيسة للصحف قبل انتخابات التجديد النصفي لعام 2022. لكن استرضاء منظمة «إرهابية» متحالفة مع القاعدة سيكون خطأ كارثيًّا يعرِّض الأمن القومي للولايات المتحدة للخطر.

طالبان وعلاقتها بالقاعدة

وحافظت طالبان على علاقات وثيقة مع القاعدة قبل هجمات 11 سبتمبر وبعدها. على سبيل المثال، سراج الدين حقاني، أحد نواب أمراء طالبان، حليف قديم للقاعدة ورئيس شبكة حقاني، أكثر فصائل طالبان خبرة وتطورًا. ومنذ استعادة السلطة، أطلقت طالبان بالفعل سراح الآلاف من سجناء القاعدة والدولة الإسلامية وعيَّنت قادة سابقين مرتبطين بالقاعدة ومعتقلي خليج جوانتانامو في مناصب حكومية رفيعة. ويحذِّر الجيش الأمريكي الآن من أن القدرات العملياتية للقاعدة تعيد النمو بسرعة. وبالنظر إلى العلاقة بين طالبان والقاعدة، يمكن أن ينتهي الأمر بالمبادلة الفعلية للمال بالرهائن إلى تمويل هجمات مستقبلية ضد الأمريكيين.

Embed from Getty Images

وينصح معدو التقرير الكونجرس بعدم التوقف عند هذا الحد، بل يجب أن يحظر أيضًا الإفراج عن أي أموال لطالبان من خلال نظام الاحتياطي الفيدرالي، أو صندوق النقد الدولي، أو المنظمات الدولية الأخرى التي تمارس واشنطن نفوذًا عليها. وبالإضافة إلى ذلك، يجب على الكونجرس تمرير تشريع يحظر الاعتراف بحكومة تقودها طالبان، بما في ذلك تشريع من جانب الأمم المتحدة، وتوسيع العقوبات المالية الأمريكية توسيعًا كبيرًا لاستهداف البنك المركزي لحكومة طالبان والقطاعات الاقتصادية.

واختتم الكتَّاب مقالهم بالتشديد على أن الإدارة الأمريكية من جانبها يجب ألا تستسلم لمطالب طالبان. ويجب أن توضح أن أي محاولة لعرقلة الرحيل المستمر للمواطنين الأمريكيين أو الغربيين الآخرين أو الحلفاء الأفغان ستقابل بالقوة. وكان قرار إدارة ترامب بالتفاوض مع طالبان وتقويض الحكومة الأفغانية خاطئًا. وكان قرار بايدن بمغادرة أفغانستان أشد خطأً – وكانت عملية انسحابه كارثية. إن تقديم مزيد من التنازلات والرضوخ لابتزاز طالبان لن يمنع الجماعة من مساعدة القاعدة في شنِّ هجمات ضد الولايات المتحدة. وسيضمن ذلك أن تنفِّذ القاعدة تلك الهجمات.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد