«بريكسيت» أو خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي هدف تسعى له شخصيات وأحزاب كثيرة منذ أصبحت المملكة عضوًا في الاتحاد. مؤخرًا شارك الشعب البريطاني في استفتاء يحدد بقاء بريطانيا في الاتحاد أو خروجها منه، جاءت نتيجة الاستفتاء مؤيدة للخروج من الاتحاد. في تقرير لـ «فوكس» يحاول «برايان رنسيك» رصد الاختلاف بين التصويت في الأجيال المختلفة.

بتحليل نتائج التصويت، يتضح أن شريحة الشباب كانت داعمة للبقاء ضمن الاتحاد الأوروبي، لكن الآباء والأجداد كان لهم رأي مختلف. لهذا كانت نتيجة صادمة لصغار السن في المملكة المتحدة.

يقول «جاك لينارد» طالب بريطاني في مقالة إلى فوكس: «خروج بريطانيا هو صفعة من الأجيال القديمة على وجه الشباب من أمثالي، على الرغم من أن الشباب سيتحملون نتائج هذا القرار لمدة تبلغ 69 عامًا في المتوسط، لكن القرار اتخذ لهم من قبل أشخاص سيعيشون مع توابعه مدة متوسطها 16 عامًا فقط».

تحاول استطلاعات الرأي فهم الأسباب التي جعلت الكثيرين يصوتون لصالح خروج بريطانيا، إنها أسباب كثيرة ومعقدة. يعتقد محللون أن الأمر مزيج من العاطفة الوطنية ورغبة في استقلال القرارات وقلق متزايد من تدفق المهاجرين، أيضًا ثمة من تأثروا بخطابات حماسية أو معلومات مغلوطة زودهم بها السياسيون.

لكن هل يمكن للطالب «لينارد» الغاضب الآن أن يكون أكثر تقبلًا لقرار كهذا مستقبلًا؟ علم الاجتماع يخبرنا أن الناس يصبحون أكثر ميلًا للأفكار المحافظة عندما يكبرون في السن. إذًا ثمة سؤال كبير ومزعج تطرحه نتيجة استفتاء بريكسيت علينا: «هل قدرنا جميعًا أن نصبح يومًا متعصبين، وأن نكون ظلالًا شرسة لأنفسنا السابقة؟».

لماذا الأشخاص الأكبر سنًا أكثر تحفظًا؟

كيف يؤثر السن في الانحيازات السياسية؟ المصدر: Pew Research Center

المشكلة في الإجابة عن هذا السؤال أنه من الصعب أن يتم فصل تأثير الولادة في زمن بعينه عن تأثير السن. للأسف ليس هناك أي دراسة تتبع التفضيلات السياسية لخمسة عقود. لكن العلماء وجدوا أدلة تشير إلى أن العاملين كليهما مؤثران في الانحيازات السياسية.

ليس ثمة شك أن العصر الذي يولد المرء فيه له تأثير كبير على تشكيل نظرته للعالم. الأمريكيون الذين ولدوا في العشرينيات من القرن الماضي، نشأوا في أجواء كان التمييز والعنصرية فيها متفشيين، وزواج المثليين من المحرمات. بينما أولئك الذين ولدوا في التسعينيات من نفس القرن لديهم رؤية مختلفة تمامًا. تقترح بعض الدراسات أن الأحداث العالمية التي تحدث قرب سن الثامنة عشر من عمر المرء لها التأثير الأكبر على قراراته في أي تصويت مستقبلي.

إذًا، ماهي الأدله التي تشير إلى تأثير السن على نظرتنا للأحداث العالمية؟

أحد الأدلة يأتي من أبحاث تحليل الشخصية. تعتبر شخصية المرء مستقرة بشكل عام على مدار عمره، أجريت دراسة عام 2011 على 20 ألف ألماني، كانت النتائج مثيرة. الألمان الأكبر في السن أظهروا درجات أقل من الرغبة في الانفتاح على تجارب جديدة.

هذا مهم لأن الانفتاح على وجه الخصوص يميل لأن يكسب صاحبه مواقف ليبرالية طبقًا لـ «برينت دونيلان» وهو سيكولوجي بجامعة تكساس ومن القائمين على الدراسة. يؤكد برينت أن تأثير السن كان ضعيفًا، يقول: «إذا كنت ليبراليًا عند سن الأربعين، ستكون في الأغلب ليبراليًا أيضًا عند سن الستين. قد ينخفض مستوى ما هو مطلق عندك قليلًا، ستظل أكثر ليبرالية من أقرانك في نفس السن، لكن أقل ليبرالية من شباب في الخامسة والعشرين».

الدراسة الألمانية كانت لقطة واحدة عند زمنين مختلفين وليس مجهودًا طويل الأجل. لذلك لا تستطيع الدراسة أن تجزم أن تقدم السن يؤثر في انفتاح الشخص. لكن دراسة أخرى وجدت أن تقدم السن يؤثر بالشكل نفسه في دول مختلفة، مما يرجع أن النظرية أقرب للواقع. عام ٢٠٠٩ قارنت دراسة بين السن والميول السياسية والشخصية في بلجيكا وبولندا (بلدان يختلف تاريخهما كثيرًا بعد الحرب العالمية الثانية) ووجدت نفس النمط متحققًا.

قد يكون أحد أسباب هذا التغير أنه مع التقدم في السن تزيد حاجة المرء لتقليل الشك والغموض في حياته قدر الإمكان، مما يجعله أكثر ميلًا للانغلاق. ثمة أمر هام يجب ذكره هنا، كون الأشخاص الأكبر سنًا يميلون نحو التحفظ لا يعني مطلقًا أنهم غير قادرين على تبني وجهات نظر ليبرالية.

عام ٢٠٠٧ قارنت ورقة بحثية بيانات ٢٥ استقصاءً مختلفًا عن السلوكيات الاجتماعية بين عامي ١٩٧٢ و ٢٠٠٤. طرح البحث على المشاركين عبارات تتعلق بالتسامح الاجتماعي، مثل: «هل يجب على المرأة أن تهتم بالمنزل وتترك تسيير أمور الدولة للرجال»، أو «البيض من حقهم أن يطردوا السود من أحيائهم إذا أرادوا، وعلى السود احترام ذلك». بدراسة الردود وجد الباحثون أن الأجيال الأقدم أظهرت تسامحًا أكبر مقارنة بردودهم في عصور سابقة.

هل الأشخاص الأكبر سنًا عرضة للتعصب أكثر ممن هم أصغر سنًا؟

«بيل فون هيبل» سيكولوجي في جامعة كوينزلاند في أستراليا، وجد نمطًا مثيرًا في تجاربه ودراساته عن العمر والآراء المتحيزة. طبقًا لفون هيبل فإن البالغين الأكبر سنًا عادة يريدون أن يصبحوا عادلين ويكبحوا جماح الأفكار المتحيزة. لكنهم في الواقع لا يستطيعون التحكم بأنفسهم. الشيء الذي يشتبه فيه «فون هيبل» هو أن ذلك ناتج عن تدهور خلايا المخ مع تقدم السن.

يقول فون هيبل: «أبحاث كثيرة أظهرت أن البالغين الأكبر سنًا يعانون فقدانًا في قدرتهم على منع الأفكار غير المرغوب فيها». وجدت دراسته أن الأشخاص الأكبر سنًا الذين يحاولون منع الأفكار النمطية بداخلهم من التأثير على حكمهم على الأشخاص، يبدأون بالاعتماد على هذه الأفكار أكثر فأكثر مع التقدم في السن. إذًا يميل السن إلى جعل الأشخاص أقل تقبلًا للمهاجرين. الفكرة هي أن البشر محاطون بالأفكار النمطية طوال الوقت، يستطيعون تمييزها فيهم حتى لو كانوا لا يؤمنون بها. لكن هذه الأفكار يتم تفعيلها أوتوماتيكيًا سواء أرادها المرء أم لا.

يستهلك إسكات هذه الأنماط الكثير من الجهد الذهني، ليستطيع المرء أن يعتبر الأشخاص جميعًا سواسية، لكن مع التقدم في السن وضعف قدرات العقل، قد لا يتمكن المرء من فعل هذا. فون هيبل يشرح هذا بعدة تجارب، ليجد أن الأكبر سنا يظهرون مستوى أعلى من التحيز العنصري في الاختبارات. الأكبر سنًّا أكثر قدرة على تذكر الأفكار النمطية.

يعتقد الكاتب أن هذه النظريات لا يمكن لها أن تشرح تصويت الانفصال بشكل كامل، لكنه يعتقد أيضًا أنها تساعد في شرح أنه مع تقدم المرء في السن، يصبح أكثر قبولًا للأفكار السياسية التي تمنح المصوتين وهم السيطرة وشعورًا بزيادة اليقين. تصويت الانفصال كان استفتاءً على حرية الإرادة للمملكة المتحدة لتأخذ قراراتها بعيدًا عن اختصاصات الاتحاد الأوروبي. وهو أمر يشبع الحاجة إلى الانغلاق.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد