أين البلقان، من الناحية الواقعية، في سياسة بايدن الخارجية؟

قال حمزة كارتشيش – أستاذ مشارك في كلية العلوم السياسية بجامعة سراييفو – في مقال على موقع شبكة «تي آر تي» التركية إنه عندما جرى انتخاب جو بايدن رئيسًا في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، قوبل فوره بالكثير من الضجة في أحد أركان جنوب شرق أوروبا. حيث لم يبد في البوسنة وكوسوفو أن انتخاب السناتور السابق ينذر بالأمل فحسب، بل زاد أيضًا من التوقعات بأن أمريكا سوف «تعود».

ربما لم يكن هناك في أي جزء آخر من أوروبا شعور بأن أحد داعميهم قد تولى المنصب السياسي الأكثر أهمية. في الواقع – يوضح كارتشيش – قبل انتخابات نوفمبر وبعدها، تسابق المحللون في البوسنة للتنبؤ بمدى أهمية هذا البلد بالنسبة للرئيس الجديد ومدى سرعة مشاركته في حل الجمود السياسي.

حقوق إنسان

منذ 4 شهور
«نيويوركر»: «جزار البلقان».. لماذا قتل راتكو ملاديتش كل هؤلاء المسلمين في البوسنة؟

نشأ التفاؤل وسقف التوقعات المرتفع من دفاع بايدن عن البوشناق وألبان كوسوفو في التسعينيات. وعندما شن الصربي القوي سلوبودان ميلوسيفيتش حروبه قبل ثلاثة عقود، ترددت إدارتا جورج دبليو بوش، ثم بيل كلينتون، وفشلت في مواجهة العدوان بشكل حاسم في البداية.

ولكن تبنى عدد من المشرعين الأمريكيين البارزين قضية البوسنة وقدموا دعمًا ثابتًا للبوشناق في الكابيتول هيل. وكان السناتور بايدن من أكثر المؤيدين صراحة لحق البوسنة في الدفاع عن النفس وسط الهجوم. في الواقع – يؤكد كارتشيش – فإن صورة السناتور حفرت في الأذهان حتى الآن بخطبه البليغة الداعمة للبوسنة أيام شبابه. وبالمثل، دافع بايدن عن ألبان كوسوفو طوال التسعينات.

خيبة أمل مفاجئة

أثار دفاع بايدن عن البوسنة وكوسوفو قبل ثلاثة عقود التوقعات خلال الأشهر العديدة الماضية بأن الرئيس الجديد سيشارك في البلقان مرة أخرى. لقد تغير الكثير على مدى الثلاثين عامًا الماضية، وظهرت أولويات داخلية وخارجية جديدة على جدول الأعمال. لكن تراجعت النشوة والآمال الواسعة إلى حد كبير الآن، وبدأ شعور جديد بالواقعية يسود.

في أوائل شهر مارس (أذار)، أصدر البيت الأبيض توجيهاته الإستراتيجية المؤقتة للأمن القومي، التي تعيد تأكيد التزام الإدارة بالتحالف عبر الأطلسي. وأضاف الكاتب أن توسيع الناتو ودعم دول البلقان غائبان بشكل ملحوظ عن هذه الوثيقة الإستراتيجية. في الواقع، ينصب التركيز على مواجهة صعود الصين وإنهاء «الحروب الأبدية». ومع انتهاء أول 100 يوم في رئاسة بايدن، أعلن الرئيس انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان بحلول سبتمبر (أيلول) من هذا العام.

فأين البلقان، من الناحية الواقعية، في سياسة بايدن الخارجية؟ يتساءل كارتشيش.

على الرغم من أن منطقة البلقان ليست ذات أولوية لدى بايدن، إلا أنها منطقة استثمرت فيها الولايات المتحدة سياسيًا وعسكريًا وماليًا منذ التسعينات. وعلى الرغم من الاستثمارات الكبيرة، لم تزل المنطقة في طي النسيان، مع استبعاد منحها عضوية الاتحاد الأوروبي.

Embed from Getty Images

لقد تغلغلت الصين وروسيا هناك في السنوات الأخيرة، في الوقت الذي حولت فيه الولايات المتحدة اهتمامها إلى مكان آخر. وإذا لم يتم حماية عملية السلام – والاستثمار الأمريكي في البوسنة وكوسوفو، فإن البلقان تخاطر بأن تظل جزءًا متقلبًا من هذه الزاوية من أوروبا.

تقدم البلقان لإدارة بايدن فرصة لتأمين الاستثمار الأمريكي وتحقيق نجاح سريع في السياسة الخارجية – يقول كارتشيش. فعلى عكس التدخل العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط، تظل منطقة البلقان نقطة نجاح أمريكي. في الواقع لا يوجد عمليًا أي مشاعر معادية لأمريكا بين البوسنيين والكوسوفيين. وهذا يتناقض بشدة مع كثير من دول أوروبا الأخرى.

أمل البوسنة وكوسوفو: الانضمام للناتو

لدفع المنطقة إلى الأمام، يجب على إدارة بايدن الضغط من أجل توسيع الناتو ليشمل البوسنة وكوسوفو. لا تزال الغالبية في البوسنة – معظمهم من المسلمين البوسنيين والكاثوليك الكروات – تؤيد الانضمام إلى الناتو، لكن هذه الأغلبية تتراجع. فيما يعارض زعماء صرب البوسنة في الكيان السياسي المعروف باسم جمهورية صربسكا الآن انضمام البلاد إلى الناتو. لم يكن هذا هو الحال قبل عقد من الزمن، وهو مؤشر على مدى السرعة التي يمكن أن يتبدد بها دعم المسار الموالي للغرب.

ومع وجود حكومة جديدة – ينوه كارتشيش – من المقرر أن تستمر كوسوفو في مسارها المؤيد لأمريكا والغرب. لا ينبغي إعاقة أحدث دولة في أوروبا لمجرد أن التطبيع الكامل مع صربيا يستغرق وقتًا.

ويضيف الكاتب أن ضمان حصول كوسوفو على خارطة طريق واضحة لعضوية الناتو الكاملة في المستقبل القريب سيعمل على الحفاظ على الاستقرار في البلقان. ونظرًا لأن ذلك مستبعد، يصبح المسار الواضح إلى الناتو أكثر أهمية. يجب ألا يكون لقرار صربيا بالانسحاب من الناتو في الوقت الحالي أي تأثير على بقية المنطقة.

Embed from Getty Images

إن الفرصة المتاحة لإدارة بايدن لتوحيد البلقان بقوة داخل الحلف الأطلسي ستقدم نفسها في قمة الناتو في يونيو. وإذا كان بايدن سيسرع ضم البوسنة وكوسوفو إلى الناتو، فإن هذا سيعطي كلا البلدين إحساسًا بمستقبل أكثر إشراقًا، ويساعد في ترسيخ الدولتين بقوة على مسار موالٍ للغرب. وحينها سيجري تأمين الاستثمار السياسي، والعسكري، والاقتصادي الأمريكي في البوسنة وكوسوفو على مدى العقدين الماضيين.

في نهاية المطاف – يشدد كارتشيش – يجب أن تتجاوز الضرورات الإستراتيجية أي مخاوف بيروقراطية حول ما إذا جرى تنفيذ إصلاحات كافية. تركز تاريخ توسع الناتو على كيفية إعطاء الحلف الأولوية للقرارات الإستراتيجية على المخاوف المتعلقة بالسياسة الداخلية. تم قبول اليونان في عام 1952 بعد فترة وجيزة من الحرب الأهلية اليونانية. أصبحت ألمانيا الغربية عضوًا في الناتو في عام 1955، بينما ظلت تحت الوصاية الأمريكية. وانضمت إسبانيا إلى الحلف في عام 1982 بعد فترة قصيرة من الديكتاتورية.

يجب تطبيق نهج مماثل لقبول أعضاء جدد، ثم دعم تطورهم الديمقراطي داخل الناتو. على عكس التوسيع السابق لحلف شمال الأطلسي، فإن انضمام دولتين صغيرتين نسبيًا مثل البوسنة وكوسوفو سيكون فعالًا للغاية من حيث التكلفة. إن هذا النجاح في السياسة الخارجية في متناول اليد وسيكون إرثًا دائمًا للرئيس بايدن.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد