نشرت مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية تقريرًا لجوناثان فيرزيجر، الزميل البارز في المجلس الأطلسي، ناقش فيه مآل اتفاقيات التطبيع المعروفة بـ«اتفاقيات أبراهام» في الذكرى السنوية الأولى لها من جانب الإدارة الأمريكية بقيادة بايدن.

استهل الكاتب تقريره بالقول: إن جو بايدن تجاهل تحمُّل مسؤولية إنفاذ اتفاقيات التطبيع، وقدَّم ثناءً متواضعًا ألقاه على مسامع إسرائيل دعمًا لعلاقاتها الجديدة مع خصومها العرب السابقين، وبذلك أسهم الرئيس الأمريكي في جرِّ السلام العربي الإسرائيلي، العقبة السياسية في الشرق الأوسط لدى الحزبين، إلى دائرة السياسات الحزبية.

دولي

منذ 7 شهور
«ستراتفور»: ما مصير اتفاقات التطبيع بين العرب وإسرائيل في عهد بايدن؟

ويصادف الأسبوع المقبل الذكرى السنوية الأولى لاتفاق التطبيع التاريخي بين إسرائيل، والبحرين، والإمارات المتحدة، إلا أن البيت الأبيض ترك الأمر للجمهوريين للاحتفال بهذه المناسبة. وبعد عام واحد من دعوة الرئيس الأمريكي آنذاك دونالد ترامب المسؤولين من هذه الدول الثلاث إلى حفل توقيع الاتفاقية في حديقة البيت الأبيض، يقود فريقه السابق في الشرق الأوسط الاحتفال بإنجازه الدبلوماسي متشبثين بأمل أن يحظوا بموضع قدم في انتخابات 2024.

ومن المؤكد أن بايدن كان لديه مشكلات أكثر إلحاحًا على جدول أعماله، منها الانسحاب السريع من أفغانستان، وعودة جائحة كوفيد-19 والدمار الناجم عن الأعاصير وحرائق الغابات. وهذا الأمر أتاح فرصة لصهر ترامب، جاريد كوشنر، الذي توسط في هذه الاتفاقات بصفته مستشارًا للبيت الأبيض، لإحداث جلبة وتذكير سماسرة السلطة في واشنطن بإنجاز السياسة الخارجية الذي حققته الإدارة السابقة.

«إنجاز» ترامب السياسي

يلفت التقرير إلى أن معهد اتفاقات أبراهام للسلام، الذي أُنشئ حديثًا والذي شارك في تأسيسه كوشنر، يقيم مأدبة غداء بمناسبة الذكرى السنوية للاتفاقيات في فندق «فور سيزونز» في واشنطن في 14 سبتمبر (أيلول)، وستشهد هذه المأدبة حلقة نقاشية بين سفراء الدول الثلاث الموقِّعة على الاتفاقية. وسيشارك المغرب والسودان أيضًا اللذان وقعا أيضًا اتفاقات تطبيع مع إسرائيل. ومع أن حاييم سابان – الملياردير البارز والمانح في الحزب الديمقراطي – قد شارك في تأسيس معهد السلام الذي يهدف ظاهريًّا إلى تعزيز دعم الحزبين للسلام في الشرق الأوسط، إلا أن بصمات ترامب تظهر جلية وواضحة عليه.

Embed from Getty Images

يقول الكاتب: إن ديفيد فريدمان، السفير الأمريكي لدى إسرائيل خلال إدارة ترامب، سيعمل على تعزيز حق ملكية الجمهوريين لهذه الاتفاقيات، وسينظم احتفالًا بالذكرى السنوية للمناسبة في القدس (المحتلة) الشهر المقبل. وأسس الدبلوماسي السابق مؤخرًا مركز «فريدمان لسلام القوة»، وسيقدم جائزته الافتتاحية لوزير الخارجية الأمريكي السابق مايك بومبيو، وسيعرض فيلمًا وثائقيًّا عن اتفاقات التطبيع أُنتج بالاشتراك مع شبكة الثالوث للبث (Trinity Broadcasting network)، أكبر شبكة بث تلفزيوني ذات طابع مسيحي في الولايات المتحدة.

ويبدو أن بومبيو يتأهب ليكون المرشح الجمهوري المحتمل للرئاسة في حال قرر ترامب عدم الترشح، معتمدًا على دوره في تسهيل الاتفاقيات، والذي يعتقد أنه سيحشد له الدعم من المسيحيين الإنجيليين المحبين لإسرائيل الذين يشكلون جزءًا مهمًا من قاعدة الأصوات الجمهورية. 

علاقات تزداد متانة مع إسرائيل

يرى الكاتب أن هناك الكثير مما يستحق الاحتفال؛ إذ كانت هذه الاتفاقيات هي أول «اتفاقيات سلام» توقِّعها دولة عربية مع إسرائيل منذ 26 عامًا. وعلى عكس الفتور في العلاقات والعداء الذي تبِع توقيع اتفاقية السلام مع مصر عام 1979 واتفاقية السلام مع الأردن عام 1994، تعهدت الدول الأربع التي وقَّعت اتفاقيات التطبيع بتطوير علاقات شعبية مع الاحتلال.

وفي حين أن إسرائيل والعديد من دول الخليج تعاونت منذ مدة طويلة سرًّا في مجال الدفاع والاستخبارات، تحتوي القائمة التي جمعتها الإمارات مؤخرًا على 63 نموذجًا من التعاون العام مع إسرائيل خلال العام الأول من السلام وحده. وتشمل إقامة سفارة إماراتية جديدة في تل أبيب، وأبحاث مشتركة عن فيروس كورونا، واتفاق مع صندوق مبادلة للثروة السيادية لشراء حصة بقيمة مليار دولار في منصة غاز متوسطية مملوكة لشركة شيفرون والعديد من شركات الطاقة الإسرائيلية. 

وتزدهر السياحة أيضًا على الرغم من قيود الجائحة؛ إذ شهد العام الماضي زيارة حوالي 200 ألف إسرائيلي للإمارات العربية المتحدة، خاصة دبي، التي تقدم فنادقها الآن خدماتها للمسافرين اليهود بما فيها بوفيهات طعام الكوشير، وتحولت قاعات الاحتفالات إلى معابد يهودية في احتفالات رأس السنة اليهودية هذا الأسبوع. وعندما يُفتتح معرض إكسبو دبي في أكتوبر (تشرين الأول)، ستكون إسرائيل مشاركة في الحدث ضمن 191 دولة بجناح رسمي، في حادثة هي الأولى من نوعها في العالم العربي.

العلاقات الجديدة تثبت متانتها

يشير التقرير إلى أنه من المثير للدهشة أن هذه الاتفاقيات صمدت أمام اختبارها الأول والجاد للغاية؛ إذ استغرق الأمر تسعة أشهر من الوقت الذي أعلن فيه ترامب عن اتفاقيات التطبيع حتى اشتعل غضب الفلسطينيين بسبب عقدها مع إسرائيل. وكانت هذه الاتفاقات واحدة من أسباب التوترات التي اندلعت في القدس الشرقية والمدن الأخرى في جميع أنحاء الأراضي المحتلة قبل اندلاع حرب غزة بـ11 يومًا. ومع أن حماس وفصائل المقاومة المسلحة الأخرى أطلقت أكثر من 4 آلاف صاروخ على إسرائيل، ودمرت الضربات الجوية الإسرائيلية أجزاءً من غزة أثناء صراع مايو (آيار)؛ ما أسفر عن مقتل 260 شخصًا في غزة، و13 آخرين في إسرائيل، لم يقطع أي من الشركاء العرب في الاتفاقات الوليدة العلاقات مع إسرائيل كما كان من الممكن أن يفعلوا في الماضي – بحسب الكاتب.

Embed from Getty Images

وكان هناك العديد من خيبات الأمل أيضًا، كثيرٌ منها أثار مخاوف الإماراتيين؛ إذ علَّقت إدارة بايدن بداية صفقة أسلحة بقيمة 23 مليار دولار التي اتفق عليها الطرفان مع اتفاقيات السلام، وشملت طائرات الشبح المقاتلة إف-35، وطائرات مسيَّرة من طراز إم كيو-9 بي ريبر (MQ-9B Reaper) – جرت الموافقة على إتمام الصفقة أخيرًا في أبريل (نيسان) الماضي.

وتحتج جماعات حماية البيئة على صفقة مع الإمارات تستخدم من خلالها خط أنابيب يعبر إسرائيل ويلتف على قناة السويس بوصفها طريقًا مختصرًا لتصدير النفط إلى البحر الأبيض المتوسط والأسواق في أوروبا وأمريكا الشمالية. ويحاول النقَّاد وقف المشروع؛ لأنه يهدد الشعب المرجانية الحساسة والشواطئ حول ميناء إيلات الواقع على البحر الأحمر، المحطة الجنوبية لخط الأنابيب. كما أنهم قلقون من إعادة سيناريو عام 2014 في صحراء وادي عربة، عندما انفجر خط الأنابيب ولوَّث 1.3 مليون جالون من النفط الخام محمية طبيعية. 

هل يخدم النصر القديم ترامب ويعيده إلى الساحة السياسية؟

أما إذا كان إرث الاتفاقيات سيساعد الجمهوريين كما يأملون، فهذا موضع شك. وفي النهاية لا يمكن لما اعتبره الكاتب نصرًا دبلوماسيًّا ملحميًّا أن ينقذ ترامب، أو رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق بنيامين نتنياهو، من خروجهم من الرئاسة والسلطة. وقد وصف كلاهما الاتفاقات بأنها تحققت نتيجة مهاراتهما السياسية الشخصية، ولكن كان هناك كثير من الأسباب الأخرى التي دفعت الناخبين لرفضهما، ليس أقلها سوء إدارتِهما في الاستجابة للجائِحة في بلدَيْهما. 

وبمجرد توليه منصبه، وعد بايدن بدعم الاتفاقات العربية مع إسرائيل، إلا أن هذا الدعم كان فاترًا في أحسن الأحوال. وقد ألمح في اجتماعه في المكتب البيضاوي في 29 أغسطس (آب) مع رئيس الوزراء الجديد نفتالي بينيت بغموض إلى الاتفاقيات دون أن يبدي أي اقتناع واضح بها. ولكن يرى الكاتب أنه من باب الإنصاف، فقد غطى التفجير الانتحاري في مطار كابول على هذا الاجتماع؛ إذ قُتِل فيه أكثر من 180 شخصًا من بينهم 13 فردًا من أفراد الجيش الأمريكي. وقال مساعدون للصحافيين في وقت لاحق: إن البيت الأبيض كان نشطًا وراء الكواليس لحث المزيد من الدول العربية للتواصل مع إسرائيل.

دولي

منذ شهر
«فورين بوليسي»: تقييم إدارة بايدن في 6 أشهر.. ما مدى نجاح السياسة الخارجية؟
 

وينبع افتقار إدارة بايدن للحماس العلني من عدة عوامل، بما فيها جهوده لإصلاح العلاقات مع الفلسطينيين، لأنها مصدر قلق حقيقي لسياسة الولايات المتحدة وقضية سياسية ذات أهمية متزايدة بين الناشطين الديمقراطيين. كما أن الإدارة الجديدة تسعى إلى تحقيق أجندة أوسع تتضمن تقليل انخراط الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، في حين توسِّع تركيزها على المنافسة الجيوسياسية في آسيا. ويبدو أيضًا أن بايدن لا يشعر بارتياح إزاء إنجاز دبلوماسي ذي صلة بترامب، الرجل الذي يزدريه. ويمتد هذا الأمر إلى الاسم الذي اختاره ترامب «اتفاقيات أبراهام»، والتي يُزعم أن وزارة الخارجية الأمريكية تفضل تسميتها بـ«اتفاقيات التطبيع».

رموز دينية جامعة

يقول الكاتب: إن التخلِّي عن تسمية الاتفاقات باسم اتفاقات أبراهام، وهو الاسم الذي جاء في الإنجيل بمعنى «الأب الرفيع» أو «الأب المكرَّم»، أمر معيب؛ لأن هذا الاسم كان بمثابة دفعة كبيرة لصياغة الاتفاقيات، وسببًا في إزالة جميع الحواجز السياسية والعاطفية التي لطالما فرَّقت الإسرائيليين والعرب. وما استوعبه فريق ترامب وافتقده بايدن هو قوة الرموز الدينية التي تتردد لدى الجانبين في هذه الأراضي القديمة.

وكان اختيار اسم أبراهام محوريًّا في قبول الاتفاقات، لأن هذا النبي يحظى باحترام المسلمين واليهود على حد سواء. وعندما هاجم النقَّاد هذه الاتفاقات باعتبار أنها خيانة للفلسطينيين وتمويهًا لإبرام صفقة أسلحة ضخمة، رد الموقّعون أن الاتفاقية تمثل «مصالحة تاريخية» بين أبناء العمومة القدامى الذين تربطهم جذور ثقافية مشتركة، ويجب أن تكون بمثابة نقطة انطلاق نحو السلام في الشرق الأوسط.

Embed from Getty Images

وقبل تحطيم المحظورات السياسية لإقامة علاقات مفتوحة مع إسرائيل، زرعت الإمارات بالفعل بذور الاتفاقات عبر كشف النقاب عن الجالية اليهودية السرية في البلاد وإحضار البابا فرانسيس للاحتفال بالقداس في أبوظبي، حيث توجد جالية مسيحية كبيرة. وكشفت الدولة الخليجية الغنية بالنفط عن خطط في عام 2019 لبناء مجمع صلاة ضخم في عاصمتها يسمى بيت العائلة الإبراهيمية الذي سيحتوي على مسجد، وكنيسة، وكنيس عند افتتاحه في العام التالي، باعتبار ذلك تبشيرًا بمسار جديد للتصالح بين الأديان. ورأى القادة الإماراتيون أنه سيكون من المفيد أن يصبح اليهود مقبولين أكثر بين مواطني بلدانهم قبل الكشف عن العلاقات الإستراتيجية الوثيقة التي أقامتها الحكومة بالفعل مع إسرائيل، العدو الرئيس للعالم العربي في القسم الأكبر من القرن الماضي. 

ويرى الكاتب أن اللامبالاة التي تعاملت بها إدارة بايدن مع الذكرى السنوية القادمة لاتفاقات التطبيع تعكس أن هذه الإدارة لا تدرك أهمية هذه الاتفاقات ولا تَقْدُرها حق قَدرِها. والسماح لترامب بالاحتفاظ بحق ملكية هذا السبق السياسي في صنع «السلام العربي الإسرائيلي» وعدم العمل بقوة لتوسيع نفوذه خطأ من المؤكد أن الجمهوريين سيستفيدون منه وهم يخططون لعودتهم إلى البيت الأبيض في غضون ثلاث سنوات.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد