نشر معهد «بروكنجز» الأمريكي مقابلة أجرتها أدريانا بيتا، من مكتب الاتصالات في معهد بروكنجز، مع مايكل أوهانلون، مدير الأبحاث وباحث بارز في دائرة السياسة الخارجية في المعهد، طرحت فيه عدة تساؤلات أثارتها الضربة التي شنتها الولايات المتحدة، بتوجيه من الرئيس الأمريكي جو بايدن ضد الميليشيات المدعومة من إيران في سوريا، حول سياسات الإدارة الأمريكية الجديدة حيال العراق، وسوريا، والمنطقة بأسرها.

ما الهدف من الضربة الأمريكية؟

في بداية المقابلة سألت أدريانا عن الهدف من الغارة الجوية الأمريكية، ولماذا؟ فأجابها أوهانلون قائلًا: استهدفت هذه الضربة الانتقامية ممتلكات وأصول إقليمية تابعة لميليشيات مدعومة إيرانيًا، والتي نعتقد أنها كانت المنفٍّذة للهجوم السابق الذي وقع قبل أيام في كردستان العراق. لذا فإن أول ما يلفت الانتباه هو السبب وراء شن هذه الغارة في سوريا.

دولي

منذ شهرين
مترجم: منها مصر وسوريا.. هذه الدول ستتجاهلها إدارة بايدن في الشرق الأوسط
 

بطبيعة الحال لم تكن الحدود بين العراق وسوريا تحت السيطرة، إذ انخرطت الحكومة السورية في حرب أهلية دامت قرابة عقد من الزمان، واستبشرت جدًا بتعاون إيران معها، وبالتالي أدّى هذا إلى ظهور هذه الأصناف من الميليشيات المدعومة إيرانيًا. ونظرًا لأن إيران هي الخيط المشترك، وأضاف الباحث: فلا ينبغي أن نهتم كثيرًا بشأن موقع الضربة الأمريكية، نظرًا لأن الحكومة السورية لا تبسط سيادتها الكاملة على أراضيها، وتعتمد على تعاونها مع إيران.

أما فيما يتعلق بالأهداف التي ضُربت في الغارة الجوية، فيقول أوهانلون: يبدو أننا – الولايات المتحدة – كنا نبحث عن الإمدادات والأسلحة في محاولة لتقليل خسائر الأرواح. ويضيف: أعتقد أن جهود إدارة بايدن تسعى للجمع بين الحزم والتناسب، بل ربما تهدف إلى تخفيف حدة التصعيد، وأرى أن الضربة استهدفت تحقيق التوازن. 

بالطبع لا تُغير الضربة الأمريكية ميزان القوة على الأرض، بحسب الباحث، لكنها تحدد مؤشرًا مبكرًا لكيفية تفكير بايدن في مثل هذه المشكلة، وهو لا يختلف اختلافًا جذريًا عن الرؤساء الأمريكيين السابقين، فيما يتعلق بحماية الأفراد والأصول الأمريكية. 

التعاون مع العراق

ونظرًا لما أثارته غارة مماثلة نفذتها الولايات المتحدة في عام 2019، ضد الميليشيات المماثلة المدعومة إيرانيًا في هذه المنطقة الحدودية في العراق، من اعتراضات في بغداد على اعتبار أن الغارة الأمريكية تُعد انتهاكًا لسيادة العراق، طرحت أدريانا سؤالا على أوهانلون قائلة: هل وصلت إليك أي معلومات بشأن أي تعاون وثيق مع الحلفاء العراقيين في إقليم كردستان في هذه الغارة الأمريكية، وكيف كان مردود هذه الضربة، وهل أثارت اعتراضات من حلفائنا على الأرض؟

Embed from Getty Images

أثنى أوهانلون أولًا على إثارة هذه النقطة، مجيبًا: نعم، انزعج العراقيون من الغارة التي شنتها الولايات المتحدة في عام 2019، والتي كانت انتقامًا من هجمات مماثلة ضد قواعدنا، وكانت ربما أكثر تهديدًا بقدر ضئيل، وربما كانت غارة 2019 أكبر. لكن الأهم أننا نفذنا الغارة دون أن ننسق مع العراق؛ مما دفع البرلمان العراقي إلى التفكير في مطالبتنا بالتوقف والرحيل الكامل لقواتنا العسكرية. ونظرًا لأن البرلمان لم يكن لديه هذا النوع من السلطة، وكانت رئاسة الحكومة العراقية في حالة تغير مستمر؛ تمكنت الولايات المتحدة من البقاء ولم ترحل قواتها.

وأضاف الباحث: لكن هذه المرة يبدو أننا حاولنا تجنب هذا النوع من المشكلات تمامًا. لذا فإذا كانت الولايات المتحدة قد تشاورت مع العراق، فإن ذلك لم يكن بغرض طلب الإذن لشن الغارة؛ لأننا لسنا بحاجة حقًا إلى إذن بغداد لمهاجمة هدف ما على الأراضي السورية، ولكن ربما يكون هناك نوع مع التعاون الاستخباراتي. وبالتالي لم نمنح العراق الفرصة للاعتراض. وربما كانت إدارة بايدن تحاول كسب بعض الوقت لأنها تتعامل مع العراق وتربطهما علاقات، ولم تكن الإدارة الأمريكية تحاول إصدار حكم مسبق على نوع التعاون الذي سيحدث مع العراق في مثل هذه المواقف. 

موافقة الكونجرس

طرحت أدريانا سؤالًا قائلة: أُثيرت بعض المخاوف، خاصة من النواب الديمقراطيين في الكونجرس، ومخاوف أخرى بشأن استخدام القوة وما إذا كان يجب الحصول على موافقة الكونجرس لشن الغارة. فهل تلقى الكونجرس إحاطة قبل شن الغارة، وما هو تفسيرك للموقع الذي استهدفته الغارة بأمر من السلطة التنفيذية؟

أوضح أوهانلون قائلًا: بوجه عام، أعتقد أن الكونجرس يجب أن يشارك في اتخاذ مثل هذه الأنواع من القرارات. وقد رأيت على سبيل المثال عندما استعمل أوباما القوة ضد القذافي في عام 2011، أن يشارك الكونجرس في هذا القرار. وبالطبع ستستغرق العملية شهورًا عديدة، ولن تكون مجرد مجموعة من الضربات الصغيرة، والتي أعتقد بوضوح أنها ارتقت إلى مستوى حرب مصغرة، كانت بحاجة إلى مشاركة الكونجرس. 

Embed from Getty Images

لكن هذه الحالة أصغر بكثير، وترتبط أكثر بروح الأسلوب السريع للانتقام وليست مطاردة تتخطى الحدود القومية أو دفاعًا استباقيًا عاجلًا عن الذات، لكنها صغيرة بالقدر الكافي في أحد بقاع العالم التي نفذنا فيها عمليات طويلة الأمد ضد تنظيمات «داعش» و«القاعدة»، وحتى الجماعات التابعة لإيران، وهذا بالنسبة لي ليس مستوى يتطلب موافقة منفصلة من الكونجرس. 

وأردف قائلًا: أميلُ إلى الاعتقاد بأن الكونجرس ينبغي أن يتوخى الحذر من التورط في هذا النوع من القرارات. ولعدة أسباب أرى أن هذه الغارة لم تتطلب أن يؤدي الكونجرس دورًا جوهريًا. ومع ذلك، بالنظر إلى الأمام، أعتقد أن إدارة بايدن تدين للكونجرس فيما يتعلق بسياسة الولايات المتحدة تجاه العراق. وربما سنصل بذلك إلى سؤالك التالي. لكنني أعتقد أنه من المهم عدم اعتبار هذه الاستجابة المزعجة سياسة في حد ذاتها، لكنها بالضرورة لكسب بعض الوقت للاتفاق على سياسة يلعب فيها الكونجرس دورًا أكثر أهمية. وأعتقد أن هذا هو ما يرمي بايدن الوصول إليه.

مستقبل الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط

إجابة على تساؤل أدريانا: إلى أي مدى ستؤثر هذه الضربة الانتقامية في مسألة مستقبل الوجود العسكري الأمريكي في العراق والعمل العسكري في المنطقة؟، قال أوهانلون: أولًا وقبل كل شيء أود القول إن العراق لا يزال بحاجة إلى بعض مساعدتنا، حتى لو من خلال قوة عسكرية متواضعة للغاية: 2500 جندي. وقد كان لدينا هناك 175 ألف جندي في بعض الأحيان، لذا فنحن نتحدث عن أقل من 3% من الأرقام التي اعتدنا أن تكون لدينا هناك، بل وأقل مما كان لدينا في العامين الأخيرين من ولاية أوباما، عندما أرسلنا ما يتراوح بين 5 آلاف و6 آلاف جندي أمريكي للمساعدة في الحملة الشاملة ضد «داعش». 

وبالتالي فإن هذا المستوى من القوة العسكرية قابل للاستمرارية، وأعتقد أنه أمر جيد للعراق. وستتيح هذه القوة العسكرية بعض التعاملات اليومية مع العراقيين، وتمنحهم إمكانية الوصول إلى الاستخبارات الأمريكية والعكس، وتزودهم بإمكانية استدعاء القوة الجوية الأمريكية إذا تعرضوا للضغوط، ويوفر للأمريكان طريقة لموازنة دور إيران داخل العراق. 

دولي

منذ 3 شهور
مترجم: كيف سيتعامل بايدن مع السياسة الأمريكية الخارجية تجاه سوريا؟

إن مجرد التواجد والحفاظ على هذه النوع من التعاون والعلاقات مهم جدًا. وأعتقد أن بايدن فعل الشيء الصحيح من خلال عدم تعريض قدرتنا على الحفاظ على هذا الوضع القائم بشن ضربة أمريكية أحادية ربما كانت ستؤدي إلى اعتراض البرلمان العراقي عليها بشدة لو حدثت على الأراضي العراقية.

ولفت أوهانلون إلى أن العراق يُعاني أيضًا من جائحة كوفيد-19، وانخفاض أسعار النفط والركود الاقتصادي المستمر، ولم يزل الكاظمي، رئيس الوزراء العراقي جديدًا نسبيًا. كما يعتقد أنه ينبغي أن تنظر أمريكا في بعض أنواع الإعفاء من الديون أو المساعدة الاقتصادية غير المشروطة بمبلغ معتدل من أجل مساعدة هذه الحكومة العراقية حقًا على تحقيق أي معدل من النمو الاقتصادي، وهي خطوة مهمة لتعزيز موقف البلاد عمومًا في المستقبل. وأعتقد أن هذا يؤدي إلى التقليل من جاذبية التطرف وتأثير إيران.

وفي ظل إبداء الإدارة الأمريكية الجديدة الرغبة في إعطاء الأولوية لصالح مجموعة من الأزمات المحلية والصين وشرق آسيا، وألا يحظى الشرق الأوسط سوى بقدر أقل من التركيز، سألت أدريانا في ختام الحوار عن نهج إدارة بايدن تجاه المنطقة على نطاق أوسع خاصة مع هذه الضربة الانتقامية.  

في هذا الصدد يرى أوهانلون أن هذه الضربة الانتقامية تُنبئ بشيء واحد وهو أن إدارة بايدن لن تنسحب من منطقة الشرق الأوسط. ولا يعتقد أن الإدارة الأمريكية مثالية لدرجة تضييع أسابيع عديدة في محاولة لتحديد الرد العسكري المحدود والملائم. بل توصلت الإدارة الأمريكية إلى القرار سريعًا، وقررت القيام بشيء متناسب ويؤدي حتى إلى تخفيف حدة التصعيد. كما وجدت طريقة للقيام بذلك دون تعكير صفو العلاقة مع بغداد وبدأت في تنفيذها. وأعتقد أن هذا كان جيدًا، ويدل على براجماتية ووعي يقظ لكيفية التعامل مع المنطقة.

«فورين بوليسي»: كيف سيواجه بايدن الانقسام الأيديولوجي في سياسة أمريكا الخارجية؟

ويضيف: كما أود أن أرى التواجد العسكري الأمريكي يتقلص في عدد قليل من الدول، وقد كتبتُ مع بروس ريدل بضع مقالات عن ذلك في معهد بروكنجز. وستدرس هذه الخيارات بلا شك. وقد أجرى مارك إسبر، وزير الدفاع السابق في إدارة ترامب، حديثًا مع معهد بروكنجز هذا الأسبوع، تمنى فيه أيضًا التوفيق للإدارة الأمريكية الجديدة بأن تكون قادرة على اكتشاف مسار لتقليص بعض الوجود في المنطقة الأوسع: ربما في البحرين، أو الكويت، أو قطر، أو في العراق، أو أفغانستان، حيث أعتقد أننا قمنا بالفعل بتقليص تواجدنا بقدر الإمكان. لكن قد يكون صحيحًا أن الوجود العسكري الأمريكي في تلك المنطقة أكبر قليلًا من الضروري.

ويختم أوهانلون بخبر سار هو أن الوجود العسكري الأمريكي أقل من نصف ما كان عليه في ذروة الحرب في العراق وأفغانستان، ولا يزال أقل من 5% من إجمالي القوة العسكرية الأمريكية في الخدمة الفعلية موجودة في تلك المنطقة. لكن لم يزل بإمكاننا الاستفادة من تقليص حجم وجودنا وتقليص دور قواتنا قليلًا في سياستنا العامة في الشرق الأوسط. وهو يتطلع إلى أن يقوم بايدن بإجراء بعض التعديلات الذكية كجزء من مراجعة الموقف العالمي التي يتبناها البنتاجون والحكومة الأمريكية حاليًا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد