تأتي هذه الخطوة على غرار ما قامت به إدارات متعاقبة من تكليف جنرالات متقاعدين لشغل مناصب حكومية رفيعة المستوى.

نشرت صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية تحليلًا حول ما ينطوي عليه ترشيح إدارة بايدن لجنرال متقاعد لشغل منصب وزير الدفاع المقبل، موضِّحين أن ذلك لا يساعد كثيرًا في إصلاح العلاقات المدنية-العسكرية التي تضررت كثيرًا في عهد ترامب وأن منصب وزير الدفاع يجب أن يظل منصبًا مدنيًّا.

أشار التحليل إلى إعلان الرئيس المنتخب جو بايدن يوم الأربعاء عن أن مرشحه لمنصب وزير الدفاع سيكون الجنرال المتقاعد من الجيش لويد جيه أوستن الثالث. وبهذه الخطوة، يصبح قائد القيادة المركزية الأمريكية السابق أول وزير دفاع من ذوي البشرة السوداء. وسيكون بايدن أيضًا ثاني رئيس على التوالي يبدأ ولايته الرئاسية بترشيح ضابط عسكري متقاعد لهذا المنصب.

ويشير الباحثون المُعدِّون للتحليل إلى أن إعلان بايدن أحيا مخاوف محللي الأمن القومي وباحثي العلاقات المدنية العسكرية بشأن إدارة الجنرالات المتقاعدين لوزارة الدفاع. وفيما يلي بعض القضايا التي أثارها تعيين أوستن.

المدنيُّون يديرون البنتاجون.. وليس العسكريين

وشدد المحللون على أن تعيين جنرال متقاعد في الآونة الأخيرة مثل أوستن وزيرًا للدفاع يمكن أن يقوِّض مبدأ السيطرة المدنية على الجيش – كما أظهرت إدارة ترامب نفسها.

Embed from Getty Images

وعندما رشَّح الرئيس ترامب الجنرال المتقاعد جيم ماتيس، من مشاة البحرية، لمنصب وزير الدفاع في عام 2017، استلزم ذلك موافقة من الكونجرس تتيح القيام بذلك. إذ بموجب القانون، يجب أن يكون الضباط العسكريون السابقون قد تقاعدوا منذ سبع سنوات على الأقل قبل أن يعينوا في منصب وزير الدفاع، وكان ماتيس قد تقاعد منذ أربع سنوات فحسب. وقد وُضِع هذا البند لتعزيز السيطرة المدنية على الجيش من خلال إبعاد الضباط لمدة زمينة مناسبة عن مناصبهم العسكرية وعلاقاتهم في الجيش قبل تولِّيهم أعلى منصب في البنتاجون.

وقد أدَّى نهج إدارة ترامب تجاه الأفراد والسياسة إلى تغيير السيطرة المدنية على الجيش بطرق أخرى. إذ خوَّل البيت الأبيض سلطة كبيرة للجيش من أجل إدارة شؤونه الخاصة، ووجد مركز مهم للسياسة المدنية في البنتاجون، مكتب وزير الدفاع نفسه، دون تأثير يذكر. كما انزعج الجيش أيضًا من بعض مبادرات الرئيس (بعد أن أعلن في سلسلة تغريدات أنه يعتزم منع المتحولين جنسيًّا من الخدمة في الجيش دون تنسيق مع وزارة الدفاع)، حيث ورد أن الجيش انخرط في «عصيان غير معلن» أو تعمَّد التأخير والعمل ببطء لمواجهة ذلك القرار (قال وزير الدفاع آنذاك جيم ماتيس إنه ينتظر توجيهات مفصَّلة من البيت الأبيض في هذه القضية المعقدة جدًّا بالتأكيد).

ويُعد قرار تعيين جنرال متقاعد آخر، والذي يستلزم أيضًا تنازلًا من الكونجرس، أمرًا مفاجئًا إلى حد ما لأن برنامج الحزب الديمقراطي لعام 2020 كان يهدف صراحةً إلى «تعزيز السيطرة المدنية ذات الكفاءة» على الجيش.

الوظيفة العليا في البنتاجون مختلفة عن القيادة العسكرية

ولفت التحليل إلى أن بايدن صرَّح أنه اختار أوستن بسبب علاقة العمل الوثيقة بينهما ووجهات النظر المشتركة حول الشؤون العالمية. كما أشار إلى نجاح أوستن في العمل مع الحلفاء وإعادة القوات إلى الوطن في النهاية الرسمية لحرب العراق في عام 2011.

وقد اعتاد الجنرالات أيضًا على إظهار الاحترام للسلطة المدنية، ويقال إن أوستن كان ملتزمًا بشدة بهذه الأخلاقيات عندما شغل منصب القائد العسكري الأعلى في العراق خلال إدارة أوباما. وبالنسبة لفريق بايدن الذي يبحث عن اتجاه جديد، قد يبدو نهج أوستن المشهور بأنه غير درامي تجاه العلاقات المدنية-العسكرية مجرد تناقض مع حقبة ترامب، لا سيما بالنظر إلى الاتجاهات الحديثة في العلاقات المدنية-العسكرية.

مخاوف بشأن التسييس العسكري

واستدرك المحللون قائلين: ولكن إذا كان ذلك جزءًا من حسابات بايدن، فإن وجهة النظر هذه تخاطر بإساءة فهم مكونات السيطرة المدنية الفعَّالة. ووزراء الدفاع الفعالون هم أيضًا سياسيون ماهرون وقادرون على ترجمة الأولويات السياسية للرئيس في البنتاجون. والجيش الأمريكي معروف بأنه مؤسسة هَرميَّة، حيث يكون الالتزام بالمسار والبقاء بعيدًا عن السياسة موضع تقدير كبير، حتى لو كان كبار الضباط لا يفعلون ذلك دائمًا من الناحية العملية. وكما كتب عالم السياسة إليوت كوهين، تضمن التعيينات المدنية في المناصب السياسية في البنتاجون «سيطرة وجهات النظر المدنية»، وهي سمة مهمة للعلاقات المدنية-العسكرية السليمة.

Embed from Getty Images

 وهناك سبب يجعل معظم وزراء الدفاع يأتون من وظائف مدنية رفيعة المستوى في السياسة أو الحكومة أو القطاع الخاص. لقد اعتادوا العمل مع أطرافٍ معنية وإدارة التحالفات لإنجاز الأمور. وعلى عكس الضباط العسكريين المحترفين، فإنهم يفكرون في السياسة الداخلية والخارجية على أساس يومي – مما يساعدهم على معالجة أولويات البيت الأبيض.

وألمح المحللون إلى ازدياد المخاوف بشأن التسييس العسكري في السنوات الأخيرة؛ حيث وجدت القوات المسلحة نفسها غارقة في المياه الحزبية على نحو متزايد، إذ اضطرت، على سبيل المثال، إلى إدارة قضية عفو مثيرة للجدل عن مجرمي حرب مدانين (ثلاثة من أفراد القوات المسلحة متهمين أو مدانين بارتكاب جرائم حرب برَّأهم ترامب متجاوزًا قادة الجيش الذين سعوا لمعاقبتهم) أو نشر قوات في الخدمة النشطة على الجدار الحدودي. وباتِّباع هذا النمط، أثار قرار تعيين جنرال متقاعد آخر لرئاسة وزارة الدفاع انتقاداتٍ من عديدٍ من محللي العلاقات المدنية-العسكرية.

طمس الحدود الفاصلة

وكما كتب جيم جولبي، فقد يساهم الاعتماد على الجنرالات المتقاعدين في التعيينات السياسية رفيعة المستوى في «طمس الخطوط الفاصلة بين الضباط العسكريين العاملين والمتقاعدين» – ويخاطر بتنصيب أفراد قد يكونون أقل قدرة على تغيير أسلوب قيادتهم من قائد عسكري إلى قائد سياسي. وأصبح التحدي المتمثل في إبقاء هذه المجتمعات منفصلة في أعين الجمهور أكثر صعوبة بعد الاحتجاج من أفراد الجيش المتقاعدين في أعقاب احتجاجات جورج فلويد وتأييد العسكريين المتقاعدين البارز في المدة التي سبقت انتخابات نوفمبر (تشرين الثاني).

دولي

منذ شهرين
«نيويورك تايمز»: من هو أنتوني بلينكين المرشح وزيرًا للخارجية في إدارة بايدن؟

ويمكن لجنرال آخر متقاعد يوضع في قيادة البنتاجون أن يُعقِّد التحديد الواضح الفاصل بين الأدوار العسكرية والحزبية. وكما كتب ديف بارنو بعد تعيين جون كيلي في عام 2017 بصفته رئيسًا لموظفي البيت الأبيض، قد يضاعف تعيين ضباط متقاعدين في أدوار سياسية حزبية بطبيعتها من هذا التحدي المتمثل في التسييس. وأظهرت الأبحاث أن تصور ضباط الجيش المتقاعدين على أنهم حزبيون يمكن أن يكون له آثار سلبية على نظرة الجمهور إليهم وكذلك إلى الجيش.

ويختتم الباحثون التحليل قائلين إن اختيار أوستن لمنصب وزير الدفاع، في حين أنه يمثل خطوة تاريخية، إلا أنه يهدد بتطبيع نمط تعيين ضباط عسكريين متقاعدين في مثل هذه المناصب. وفي هذا الجانب، قد لا يمثل بايدن ابتعادًا عن نهج ترامب أكثر مما توقع عديد من مراقبي العلاقات المدنية-العسكرية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد