يُعَدُّ بيل جيتس واحدًا من أهم الشخصيات العالمية في القرن الحالي، بسبب إمبراطورية مايكروسوفت التي أسَّسها عام 1975، واكتشافاته في مجال التكنولوجيا، وأعماله الخيرية التي أحدثت تغييرًا هائلًا في عالمنا المُعاصر.

وفي هذا الصدد، نشرت صحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية تقريرًا عن مهارات بيل جيتس الاستثنائية في القيادة.

أوضحت الصحيفة أنَّ جيتس، الذي حوَّل شركة مايكروسوفت إلى أكبر الشركات قيمةً في العالم، يتمتَّع بتمرُّسٍ مُماثلٍ حين يتعلَّق الأمر بمسيرته المهنية الثانية في العمل الخيري. إذ تحوَّلت مؤسسة «بيل وميليندا جيتس» الخيرية إلى واحدةٍ من أكبر المؤسسات المانحة في العالم منذ إنشائها عام 2000 بمنحٍ تُقدَّر بنحو 50 مليار دولار، وأصبحت تُوزِّع خمس مليارات دولار سنويًا تقريبًا.

10 أشياء لا تعلمها عن بيل جيتس

الدروس المستفادة من مسيرةٍ مهنيةٍ حافلة

أفادت الصحيفة البريطانية أنَّ جيتس، الذي يبلغ من العمر 63 عامًا، في خِضَم حديثه عن الدروس المستفادة من تلك المسيرة المهنية، أكَّد على أهمية البيانات والأنظمة وتحميل الناس المسؤولية في سعيه لتحفيز صُنَّاع السياسة لمواجهة المُشكلات العالمية. إذ قال: «كُنَّا ساذجين للغاية قبل 10 سنوات. وكُنَّا نأمل أن نستثمر ونُطوِّر تقنياتٍ جديدةٍ يحتفي بها العالم، ثم نكتشف كيفية إدخالها إلى [المجال]».

ووصف جيتس نفسه بأنَّه من أشد المؤمنين بقوة التقنيات المُبتكرة في إنقاذ وتعزيز الحياة البشرية. فهو يستثمر بكثافة في العلم من أجل تطوير اللقاحات، وهو الأمر الذي أشار له بوصفه أكثر المجالات التي أحدث تأثيرًا فيها.

وأوضحت الصحيفة أنَّ جيتس كان عليه أن يُركِّز تركيزًا أكبر على الإدارة والسياسات والأنظمة الصحية، في ظل تبنِّيه مجال اللقاحات الراكد، وسط جهوده لضمان وصول المنتجات الجديدة لأكبر عددٍ من المستخدمين. واستشهد بتمرُّسه في السعي للقضاء على مرض شلل الأطفال داخل آخر معاقله كما في نيجيريا، أحد البرامج الرئيسية لمؤسسته في مجال الصحة العالمية.

ويقول: «نقوم بدراسة أنظمة التوصيل وسلسلة التوريد والمقاييس. لدينا لوحة معلوماتٍ تتضمن آخر البيانات. وأُجري مؤتمرًا باستخدام تقنية الفيديو مع مُحافظي الولايات النيجيرية عدة مراتٍ في السنة. لقد حوَّلناه إلى مجالٍ يخضع لمتابعةٍ لصيقة».

أهمية التخطيط للتقدُّم

على نطاقٍ أوسع، أكَّد جيتس على قيمة البيانات في دعم تفاؤله بشأن التقدُّم البشري، وفقًا لما أوردته الصحيفة. وكشف في الخريف الماضي عن تقريره السنوي الثاني تحت عنوان «حُرَّاس المرمى»، والذي يُلخِّص، باستخدام الرسوم البيانية، التقدُّم الحالي تجاه أهم أهداف التنمية المستدامة للأمم المُتحدة، من أجل الحد من اعتلال الصحة والفقر وانخفاض مستويات التعليم.

وترى الصحيفة البريطانية أنَّه من غير الممكن ربط كل تلك التطوُّرات مُباشرةً بأنشطة مؤسسته، لكنَّ جيتس يرى أهمية التخطيط لتلك المبادرات بالنسبة لدوره القيادي في حشد القادة السياسيين والمانحين.

قال جيتس: «نرغب في الاجتماع سنويًا والتطرُّق لبعض الأهداف … والحديث عن ما ينقُص العالم، وعن الدول التي تُؤدِّي أداءً جيدًا وتحتفظ ببعض الطاقة التي تكفي لتنفيذ الاستثمارات الصحيحة».

وركَّز جيتس تحديدًا على أفريقيا، حيث من المتوقع أن يتضاعف التعداد السكاني بحلول عام 2050 بحسب تقرير الصحيفة. لهذا فإنَّ مؤسسته، التي تضُم أكثر من 1500 موظفٍ داخل مقرها الرئيسي بسياتل، خففت من سيطرتها المركزية، ووسَّعت مكاتبها الإقليمية في بلادٍ مثل جنوب أفريقيا.

وأضاف: «شهد العالم تقدُّمًا ملحوظًا ضد الفقر على مدار الأعوام الثلاثين الأخيرة. ومن المهم للغاية أن تأخذ بعين الاعتبار ما سيحدُث مستقبلًا … في منطقة جنوب الصحراء الكبرى بأفريقيا، سواءٌ نظرت إلى الأمر من ناحية جودة حياة السُكَّان الفقراء أو من ناحية الرخاء العالمي».

وأوردت الصحيفة أنَّ اهتمام مشروع «حُراس المرمى» يتركَّز على التواصل مع الزعماء السياسيين والإشادة بإنجازاتهم في تحقيق التأثير. وأضاف جيتس: «من الضروري أن نُسلِّط الضوء على التقدُّم. فالنجاح يُحفِّز الناس. وحقيقة نجاح العالم في خفض عدد وفيات الأطفال إلى النصف في غضون 20 عامًا فقط، هي حقيقةٌ تُثير حماس الناس وتدفعهم للتفكير في ما يُمكِن إنجازه مستقبلًا».

واستطرد: «ليس من السهل على القادة أن يمنحوا الأولوية للاستثمارات التي لا تُوفِّر عائداتٍ فورية. لا أحد يفوز بالانتخابات نتيجة تقوية أنظمة اللقاحات، رغم أنَّ أنظمة اللقاحات القوية هي دليلٌ على وجود مجتمعٍ صحيٍ مُنتج. ويتطلَّب الاعتراف بأهمية الصحة والتنمية شجاعةً كُبرى، ناهيك عن وضعها على رأس قائمة الأولويات. ويتطلَّب الأمر أيضًا التزامًا بتتبُّع التقدم منهجيًا، وإجراء تعديلاتٍ حين تقول البيانات إنك لم تبلُغ أهدافك».

جيتس ومهارات قيادة استثنائية

ذكرت «فايننشال تايمز» أنَّ الأشخاص الذين عقدوا اجتماعاتٍ مع جيتس على مدار سنواتٍ قالوا إنَّه يستطيع أن يكون قائدًا قاسيًا ومُعنِّفًا للمشاركين. وعلَّق جيتس على ذلك قائلًا: «لقد نضجت بكل تأكيد مقارنةً بأيامي في مايكروسوفت، حين كنت أتجنب قضاء عطلات نهاية الأسبوع أو السفر في عطلاتٍ سنوية. لكنَّني أعتقد أن عائلتي ساعدتني في هذا الصدد. ما أزال مُتحمِّسًا لعملي، فضلًا عن أنَّ المبادئ الأساسية التي أؤمن بها في قيادة أي مُنظمةٍ ما تزال على حالها».

وأضاف: «أُحاول أن أكون واضحًا بشأن مهمتنا، وأن أُكوِّن فريقًا قويًا، وأن أستعين بالشركاء في حل المشكلات الكُبرى. لقد كنت محظوظًا في مسيرتي المهنية لأنَّني حظيت بوظيفتين رائعتين تمكُّنت بفضلهما أن أعمل على قضايا مُهمة مع أشخاصٍ أذكياء وموهوبين. وهذه هي أفضل وصفةٍ تدفع الإنسان لأن يُحب الذهاب إلى عمله».

وحين وجَّهت الصحيفة البريطانية سؤالها لجيتس عن الوظيفة التي كان سيشغلها لو لم يكُن رئيسًا تنفيذيًا أو قائدًا، أجاب قائلًا: «كنتُ سأُصبح باحثًا في مجال الذكاء الاصطناعي على الأرجح. كُنتُ قلقًا حين بدأت العمل في مايكروسوفت أن تفوتني فرصة المشاركة في العمل الرئيسي بذلك المجال».

وأكَّد جيتس على أهمية تحديد الأولويات بحسب الصحيفة. إذ ركَّز جهود أعماله الخيرية أول الأمر من أجل القضاء على مُشكلات الصحة العالمية والتعليم المحلي داخل الولايات المتحدة. وبدأ منذ ذلك الوقت في تنويع نشاطاته بإضافة الزراعة، والإدماج المالي، فضلًا عن البدء مُؤخرًا في استكشاف التعليم الدولي.

وأفادت الصحيفة البريطانية بأنَّ جيتس خرج عن تركيزه الرئيسي على التصدِّي للأمراض المُعدية، مثل فيروس العوز المناعي البشري (HIV) والسل والملاريا، حين قدَّم مُساهماتٍ شخصيةٍ لأبحاث مرض ألزهايمر، إثر تشخيص والده مُؤخرًا بذلك المرض.

ويقول جيتس: «نحن لا نُشيِّد الطُرق. تنحصر مجالات خبرتنا الرئيسية في الصحة والزراعة. كان تركيزنا الأساسي مُنصبًا على الصحة العالمية والتعليم الأمريكي. وقُمنا بعملٍ رائعٍ في مجال الصحة العالمية، ونشعر بأنَّنا أحدثنا تأثيرًا أكبر من المتوقع».

وأوردت الصحيفة أنَّ التأثير الذي حققه في مجال التعليم كان مُخيِّبًا للآمال حتى يومنا هذا، وما يزال جيتس يبحث عن طُرقٍ لإحداث تأثيرٍ أكبر. إذ أضاف: «التحدي الذي سيُواجهك [في التعليم] هو الارتقاء بمستوى التعليم. لا شك أنَّك ستنجح في مساعدة مدرسةٍ ما على التطوُّر، لكنَّ إحداث تغييرٍ على الأرقام الإجمالية بشأن تصنيف الولايات المتحدة في ما يتعلَّق بالرياضيات والقراءة والكتابة ستظل أمورًا عالقة».

ووسَّع جيتس أنشطته خارج المؤسسة من خلال مكتبه الخاص للاستثمارات، في حين أنشأت ميليندا مكتبها الخاص أيضًا. لكنَّه يُؤكِّد أن التزامه المُتواصل وتركيزه الرئيسي ينصبُّ على أعمال المؤسسة، ويقول: «الأمر الوحيد … والأكثر أهمية خارج [المؤسسة] هو الابتكار في مجال الطاقة، من أجل توفير طاقةٍ رخيصةٍ وتجنُّب التغيُّر المناخي. ولأنَّ الأمر مُرتبطٌ بالشركات الخاصة … يجب أن يُطبَّق بواسطة الاستثمارات الخاصة».

وذكرت الصحيفة أنَّه حين سُئِلَ جيتس عن النماذج القيادية التي يحتذي بها، أشار إلى أنَّه يقتدي بنيلسون مانديلا في «شجاعته الأخلاقية»، ووالده في حكمته، ووارن بافيت، الملياردير المُستثمر وأحد داعمي المؤسسة، بوصفه «شخصًا أتطلع إليه في طريقة تفكيره بشأن الأعمال التجارية والاستمتاع بالحياة».

وتحدَّث جيتس لـ«فايننشال تايمز» عن أهم الدروس التي تعلَّمها بشأن القيادة، قائلًا: «كانت شركة إنتل واحدة من أوائل عملاء مايكروسوفت، ولذا كنتُ محظوظًا بالعمل مع أندرو جروف، الرئيس التنفيذي السابق ورئيس مجلس إدارة شركة إنتل. وكان من مُعتنقي فكرة الإدارة بالأهداف، وعلَّمني أهمية وضع أهدافٍ ملموسةٍ وقابلةٍ للقياس. لم يكُن هذا أول دروسي بشأن القيادة، لكنَّه كان واحدًا من أهمها».

مترجم: 50 كتابا يرشحها لك إيلون ماسك وبيل جيتس وعمالقة التقنية

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات