إذا فاز بايدن في الانتخابات الرئاسية الأمريكية القادمة، سيتعين عليه أن يجمع شمل العالم مرة أخرى، ويلملم الأشلاء التي مزقتها الجائحة، ويتحمل عبء تصويب أخطاء ترامب الكارثية.

كتب توماس رايت، الباحث البارز في معهد بروكنجز ومؤلف كتاب «عن القوة الأمريكية في القرن الحادي والعشرين»، وكيرت كامبيل، مساعد وزير الخارجية الأمريكي سابقًا، مقالا مشتركًا في مجلة «ذي أتلانتك» حول المهام الرئيسية التي ستلقى على عاتق جو بايدن، على المستويين الداخلي والخارجي، في حالة انتخابه رئيسًا للولايات المتحدة في نوفمبر 2020. ويرى الكاتب أن الرئيس – سواء كان بايدن أو ترامب – سيواجه تحديات غير مسبوقة في تاريخ البلاد.

دولي

منذ شهرين
كان سببًا في محاولة عزله.. هل يطيح جو بايدن دونالد ترامب في الانتخابات القادمة؟

يستهل الكاتبان مقالهما بالقول: «إذا فاز جو بايدن في انتخابات نوفمبر (تشرين الثاني)، فمن المحتمل أن يؤدي اليمين الدستورية – ربما افتراضيًا عبر وسائل الاتصال الحديثة – في ظل أصعب ظروف تشهدها البلاد منذ أن أصبح هاري ترومان رئيسًا عام 1945. وربما ستكون البلاد في المراحل النهائية من جائحة وحشية، وتواجه أسوأ وضع اقتصادي منذ الكساد الكبير. وستكون الخزانة قد استنفدت إلى حد كبير، وسيكون الملايين من الناس قد فقدوا أحباءهم ووظائفهم والكثير من صافي قيمة أصولهم المالية».

ويأمل المقال أن يكون التوصل إلى لقاح أو علاج فعال قد صار أقرب إلى التحقق، وبالتالي يمكن أن يتحول الاهتمام الوطني إلى ما سيأتي بعد ذلك.

كيف يحكم الأمريكيون على الرؤساء؟

يضيف الكاتبان: نحن نحكم على رؤسائنا العظماء من خلال الطريقة التي أداروا بها المحن والحروب المروعة، مثل أبراهام لنكولن والحرب الأهلية، وفرانكلين روزفلت والكساد والحرب العالمية الثانية التي أعقبته، ورونالد ريجان والحرب الباردة. لكن العديد من التحديات الأكبر والأقل مكافأة تاريخيًا هي التي تأتي بعد ذلك مباشرة؛ مثل كيفية إعادة بناء البلاد وإعادة تشكيلها والانخراط في العالم الأوسع.

وبعض الأمثلة على ذلك: يوليسيس جرانت وإعادة التعمير بعد الحرب الأهلية، وودرو ويلسون وعصبة الأمم، وترومان وهندسة شن الحرب الباردة، وجورج بوش الأب وانهيار الاتحاد السوفيتي.

ويشير المقال إلى أن بعض هؤلاء الرؤساء فشل، بينما نجح الآخرون. وواجهوا جميعًا معوقات هائلة كلها تشرح ما حدث للتو، وما الذي تغير، وكيف يجب علينا التكيف. هذه هي فئة الرؤساء التي سيجد بايدن نفسه فيها، أو دونالد ترامب إذا ما أعيد انتخابه.

ويرى الكاتبان أنه إذا فاز ترامب، يمكن للبلاد أن تتوقع المزيد مما رأيناه في المرحلة الأولى من التعامل مع كوفيد-19، أي نقل العبء الاقتصادي والصحي إلى الولايات والكونجرس، وعدم الاهتمام بالتعاون الدولي، ورفض التدقيق النقدي لطريقة الاستجابة.

كيف سيكون العام الأول لبايدن؟ 

بحسب المقال، سيكون لبداية رئاسة بايدن منطق وطابع فريدان يميزانها عن المراحل المبكرة من الأزمة. إذ سيتشكل عامه الأول بمقاييس عديدة، منها رد الفعل الشعبي على أهوال عام 2020، وظهور النتائج النفسية المختلفة لرحيل ترامب، والواقع الجديد الذي سيبرز، ويتمثل في خيارات صعبة للغاية في جميع الجوانب.

Embed from Getty Images

التحدي الأول: معالجة نظام الحكم المهترئ

سيكون التحدي الأول والأصعب الذي يواجهه بايدن هو معالجة ميثاق الحوكمة الذي أصابه الكثير من الاهتراء، والذي يتوقع المواطنون بموجبه من الحكومة أن تقدم الخدمات الأساسية، ويثقون في أنها ستفعل ذلك.

وعلى مدار عقود، اعتقد الجمهوريون والديمقراطيون أن الحكومة بحاجة إلى الإصلاح، وإن كان ذلك لأسباب مختلفة للغاية:

يميل الجمهوريون إلى النظر إلى الكثير من أجهزة الدولة، بما في ذلك الهيئات التنظيمية والخدمات الاجتماعية، على أنها غير فعالة بطبيعتها ويديرها بيروقراطيون محصنون ولا يخضعون للمساءلة.

فيما يرى الديمقراطيون أن القوى العاملة الفيدرالية تعاني من نقص الموارد، وتتعرض في كثير من الأحيان لمطالب خيالية وغير معقولة من القادة السياسيين.

غير أن الكثير من الأمريكيين، ولا سيما أولئك الذين لديهم الثروة، نعموا بالحماية من عواقب وجود حكومة عرجاء في السلطة. وكان الاقتصاد جيدًا بشكل عام، والأثرياء يشترون تعليمًا ورعاية صحية أفضل من القطاع الخاص.

دولي

منذ شهر
نعوم تشومسكي: ترامب يداه مُخضَّبة بدماء الأمريكيين.. وهذا ما يمنحني الأمل في الجائحة

كوفيد-19 يُعَرِّي ضعف النظام الأمريكي 

يرى المقال أن كوفيد-19 يُعَرِّى نقاط ضعف النظام الأمريكي أمام الجميع، ويبين أن أزمة الحوكمة أسوأ بكثير مما يعتقده أي من الحزبين. ولا يمكن لأحد أن يتهرب تمامًا من تحمل عبء هذه الفاتورة. وما يزيد الطين بلة هو أن بعض الديمقراطيات الأخرى كان أداؤها أفضل بكثير من الولايات المتحدة.

كانت تايوان وكوريا الجنوبية ونيوزيلندا وألمانيا قادرة على إجراء الاختبارات بسرعة وحتى على مستوى جماعي، ويبدو أنها على استعداد لتحويل ذلك إلى برنامج مراقبة واسع النطاق للصحة العامة يسمح باتباع نهج أكثر تركيزًا، وهو ما يسهل بدوره اتخاذ إجراءات اقتصادية أقل قسوة.

في أمريكا، قد يستغرق وصول المساعدة شهورًا، ولن يحدث ذلك حتى يكون الناس قد اكتووا ببطء الإجراءات البيروقراطية وتعقيدها.

وينتقل المقال للحديث عن إجراءات التحفيز، قائلًا: أقدمت الحكومة الكندية، مثلها مثل الحكومة الأمريكية، بتخصيص شيكات مالية لمواطنيها. ولكن على عكس أمريكا، أودعت كندا الشيكات مباشرة وتلقائيًا في حسابات المواطنين في غضون أيام. أما في أمريكا، فقد يستغرق وصول المساعدة شهورًا، ولن يحدث ذلك حتى يكون الناس قد اكتووا ببطء الإجراءات البيروقراطية وتعقيدها.

من المفترض أن يكون الحفاظ على أمن أمريكا أحد الاختصاصات الأساسية للحكومة الاتحادية، سواء كنت جمهوريًا أو ديمقراطيًا. لكن يشعر الكثير من الناس أن الأمر لم يعد كذلك. لذا سيتعين على إدارة بايدن أن تبتكر خطوات دقيقة وبناءة لإعادة بناء ثقة الجمهور، حتى في ظل احتمالية أن تستمر الاستجابة للجائحة في تقسيم الناخبين بين الحزبين.

ويتوقع الكاتب أن يكون سكان الحَضَر، الذين كانوا الأكثر تضررًا بالفيروس حتى الآن، هم الأكثر انفتاحًا على دور الحكومة في محاولة إصلاح الخدمات الاجتماعية وإعادة بناء جاهزية الدولة لمواجهة الجائحة، بينما قد يكون سكان الريف أكثر تركيزًا على الاقتصاد، وأقل تركيزًا على شبكات الأمان الحكومية.

التحدي الثاني: إحياء الاقتصاد الوطني 

ستكون مهمة بايدن الهائلة الثانية هي: إحياء الاقتصاد الوطني. فبحلول يناير (كانون الثاني) 2021، من المحتمل أن تكون الولايات المتحدة قد جربت العديد من المحاولات المالية ومحاولات بنك الاحتياطي الاتحادي غير المسبوقة للحفاظ على النبض الضعيف للاقتصاد الوطني، ولكن نسبة البطالة ستظل مكونة من رقمين، وستظل صناعات بأكملها محطمة.

ومع اقتراب النهاية التي تلوح في الأفق، ستحتاج الحكومة إلى معرفة كيفية تشغيل أكبر عدد ممكن من الشركات مجددًا وإعادة الناس إلى العمل. سيكون هذا الجهد صعبًا في أفضل الأوقات، ولكن من المحتمل أن تكون الجائحة قد غيّرت طبيعة العمل كليًّا في أمريكا.

يؤكد الكاتبان أن إعادة الأمور إلى نصابها لن تكون مهمة سهلة. وصعود العمل عن بعد، وزوال التجزئة، وانعدام اليقين في اقتصاد العمل الحر، والمزيد من التصنيع الآلي، وحتى دور المطاعم، في هذه البيئة الجديدة، سيستغرق بعض الوقت لترتيبه.

هذه الجائحة هي رسالة واضحة للتذكير بأن الملايين من الأمريكيين يفتقرون إلى الحماية الأساسية التي تعتبر من المُسَلَّمات في الديمقراطيات الأخرى.

ويضيف المقال: هذه الجائحة هي رسالة واضحة للتذكير بأن الملايين من الأمريكيين يفتقرون إلى الحماية الأساسية التي تعتبر من المُسَلَّمات في الديمقراطيات الأخرى، مثل: إعانات البطالة والإجازات المرضية والتأمين الصحي.

بعد وقوع الأزمة، عمل الجمهوريون في الكونجرس مع مجلس النواب الذي يسيطر عليه الديمقراطيون لسن العديد من الإصلاحات لملء هذه الفجوات مؤقتًا للناس. ولا شك أن مرونة الجمهوريين الأيديولوجية في عصر ترامب ساعدت في ترتيبهم السريع لشبكة الأمان، ولكن مع وجود بايدن على رأس السلطة، سيعودون بلا شك إلى قلقهم بشأن العجز والإنفاق.

ويجب أن يسعى الرئيس المقبل إلى تكريس ومواصلة وتحسين هذا التجديد للعقد الاجتماعي، مع تعلم الدروس، ليس من أوروبا الغربية، ولكن من آسيا، من تايوان وسنغافورة وكوريا الجنوبية، حيث يوجد القطاع العام الأكثر كفاءة. وسيتعين على بايدن أيضًا إصلاح وتحسين قانون الرعاية عاجلا وبأسعار يمكن تحملها، وهو القانون الذي حاول الجمهوريون تفكيكه على مدى السنوات القليلة الماضية.

Embed from Getty Images

التحدي الثالث: حشد الجهود العالمية لمعالجة العديد من المشاكل

يتابع المقال: التحدي الثالث الذي ينتظر بايدن سيكون على الصعيد الدولي. ذلك أن إدارة ترامب فشلت في قيادة العالم وتنظيمه للاستجابة لكوفيد-19. وأثار ترامب، في بعض الأحيان، نفور الحلفاء عندما أصدر حظر سفر غير منسق، وتنافس معهم للحصول على الموارد الطبية النادرة.

أدى هذا السلوك دون شك إلى تفاقم الأزمة، ولكن التعاون سيكون أكثر أهمية في نهاية الجائحة مما كان عليه في بدايتها. ففي الوقت الحالي، تنشغل جميع الحكومات بأزماتها الوطنية. ولكن في عام 2021، سيتعين معالجة عدد من المشاكل الحاسمة جماعيًا.

لن تحتاج إدارة بايدن فقط إلى لم شمل المجتمع الدولي، ولكن أيضًا، مثل روزفلت وترومان وبوش، إلى توفير رؤية للسير قدمًا.

ويطرح المقال عددًا من الأسئلة التي سيتعين الإجابة عنها: كيف يمكن توزيع اللقاح عالميًا وبتكلفة معقولة، وإيصاله لمن هم في أمس الحاجة إليه؟ كيف يمكن للحكومات أن تعمل معًا لبناء هيكل دولي للمراقبة والاستجابة السريعة، وقاعدة صناعية للإمدادات الطبية الحيوية قابلة للتوسيع بحيث يكون الجميع مستعدين للجائحة التالية؟

وبينما تعيد الحكومات بناء اقتصاداتها الوطنية، وتركز على استعادة صناعاتها المحلية، كيف تفعل ذلك بطريقة تخلق أيضًا اقتصادًا عالميًا صحيًا يعمل لصالح الجميع؟ ومع عودة العالم إلى الانفتاح مرة أخرى، كيف يمكن للدول التعامل مع الأزمات الجيوسياسية التي ستنشأ حتمًا من هذه الفترة؟

لن تحتاج إدارة بايدن فقط إلى لم شمل المجتمع الدولي، ولكن أيضًا، مثل روزفلت وترومان وبوش، إلى توفير رؤية للسير قدمًا. وسيتطلب ذلك إجراءات متساوية على مستوى القيادة والتواضع والمرونة والتصميم، كما يقول توماس رايت.

وعلى عكس حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، عندما كانت أوروبا أنقاضًا، والفوضى تعم آسيا، بينما الوطن الأمريكي لم يُمَسّ والاقتصاد في حالة من الرواج الشديد، من المرجح أن تقود آسيا الانتعاش العالمي هذه المرة، عن طريق الصين الصاعدة والطموحة. وسيشهد العالم الكثير من الأقطاب، ولكنها بالتأكيد ستكون على النمط الآسيوي.

التحدي الرابع: إدارة العلاقة مع الصين

يكمل الكاتب سرد التحديات التي تنتظر بايدن إذا أصبح رئيسًا للولايات المتحدة قائلًا: هذا يؤدي إلى التحدي الأكثر إرباكًا في عالم ما بعد فيروس كورونا، وهو: كيفية إدارة البعد الصيني.

يضيف المقال: حين لم تلتزم الصين بالمصداقية في تعاملها مع كوفيد-19 أدت إلى تفاقم المخاطر المحدقة ببقية العالم، كما أضرت ضغوطها على منظمة الصحة العالمية بمؤسسة دولية حيوية عندما كان الناس في أمس الحاجة إليها، كما أن حربها الدعائية الرامية إلى إلقاء اللوم على الولايات المتحدة ترقى إلى مرتبةِ طلب الِنَزال في منافسةٍ على موقع الدولة العظمى.

وتنطوي هذه الإساءات على مؤشرات للتنافس الاستراتيجي المتزايد، على القيم والمصالح التي تنتشر في الجغرافيا السياسية لآسيا، ليس هذا وفقط ولكنها تتخذ أيضًا أبعادًا عالمية.

المهمة التي تواجه الإدارة المقبلة لن تكون لها سابقة في تاريخ الولايات المتحدة.

على سبيل المثال، تتابع الصين بقوة مطالبها الإقليمية في بحر الصين الجنوبي، وتستخدم قوتها الاقتصادية الكبيرة في إكراه الدول على مجموعة واسعة من القضايا، بما في ذلك وضع تايوان وحقوق الإنسان، ودفع مبادرة الحزام والطريق بطريقة تتجاهل عقودًا من الممارسات المثلى التي جربها البنك الدولي ومؤسسات أخرى.

يتابع المقال: إن المهمة التي تواجه الإدارة المقبلة لن تكون لها سابقة في تاريخنا. صحيح أن الولايات المتحدة كان لديها أعداء صريحين من قبل، وكذلك دول كانت تنخرط معها بشكل عميق ومتشابك، لكن هذه بالتأكيد كانت دائمًا مجموعات منفصلة.

ويرى الكاتبان أن ترامب سيتأرجح بين الضغط على الصين بشأن التجارة واستخدام الخطاب المبالغ فيه لإلقاء اللوم على هذا البلد في انتشار الفيروس، والثناء على شي جين بينغ شخصيًا والتخلي عن أي دور قيادي في المنافسة على القيم.

وسيكون تحدي بايدن هو صياغة علاقة لا تنزلق إلى منافسة استراتيجية شاملة. وسيحتاج إلى حشد تحالف عالمي يوفر للصين الفرص والكوابح، وسيحتاج كذلك إلى تقديم رؤية مقنعة حول كيفية التعاون بشأن المشاكل المشتركة، مثل الاستعداد لمواجهة الجائحة وتغير المناخ.

في الوقت نفسه، سيحتاج التحالف إلى تحويل القدرات العسكرية اللازمة إلى منطقة المحيط الهادئ، وإعادة توجيه القدرات الوطنية التي تركز منذ فترة طويلة على الشرق الأوسط إلى آسيا. لقد بدأت الولايات المتحدة بداية متأخرة، وسلكت العديد من الطرق الالتفافية في طريقها إلى استراتيجية تتمحور حول آسيا، ولكن هذا يبدأ بقوة كبيرة الآن.

ويختتم الكاتبان بالقول: «بالنسبة لبايدن، فإن جدول أعمال ما بعد الجائحة لا يمكن أن يكون عملية ترميم، بل يجب أن يكون إعادة تصميم من الطراز الأول، وجهدًا وطنيًا تضاعف من صعوبته الخزائن الخاوية، وشبكة أمان اجتماعي مهترئة، وبيئة اقتصادية يخيم عليها انعدام اليقين، وجمهور يغامر بالخروج من المنازل لأول مرة منذ عدة أشهر، وتحديًا صعبًا يطل برأسه عبر المحيط الهادئ».

دولي

منذ شهر
كيف تسببت السياسة في تحول كورونا إلى جائحة؟ 4 نماذج تشرح لك

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد