كتب جوناثان كروفت، صحافي وكاتب ومحلل متخصص في الشؤون الأوروبية وشؤون الشرق الأوسط، تقريرًا نشره موقع «إشيا تايمز» الإخباري الذي يُعد أكبر منصة إخبارية آسيوية وواحدًا من أهم المواقع الإخبارية في العالم، بشأن المتاعب المائية التي يعاني منها العراق بسبب جيرانه لاسيما إيران وتركيا اللتان تهيمنان على مجاري المياه المتجهة إلى العراق، والصعوبة التي قد تواجهها بغداد مع التغير المناخي وقلة سقوط الأمطار ومُضِي جيرانها قدمًا في بناء السدود.

ويستهل الكاتب تقريره بالقول: لمَّا كان نهران من أشهر الأنهار في العالم يجريان ويتدفقان على أرضه الخصبة، كان العراق معروفًا منذ قرون باسم «الهلال الخصيب» في الشرق الأوسط، وكانت حضاراته الغنية قائمة يرويها ويغذِّيها نهرا دجلة والفرات. ولكن الآن، تضافرت درجات الحرارة المرتفعة والجفاف الطويل وسوء إدارة المياه والسياسات المتصدعة لتهدِّد هذه الأنهار والبلد بكارثة بيئية.

الوضع المائي مروِّع

وينقل الكاتب عن فابريس بالانش، خبير المياه الإقليمي من جامعة «ليون»، قوله لـ«إيشا تايمز»: «الوضع المائي الآن مروِّع حقًا في جميع أنحاء العراق. والتلوث وهدر الماء وقلة التدفق وقلة الأمطار، كلها عوامل مؤثرة الآن».

مواقع صديقة

منذ سنة واحدة
ماذا قالت بريطانيا عن أزمة مصر المائية قبل 3 عقود؟

وأدَّى بناء تركيا وإيران للسدود أعلى المصب إلى قطع إمدادات المياه في هذين النهرين الحيويين وروافدهما، بينما أعطى ذلك لأنقرة وطهران أيضًا سلطة كبيرة على جارتهما العراق. وفي الوقت نفسه، تؤدي السيطرة على ما تبقى من المياه إلى تأجيج التوترات المحلية في العراق، مع تحوِّل تركيز الجماعات المسلحة على نحو متزايد إلى السدود والخزانات المحلية.

يقول إبراهيم المرعشي، وهو خبير في شؤون العراق من جامعة «جنوب كاليفورنيا» بسان ماركوس، لـ«إيشا تايمز»: «كنا نعتقد في الماضي أن الدول تخوض الحروب مع غيرها من الدول بسبب المياه. لكن الآن، الأمر يتعلق أكثر بالنزاع على المياه داخل البلدان نفسها – سوريون ضد سوريين وعراقيون ضد عراقيين».

ومع ذلك، تظل مشكلة المياه أيضًا دون معالجة إلى حد كبير من جانب حكومة الدولة التي تعاني من المشكلة؛ إذ يخشى كثيرون الآن أنه مع تصاعد تغيُّر المناخ، قد ينسحب بساط الوقت سريعًا من بين أيدي «الهلال الخصيب».

يوضح الكاتب أن نهر دجلة البالغ طوله 3 آلاف كيلومتر والفرات البالغ طوله 1,900 كيلومتر يبدآن في جبال جنوب تركيا، قبل أن ينطلقا في رحلة تنتهي في جنوب العراق، حيث يتتحدان عند القرنة ليشكِّلا شط العرب ويصبَّان في الخليج العربي. ويتدفق كلا النهرين عبر تركيا وسوريا والعراق، على الرغم من أن نهر دجلة يمر لمسافة قصيرة بالحدود السورية شمال غرب الموصل. ويتدفق عدد من المجاري المائية الرئيسة إلى العراق من إيران إلى الشرق.

Embed from Getty Images

كل هذا يشير إلى أن «أكثر من 90% من مياه العراق تأتي من خارج البلاد»، كما يقول بالانش.

مشروع جاب

لكن في تسعينيات القرن الماضي، بدأت تركيا في بناء سلسلة من السدود عبر نهري دجلة والفرات، عُرِفت باسم مشروع جنوب شرق الأناضول جاب (GAP). وبوجه عام، وُضِعت خطط لبناء 22 سدًا في إطار هذا المشروع، وجرى الانتهاء من 16 سدًا منها حتى الآن. ويمضي الكاتب إلى أن المياه من مشروع جاب ضاعفت حتى الآن كمية الأراضي الزراعية المروية في تركيا، وفقًا لأرقام المشروع الخاصة، مع زيادة إنتاج محاصيل القطن والحبوب الكثيفة الاستهلاك للمياه.

وبَنَت سوريا أيضًا سدودًا على نهر الفرات، حيث يوفر سدَّا تشرين والطبقة مياه الشرب والري، فضلًا عن إنتاج الكهرباء.

وفي عام 1987، وافقت تركيا على إمداد سوريا بمعدل 500 متر مكعب في الثانية من المياه عبر نهر الفرات، ووافقت دمشق لاحقًا على تزويد العراق بنسبة 58% من هذه المياه. ويزوَّد نهر دجلة أيضًا بالمياه من إيران، إلى الشرق، عبر عدد من الأنهار. وفي الواقع، يذهب نحو ثلثي المياه التي تنطلق من الجمهورية الإسلامية إلى العراق. ومع استمرار تدفق كثير من المياه، استمر العراق لسنوات عديدة في التمتع بالثراء المائي النسبي قياسًا بباقي المنطقة.

ومع ذلك، كما يقول بلانش «عندما يكون لديك ما يكفي من الأمطار، كما كان الحال في العقود السابقة، فإن كل هذا يعمل جيدًا. والمشكلة الآن أنك ليس لديك ما يكفي». وشهدت السنوات الأخيرة انخفاضًا كبيرًا في هطول الأمطار في جنوب شرق تركيا وإيران، حيث توقع العلماء أن يكون التغير المناخي أسوأ في المستقبل.

التغير المناخي يؤثر في حجم الأمطار

ويوضح الكاتب أن السنوات الأخيرة شهدت انخفاضًا كبيرًا في هطول الأمطار في جنوب شرق تركيا وإيران، إذ يتوقع العلماء أن يكون التغير المناخي أسوأ في المستقبل. وأظهر تقرير لمنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو) لعام 2012 أن تدفق المياه في نهري دجلة والفرات انخفض بالفعل بنسبة 60% في العقدين الماضيين. ويضيف بالانش: «في جميع أنحاء الشرق الأوسط، سنرى انخفاضًا في هطول الأمطار بنسبة حوالي 40% بحلول 2040-2050، ولذلك، ستنخفض كمية المياه التي تدخل النظام، بينما سيستمر عدد السكان والطلب في الارتفاع».

Embed from Getty Images

كما تتخذ إيران خطوات للحفاظ على المزيد من المياه في أراضيها، حيث جرى بناء 16 سدًّا على نهر سيروان وحده في السنوات الأخيرة. كما تخطط وزارة المياه الإيرانية لبناء 109 سدود أخرى بحلول نهاية العام الجاري، خاصةً على الأنهار التي تتدفق إلى العراق.

إهدار المياه في العراق

في الوقت نفسه، هناك قدر هائل من هدر المياه في العراق. وفي الجزء الجنوبي من البلاد على وجه الخصوص، تشمل طرق الري التي تعود إلى آلاف السنين غَمْر الحقول – وهي طريقة أدانَتها منظمة الأغذية والزراعة لإهدار حوالي 85% من المياه المستخدمة.

ويُعد التبخر في حرارة الصيف الشديدة أحد أسباب ذلك، حيث يؤدي الري بالغَمْر أيضًا إلى ترك الأرض مغطاة بالملح، مع تبدد الماء تدريجيًّا. وبعد الحصاد، يجب «غسل» الحقول بمزيد من الماء للتخلص من هذا الملح. ثم تتدفق مياه «الغسيل» هذه عائدة إلى الأنهار، مما يزيد من نسبة الملوحة.

وعندما يضاف تلوث النهر بعد ذلك – أنظمة الصرف الصحي في جميع أنحاء العراق معطلة أو مدمَّرة إلى حد كبير – «بحلول الوقت الذي تصل فيه إلى جنوب العراق، يكون كثير من مياه النهر غير صالح للاستعمال»، وفقًا لما يقوله بالانش.

حروب المياه والضغوط السياسية

يقول المرعشي، ومع تشغيل سدودها على نهري دجلة والفرات، «أصبحت تركيا الآن قوة مهيمنة على المياه». وأنقرة أيضًا لا تخشى استخدام هذا الوضع. وفي شهر مايو (آيار)، في سوريا المجاورة، ادَّعى مسؤولون من الجماعة التي يغلب عليها الأكراد العِرقيون والتي تسيطر على جزء كبير من الحدود السورية التركية الحالية أن تدفق المياه عبر نهر الفرات جرى تقليصه إلى 200 متر مكعب/ثانية فقط.

وقال بدران شيا كرد، نائب الرئيس التنفيذي للمنطقة، للإذاعة الكردية المحلية في 4 مايو، إن: «هذا نهج حصار من جانب الحكومة التركية لتقويض سلطتنا والإضرار بمنطقتنا».

وتعارض تركيا تمامًا السيطرة الكردية على هذه المنطقة، وترى أن المقاتلين المحليين مرتبطون بالانفصاليين الأكراد العِرقيين التابعين لها – حزب العمال الكردستاني – الذي ينشط منذ مدة طويلة في منطقة مشروع جاب.

كما أن سيطرة إيران على نهري سيروان والزاب الصغير تمنحها أيضًا نفوذًا كبيرًا على شمال العراق الذي يسيطر عليه الأكراد، حيث تشعر طهران بالقلق منذ مدة طويلة بشأن تأثير هذه المنطقة في سكانها الأكراد. وانتهزت الجهات الفاعلة غير الحكومية أيضًا الفرص لاستخدام المياه لممارسة السلطة.

Embed from Getty Images

يقول المرعشي: «الدولة الإسلامية (داعش) هي أفضل مثال على ذلك».

وفي عام 2014، عندما اجتاحت داعش العراق، استولت على سد الموصل؛ وهو سد عراقي كبير على نهر دجلة.

الصراع المحلي للوصول إلى المياه

يقول المرعشي: «يمكنهم استخدام هذا لحرمان أعدائهم من استخدام المياه. ويمكنهم أيضًا أن يهدِّدوا بإطلاق فيضان مدمر في اتجاه مجرى النهر من خلال تدمير السد. وهذا مثال جيد على «الإرهاب المائي»؛ وهو نوع من الصراع المحلي للوصول إلى المياه والذي قد نبدأ في رؤية كثير منه».

ويمكن أن يؤدي قطع المياه أيضًا إلى نزوح السكان ودفعهم للخروج من المناطق القاحلة.

يقول رحمن خاني، مدير سد دربنديخان الذي ينضب الماء خلفه بسرعة في شمال العراق، للصحافيين في مايو (آيار) 2020، إن السدود الإيرانية، على سبيل المثال، «ستجبر الناس على الهجرة إلى أماكن أخرى».

ويعتمد حوالي مليوني شخص على الأنهار المتدفقة من إيران إلى شمال العراق الذي يسيطر عليه الأكراد.

ويختتم الكاتب مقاله بمقولة بالانش عن حتمية وقوع الصراع على المياه: «سيأتي الصراع لا محالة. وكان الحق في الماء على الدوام للأقوى، والعراق في الوقت الحالي، ليس دولة قوية».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد