مع اقتراب الذكرى العاشرة لبدء الأحداث السورية، تعود إلى دائرة النقاش مسألة تفاعل المجتمع الدولي مع هذا البلد المنكوب بالحرب. يسلط تقرير جديد منشور على موقع «ميدل إيست آي» الضوء على الاستراتيجية التي ستتبعها إدارة بايدن تجاه الوضع السوري، والخيارات المتوقعة للسياسة الخارجية الأمريكية في هذا المجال.

سوريا.. تغييرات متوقعة

في حين أن الكثير من السياسة الخارجية للرئيس جو بايدن تبدو وكأنها امتداد لاستراتيجية الولايات المتحدة المؤسسة خلال فترة ولايته في عهد الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، إلا أن التقرير يتحدث عن أملٍ ضئيل في الرجوع بالزمن فيما يخصّ الحالة السورية. سعت استراتيجية أوباما إلى دعم المعارضين ممن يحاولون الإطاحة برئيس النظام السوري بشار الأسد، لكن ولّت تلك الأيام منذ زمن طويل، حيث توصل الكثيرون من المجتمع الدولي الآن إلى إجماعٍ بأن هذا الرئيس سيبقى وفقًا لوصف التقرير.

عربي

منذ أسبوعين
بعد 10 سنوات من الحروب.. من ربح كعكة الإعمار في العالم العربي؟

سيكون تحديًا أمام فترة بايدن الرئاسية التحكم بالأمور بعد مجموع الخطوات الملتوية التي فعلها الرئيس السابق دونالد ترامب في سوريا، وهي خطوات أربكت حتى بعض من أبرز المحللين العسكريين في العالم. يواجه بايدن أيضًا احتمال تحميل الرئيس الأسد المسؤولية عن جرائم الحرب الموثق ارتكابها من قبل الحكومة السورية، مع المضي قدمًا في احتمال استمرار حكمه في الآن ذاته.

حاليًّا، تشكل العقوبات الصارمة التي فرضها الكونجرس الأمريكي بقانون قيصر جزءًا كبيرًا من التدخل الأمريكي في سوريا، ومع وجود حوالي 900 جندي على الأرض يتمركز معظمهم حول احتياطيات النفط، يبرز سؤال أيضًا فيما يتعلق بالهدف الذي ستحدده إدارة بايدن بشأن استمرار المشاركة العسكرية الأمريكية في سوريا.

ماذا عن العقوبات؟

قال مدير مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة أوكلاهوما والمتخصص في سوريا جوشوا لانديس لموقع ميدل إيست آي إن استراتيجية ترامب تمثلت في «تحويل سوريا إلى مستنقع»، مضيفًا أن المرحلة النهائية «إحداث شكل من أشكال تغيير النظام من خلال الوسائل السلمية، وهو خليط من السياسات المختلفة في الماضي، لجعلها مستساغة اليوم. إلا أنها ليست قابلة للتحقق».

وتابع لانديس: «خاض الأسد حربًا وحشية للغاية من أجل البقاء في السلطة وإبقاء أناسه حاكمين، وهو ليس على طريق الخسارة. لا يوجد اليوم معارضة قادرة على الإطاحة به. بدلًا من ذلك، يجب إيلاء الأولوية لإقامة الروابط وإصلاح العلاقة الأمريكية مع حكومة الأسد»، ويعتقد لانديس أن معظم العقوبات الأمريكية ضد سوريا يجب رفعها.

Embed from Getty Images

وقال لانديس إن «الإجراءات الاقتصادية والعزلة تعاقب الشعب بالحقيقة وليس النظام. هذه سياسة سيئة لأنها تترك سوريا في فراغٍ يقوّي إيران والنظام»، مضيفًا: «بيد أني أعتقد أن الولايات المتحدة قادرة على اكتساب عائدٍ من المستنقع الاقتصادي الرهيب الذي ساعدت على تطويره في سوريا إذا ما استخدمت الدبلوماسية الحكيمة».

العقوبات على سوريا أداة للمساومة

يقول التقرير إن أحد كبار الدبلوماسيين الذين من المقرر أن يساعدوا في تنفيذ الدبلوماسية الأمريكية في سوريا هو المبعوث الأمريكي إلى سوريا الذي لم يتم تعيينه بعد. وبحسب ما ورد، فقد اُختير المسؤول السابق في وزارة الخارجية الأمريكية والدبلوماسي في الأمم المتحدة جيفري فيلتمان من قبل وزير الخارجية الأمريكية أنتوني بلينكين لتولي المنصب.

تحدث فيلتمان مع موقع ميدل إيست آي موضحًا رفضه لفكرة شغل العقوبات الأمريكية دورًا مهمًا في المعاناة المتفاقمة في سوريا: «لا يمكن لأحد أن ينكر أن العقوبات يجب أن يكون لها بعض التأثير في السكان المدنيين.. لكن السبب الرئيسي للمشاكل الاقتصادية الخطيرة ليس العقوبات، السبب الرئيسي هو الموت والدمار الناجمين عن الحرب، وهو ما يعزى معظمه إلى الحكومة لتسبب الغارات الجوية به، وهو ما لم يكن بيد المعارضة يومًا».

يُعتبر فليتمان أحد منتقدي السياسة الأمريكية في سوريا، باستثناء دورها في صد تنظيم داعش هناك. وينقل عنه التقرير قوله بأنه رغم توجب عدم تحميل العقوبات مسؤولية الوضع الاقتصادي في سوريا، إلا أن العقوبات بالمقابل قد فشلت في الضغط على حكومة الأسد.

وبالنسبة لمستقبل السياسة الأمريكية حيال سوريا، يعتقد فيلتمان أن على الولايات المتحدة استخدام العقوبات بمثابة أداة للمساومة، ويوضح فيلتمان بالقول: «أعتقد أن الوقت قد حان لوضع نوع من خارطة الطريق المرحلية على الطاولة تتطلب من السوريين اتخاذ خطوات معينة باتجاه الإصلاح السياسي واللامركزية واحترام حقوق الإنسان وإطلاق سراح السجناء وما إلى ذلك»، و«بمقابل الخطوات الجادة والملموسة القابلة للإثبات –من طرف سوريا – ستتخذ الولايات المتحدة خطوات لتخفيف العقوبات أو تعليقها مؤقتًا، ومعرفة ما إذا كان تخفيف العقوبات قيد التطبيق الآن يمكن أن يولّد نوعًا من التغيير السلوكي الذي لم يصل إليه فرض العقوبات نفسها».

وينقل التقرير شكوك فيلتمان حيال هذا الأمر: «أنا لست متأكدًا من أن هذا سينجح، لكني أعتقد باستحقاقه للمحاولة».

Embed from Getty Images

إدارة بايدن ورسالة متضاربة

تردد صدى بعض من آراء فيلتمان في مؤتمر صحفي جرى يوم الثلاثاء للمتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية نيد برايس الذي قال بأن إدارة بايدن ستتطلع إلى تعزيز «تسوية سياسية» متعددة الأطراف لإنهاء الحرب في سوريا. وفي الوقت نفسه، أشار أيضًا إلى نيتها مواصلة استخدام العقوبات أداةً للضغط.

صرح برايس: «على للتسوية السياسية التصدي للأسباب الكامنة التي أدت إلى ما يقرب من عقدٍ من الحرب الأهلية. سنستخدم الأدوات المتاحة أمامنا – بما في ذلك الضغط الاقتصادي – للحثّ باتجاه إصلاح مُجدٍ والخضوع للمساءلة»، ومع ذلك، يقول برايس إن مجلس الوزراء والعاملين الذين اختارهم الرئيس بايدن بعثوا بـ«رسالةٍ مختلطة للغاية».

في أواخر الشهر الماضي، عين بايدن المسؤول السابق في إدارة أوباما وخبير الشرق الأوسط روبرت مالي ليكون مبعوثه الخاص إلى إيران، وهو ما أثار غضب مناصري الحرب الأشداء، الذين وصفوا المسؤول بأنه متساهل للغاية مع طهران وحاد للغاية مع إسرائيل. ونظرًا لأنه من المقرر أن تكون إيران من بين أحد أهم اهتمامات السياسة الخارجية للإدارة، فقد أشار المحللون إلى الآثار التي يمكن أن تحدثها المفاوضات النووية على السياسة الأمريكية في سوريا.

ويذكّر التقرير بفترة عمل مالي في إدارة أوباما، حين عارض دعم الولايات المتحدة للمعارضين السوريين وقاوم الإجراءات العقابية ضد الأسد، لأن مثل هذه الخطوات تعقد المحادثات مع إيران برأيه، وهي الحليف الرئيسي للنظام السوري. وفي مقابلة عام 2018، انتقد مالي دعم واشنطن للمعارضة السورية، قائلًا: «كنا جزءًا من تأجيج الصراع بدلًا من إيقافه».

يوافق وزير الخارجية المستلم حديثًا بلينكين على وصم سياسة محاولات الولايات المتحدة لدعم المعارضين السوريين بـ«الفاشلة»، لكنه وعلى عكس مالي، يعرب عن دعمه لاستمرار الإجراءات العقابية ضد حكومة الأسد. صرّح بلينكن لصحيفة واشنطن بوست خلال حملة بايدن بأنه على الإدارة الحرص على الإنفاذ القوي لعقوبات قانون قيصر.

من جهتها، أطلقت حملة بايدن خطة شراكة عربية أمريكية تعتزم الوصول لخطط لـ«حشد دول أخرى لدعم إعادة إعمار سوريا»، وهو ما أثار تساؤلات حول ما إذا كان بايدن ينوي إتمام تنفيذ قانون قيصر. وقالت الخطة أيضا إن الإدارة سوف «تجدد الالتزام بالوقوف مع المجتمع المدني والشركاء المؤيدين للديمقراطية على الأرض».

Embed from Getty Images

نفوذ روسيا وإيران

في غضون ذلك، أشار فيلتمان إلى أنه في حين أن الوضع العسكري في سوريا الآن «أهدأ مما كان عليه منذ أمدٍ طويل»، إلا أن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية تتدهور بسرعة. أبدت روسيا وإيران دعمها العسكري للحكومة السورية خلال السنوات العديدة الماضية، لكن فيلتمان يشكك بأن يحصل هذا الهروع للإغاثة من الجانب الاقتصادي أيضًا.

وينقل التقرير عن فيلتمان سؤاله: «في الوقت الحالي، لا يوجد خطر حقيقي من إخراج المعارضة لبشار الأسد من السلطة، ولكن هل يمكنه الحفاظ على المستوى نفسه من الدور عندما يترأس الطريق للانهيار الاقتصادي والاجتماعي؟»، مضيفًا أسئلة أخرى: «هل سينقذه الروس والإيرانيون بنفس الطريقة التي أنقذوه بها على الجبهة العسكرية؟ وإلى متى يمكنهم الاستمرار في ذلك؟ من المثير للاهتمام النظر الآن للتغيير في السياسة الأمريكية-السورية حين لا يعود الوضع الميداني في سوريا متعلقًا بالحملة العسكرية.

بالمقابل، صرّح لانديس لموقع ميدل إيست آي أنه من المرجح أن تحافظ الولايات المتحدة على وجودها العسكري في سوريا دون تغيير. فبالإضافة إلى محاربة تهديد داعش وفقًا للتقرير، تؤمن القوات الأمريكية وسيلة «لعزل العراق عن سوريا، وقطع خطوط الإمداد الإيرانية» أيضًا.

يتابع لانديس في حديثه مع الموقع: تعتمد هذه السياسة على السماح لإسرائيل بالسيطرة الكاملة على الجو، حتى تتمكن من القصف متى شاءت والإبقاء على حالة قطع الممرات السريعة بين العراق وسوريا، وهو ما تفعله الولايات المتحدة من خلال نشر قواتها على الطريق البري السريع الرئيسي، حيث صارت أغلب التجارة، وبالتالي يمكنها إيقاف الاقتصاد بمجمله»، مضيفًا: «أمريكا لديها بالفعل قدر كبير من النفوذ في قدرتها على تدمير اقتصاد هذه الدول والضغط على إيران، وسوف تستخدم هذا الضغط من أجل التفاوض على صفقة إيران».

أنابيب النفظ في الصورة

في هذه الأثناء، قال لانديس إن إعادة التفاوض على اتفاق مع إيران مع احتمال تهيئة الاستقرار في سوريا من بين المسائل الأخرى التي تعني الولايات المتحدة، لأن إمكانية تحقيق تماسك أكبر في أنحاء المنطقة قد ينجم عنه تأثيرات أوسع تتعارض مع تطلعات الولايات المتحدة. ونوّه لانديس إلى التوقعات بخط أنابيب نفط يربط بين إيران والعراق وسوريا ولبنان، الذي كان يجري النظر فيه عام 2011 قبل نشوب الحرب في سوريا.

Embed from Getty Images

يوضح التقرير عدم توافق هذا الخطّ مع المصالح الأمريكية لأن من شأنه إثراء إيران – أحد أكبر منتجي النفط في العالم – والتنافس مع خطوط الأنابيب المقترحة عبر المملكة العربية السعودية إلى إسرائيل، لكن بالمقابل يمكن لصفقةٍ مماثلة أن تحقق العجائب للمنطقة. بالإضافة إلى ذلك، سيهدد خط كهذا الاعتماد الأوروبي على الغاز الروسي وكذلك المصالح التركية.

قال لانديس إن الصفقة الإيرانية يُفترض لها «أن تسمح بتطبيع أكبر للعلاقات الاقتصادية، لأنه.. ولأول مرة في التاريخ الحديث، أصبحت حكومات إيران والعراق وسوريا ولبنان صديقة»، متابعًا: «جميعهم متحالفون الآن. وبالنسبة لإيران، قد ترى خط أنابيب عملاق مبني من إيران، عبر الصحراء العربية مباشرة، بين العراق وسوريا وإلى الساحل الذي سيرسل ذلك النفط والغاز إلى أوروبا، مع تجنب تركيا. سيكون في غاية الذكاء القيام بذلك». سيستغرق خط الأنابيب من هذا النوع وقتًا جيدًا، ولكنه سيحقق دخلًا كبيرًا لسوريا وجيرانها.

وأضاف لانديس للموقع: «سيكون هذا مفيدًا لأوروبا ومفيدًا لإيران والعراق وسوريا، لكن أمريكا توقف كل ذلك عبر المحافظة على حالة شلل تجارة الترانزيت بواسطة حضور قواتها على الحدود الرئيسية ومواصلة عقوباتها وغير ذلك. إنه لن يحدث فحسب»، متابعًا: «لكن من الناحية النظرية، هذا ما تريده إيران، لأنه سيسمح لها بالتواصل مع العالم وأن تغدو شريكًا تجاريًا رئيسيًا تثري نفسها وجيرانها، بما في ذلك سوريا»

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد