قالت الصحافية إيمي ماكينون في تحليل نشرته مجلة «فورين بوليسي» إن الرئيس الأمريكي جو بايدن سيلتقي الأربعاء نظيره الروسي فلاديمير بوتين للمرة الأولى منذ توليه الرئاسة الأمريكية في جنيف بسويسرا. على الرغم من عدم توقُّع نتائج استثنائية، يأمل الخبراء أن تساعد القمة في وضع بعض الحدود في العلاقة المتوترة بين أكبر القوى النووية في العالم.

وأوضحت ماكينون أن التوترات بين موسكو وواشنطن تصاعدت بشدة في السنوات الأخيرة بسبب الهجمات الإلكترونية والحرب في أوكرانيا، وخط أنابيب الغاز نورد ستريم 2، واستخدام روسيا لغاز الأعصاب القاتل نوفيتشوك لمحاولة القضاء على خصومها، وحملات التضليل التي تشنها وتدخلها في الانتخابات الأمريكية. لقد توترت العلاقات الدبلوماسية بعد سلسلة من عمليات الطرد الانتقامية للدبلوماسيين، وفي وقتٍ سابق من هذا العام، استدعى البَلدان سفيريهما لإجراء مشاورات.

دولي

منذ 6 شهور
صحافي روسي: حملة قمع جديدة على الإعلام.. بوتين يتجه سريعًا بروسيا نحو الظلام

انتقد البعض قرارَ عقدِ لقاءٍ مع الزعيم الروسي دون شروط. قال السيناتور الجمهوري بن ساسي، عضو لجنة المخابرات بمجلس الشيوخ، في بيانٍ الشهر الماضي: «بدلًا من معاملة بوتين زعيمًا لعصابةٍ يخشى شعبه، فإننا نمنحه خط أنابيب نورد ستريم 2 ونضفي الشرعية على أفعاله من خلال قمة. هذا دليل ضعف».

من جانبها، دافعت السكرتيرة الصحفية للبيت الأبيض جين ساكي عن الخطوة. وقالت في مؤتمر صحفي في مايو (أيار): «ربما نكون قد نسينا خلال العامين الماضيين، لكن هكذا هي الدبلوماسية. من المهم في الواقع مقابلة القادة عندما يكون لدينا مجموعة من الخلافات، كما نفعل مع القادة الروس».

لذا، إذا كانت التوترات شديدة السوء، فلماذا يجتمعان، وماذا يمكن أن نتوقع من القمة؟ كما تتساءل ماكينون.

ما الهدف من القمة؟

التأكد من بناء «علاقة مستقرة ويمكن التنبؤ بها». هذه هي كلمات السر لإدارة بايدن عندما يتعلق الأمر بنهجها تجاه روسيا، ولكن حتى هذا قد يكون بعيد المنال.

قال ديمتري ترينين، مدير مركز «كارنيجي» في موسكو: «لا أعتقد أن بإمكاننا الحصول على بيئة مستقرة». وأضاف في مؤتمر صحفي يوم الخميس: «أعتقد أن أقصى ما يمكن القيام به هو توضيح كلا الجانبين أين تكمن خطوطهما الحمراء الحقيقية».

Embed from Getty Images

على الرغم من أن موسكو وواشنطن تنظران إلى بعضهما بعضًا بريبةٍ عميقة – تشدد ماكينون – فإن كلا الجانبين يدركان على مضض الحاجة إلى وجود علاقة عمل لتجنب الكارثة. لا يزال لدى روسيا، إلى جانب الولايات المتحدة، أكبر ترسانات نووية على وجه الأرض. ولا تزال روسيا عضوًا دائمًا في مجلس الأمن في الأمم المتحدة، وهذا يعني أنه شئنا أم أبينا، يتعين العمل مع روسيا بشأن بعض التحديات الأساسية الموجودة في العالم، مثلما قال إريك جرين، مساعد بايدن الأعلى في روسيا، في حدثٍ استضافه مركز الأمن الأمريكي الجديد الأسبوع الماضي.

ماذا يضم جدول أعمال القمة؟

قال جرين إن الموضوعات المطروحة للنقاش «ستغطي الملفات الأساسية»، بما في ذلك الحد من التسلح والهجمات السيبرانية والقيود الدبلوماسية والأمريكيون المسجونون في إيران؛ وملفات كوريا الشمالية وسوريا وأفغانستان؛ والقطب الشمالي وتغير المناخ. ومن المتوقع أيضًا أن يثير بايدن قضية اختطاف بيلاروسيا لطائرة رايان إير، وأن يؤكد مجددًا التزام الولايات المتحدة بوحدة أراضي أوكرانيا.

وبحسب ماكينون فإن الأولويات العاجلة تتضمن إعادة بناء العلاقات الدبلوماسية بين البلدين. ردًّا على أحدث جولة من العقوبات بسبب التدخل في الانتخابات، حظرت روسيا الشهر الماضي على مواطنيها العمل في البعثات الدبلوماسية الأمريكية. هذه الخطوة، التي جرى تعليقها لاحقًا، أجبرت السفارة الأمريكية في موسكو على تقليص الخدمات القنصلية بشكلٍ كبير للمواطنين الأمريكيين ووقف معالجة التأشيرات للروس.

Embed from Getty Images

قالت أنجيلا ستينت، مديرة مركز «الدراسات الأوروبية الآسيوية والروسية والشرقية» في جامعة «جورج تاون»: «إنهم بحاجة إلى العمل على الأقل لإعادة العلاقات الدبلوماسية حتى تتمكن الولايات المتحدة من المضي في القيام بالأعمال التي تحتاج إلى القيام بها في روسيا والشيء نفسه بالنسبة للروس هنا». وتضيف الكاتبة أن أحد المجالات التي يدرك فيها الطرفان أنهما ليس لديهما خيار سوى العمل معًا؛ هو الاستقرار الإستراتيجي والسيطرة على التسلح، لكن هذا لا يعني أن الأمر سيكون سهلًا.

قال جيمس أكتون، المدير المشارك لبرنامج السياسة النووية في مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي، في مؤتمر صحفي يوم الخميس: «المصالح الأمريكية والروسية في الأسلحة الإستراتيجية بخلاف الرغبة العامة في تجنب حرب نووية أصبحت غير متكافئة بشكلٍ متزايد». وأوضح أكتون أنه على الرغم من أن الولايات المتحدة قلقة بشأن الأسلحة الروسية الجديدة عالية التقنية، مثل الطوربيدات التي تعمل بالطاقة النووية وصواريخ كروز، إلا أن روسيا مهتمة أكثر بالأسلحة التقليدية الأمريكية، مثل الدفاع الصاروخي والصواريخ عالية الدقة. وهذا يجعل المساومة المتبادلة صعبة.

وأشارت الكاتبة إلى أن كلًّا من موسكو وواشنطن قالتا إنهما حريصتان على مناقشة عالم الإنترنت. فقد ألقت الولايات المتحدة باللوم على وكالات الاستخبارات الروسية في سلسلة الاختراقات الأخيرة للوكالات الحكومية الأمريكية، لكن الكرملين يخشى بدوره من القدرات الإلكترونية للولايات المتحدة.

قال أندريا كيندال تايلور، مدير برنامج الأمن عبر المحيط الأطلسي في مركز الأمن الأمريكي الجديد: «يجب وضع الفضاء الإلكتروني تحت مظلة الاستقرار الإستراتيجي، وذلك لمنع سوء التفاهم بشأن التجسس الإلكتروني أو القرصنة من التصعيد إلى نقطة نزاع مسلح أو نووي».

وأشار كيندال تيلور، الذي شغل لفترة وجيزة منصب رئيس بايدن لروسيا في مجلس الأمن القومي إلى أنَّ «هذه القضايا والحوادث ذات المستوى الأدنى يمكن أن تتصاعد بسرعة كبيرة إلى استخدام الأسلحة النووية. لذلك نريد أن نضع بعض القواعد، وبناء قدرٍ من التفاهم في هذه المجالات المختلفة».

ما الذي يجب أن نتوقعه؟

من المرجح أن يكون الاجتماع طويلًا ومتوترًا، كما تقول ماكينون. فمن المعروف أن بوتين يأتي على أهبة الاستعداد ويميل لإلقاء محاضرات على نظرائه. يقول مايكل ماكفول، الذي عمل سفيرًا للولايات المتحدة لدى روسيا خلال إدارة أوباما: «إنه يهيمن على اللقاء. ليس كل القادة يفعلون ذلك. في بعض الأحيان يذعن القادة للخبراء. لكن بوتين لا يذعن لأحد». ومن المرجح أيضًا أن يثير بوتين هجوم 6 يناير على مبنى الكابيتول الأمريكي. وأضاف ماكفول في اتصال هاتفي مع الصحفيين: «ليس لدي شك في أنهم سيتحدثون عن شغب 6 يناير».

في الأسابيع الأخيرة، سعى كلٌّ من بوتين ووزير الخارجية الروسي، سيرجي لافروف إلى وصف المتمردين بالمتظاهرين الذين لديهم مظالم سياسية مشروعة. يأتي ذلك في الوقت الذي اتبعت فيه روسيا حملة قمع داخلية ضد جماعات المعارضة والصحافيين في الأشهر الأخيرة.

Embed from Getty Images

ترى ماكينون أن علينا مراقبة لغة الجسد للزعيمين عند خروجهما من اجتماعهما. يقول خبراء روسيا إنهم ينتظرون لمعرفة ما إذا كان الزعيمان سيعقدان مؤتمرًا صحفيًّا مشتركًا في نهاية القمة، على الرغم من أن شبكة «سي إن إن» ذكرت يوم الجمعة أن هذا أمر غير مرجح، وما إذا كانا سيُصدران أي بيانات مشتركة بشأن العلاقات الدبلوماسية ومراقبة الأسلحة. قال ستينت «قد ترى بيانًا بشأن اتفاق للدخول في محادثات الاستقرار الإستراتيجي».

وتأمل عائلات الأمريكيين المسجونين في روسيا أيضًا في إمكانية إبرام صفقة لإعادتهم إلى الولايات المتحدة. تلقى بول ويلان وتريفور ريد، وكلاهما من مشاة البحرية الأمريكية السابقين، أحكامًا بالسجن مطولة بشكل منفصل بتهم تعتبرها الولايات المتحدة وهمية.

ما موقع هذا الاجتماع ضمن نهج إدارة بايدن تجاه روسيا؟

منذ تنصيبها في يناير، حاولت إدارة بايدن السير على خط رفيع لعدم إعادة ضبط الوضع مع موسكو، بينما تسعى أيضًا إلى تجنب تصعيد علاقة مشحونة بالفعل.

كان أحد الإجراءات الأولى لبايدن بعد تولي الرئاسة هو الأمر بمراجعة أربعة مجالات من الأنشطة الخبيثة التي يُزعم أن الحكومة الروسية ارتكبتها: اختراق شركة «سولار وندز»، تسميم زعيم المعارضة الروسية أليكسي نافالني، التدخل في الانتخابات في 2016 و2018 و2020، والتقارير التي تفيد بأن عملاء استخبارات روس دفعوا مكافآت للمتشددين في أفغانستان لقتل القوات الأمريكية. بمجرد اكتمال المراجعة، أعلنت واشنطن عن مجموعة جديدة من العقوبات وطردت دبلوماسيين في أبريل (نيسان) بسبب جهود روسيا للتدخل في السباق الرئاسي لعام 2020.

دولي

منذ 7 شهور
باستخدام سلاح العقوبات.. هل تنجح إدارة بايدن في «ترويض» بوتين؟ 

على الرغم من أن إدارة بايدن كانت واضحة في أنها ترى أن المنافسة مع الصين هي التحدي الإستراتيجي الأكبر على المدى الطويل – تستدرك ماكينون – إلا أن روسيا هي التي مثلت صداعًا ملحًّا في السياسة الخارجية في الأيام الأولى للإدارة.

قالت ميليندا هارينج، نائبة مدير مركز «أوراسيا» في المجلس الأطلسي، في حديثها أمام مركز المصلحة الوطنية يوم الخميس: «أعتقد أن سياسة بايدن تجاه روسيا تبدو ساذجة بعض الشيء في الوقت الحالي. يبدو أنهم يعتقدون أن بإمكانهم احتواء روسيا، وسوف تتصرف روسيا بانضباط خلال السنوات الأربع المقبلة، ويمكننا فقط تجاهل ذلك».

مع اقتصاد أصغر من اقتصاد ولاية نيويورك، غالبًا ما توصف روسيا بأنها قوة متراجعة مقارنةً بالولايات المتحدة أو الصين. قال ماكفول: «واشنطن تستهين بالقوة الروسية. لا يوجد دليل يدعم مزاعم أن قوة روسيا تتراجع. مهما كانت البطاقة التي يمتلكها بوتين، فهو مستعد لاستخدامها بطريقة أكثر عدوانية، أكثر من أي زعيم آخر في العالم».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد