في الأشهر التي سبقت وفاته في مايو 2011، كانت خطط أسامة بن لادن الأخيرة تتأرجح بين الهدنة مع باكستان والتحالفات الانتهازية مع التنظيمات الجهادية التي بزغ نجمها في أعقاب الربيع العربي. كان ذلك من شأنه أن يمنح الفرصة لابن لادن للتركيز على ما وصفه بـ«توازن الرعب» مع العدو الرئيسي الولايات المتحدة.

صورة بن لادن الحذرة والماكرة، والذي كان يدير «لعبة إرهابية كبيرة» من مخبئه السري في أبوت باد بباكستان، كُشف عنها النقاب منذ أشهر قليلة عندما أفرجت الولايات المتحدة عن ثماني وثائق سرية. وكانت الولايات المتحدة كشفت عن تلك الوثائق لدعم قضيتها ضد مواطن باكستاني يدعى عابد نصير كان قد تم اتهامه بالمشاركة في مؤامرة لتفجير مترو الأنفاق في نيويورك.

الوثائق الجديدة أظهرت أن بن لادن كان يدرك الفرص التي قدمتها ثورات الربيع العربي لتنظيم القاعدة، وسعيه الحثيث لاستغلال تلك الفرص. وبينما عانت قيادة القاعدة من الهجمات الأمريكية بطائرات بدون طيار، فإن التنظيم كانت لديه طموحات كبرى، حتى في الوقت الذي كان فيه المسئولون الأمريكيون يقولون بأن القاعدة تترنح.

تعكس الوثائق ملامح لشخصية بن لادن في ذلك الوقت التي تتبدى في تقديم الأفكار الإستراتيجية الكبيرة، والتدخل في القرارات المتعلقة بالتفاصيل الإدارية لأعضاء التنظيم وتكتيكات مكافحة التجسس.

وبحسب ما تُظهره إحدى الوثائق، فقد عاتب بن لادن نائبه، عطية عبد الرحمن، مطالبًا إياه بإظهار مزيد من الاهتمام بالتغيرات المناخية التي قد تؤثر على الصومال، أحد أهم مناطق التجنيد للقاعدة. وفي وثيقة أخرى، يقترح بن لادن إرسال عناصر من أعضاء التنظيم للدراسة في الجامعات بهدف الإفادة من التقنيات التكنولوجية التي تفيد التنظيم الجهادي.

يتحدث بن لادن بصوت أرستقراطي يعكس شخصية الإرهابي المثقف، النسخة الإسلامية من المفكر الفوضوي ميخائيل باكونين في القرن التاسع عشر.

في أوائل عام 2011، كان بن لادن ومساعدوه يعتقدون بأن العالم يتحرك باتجاههم، وذلك على الرغم من الملاحقات التي يتعرضون لها من قبل الطائرات الأمريكية بدون طيار. يقول عطية عبد الرحمن: «نتابع حاليًا ثورات الربيع العربي والتغيرات التي تحدث في الدول العربية في مصر وتونس وليبيا واليمن وسوريا. ونعتقد بشكل عام بأن تلك التغيرات يكتنفها أمر جيد».

كان عبد الرحمن حث رئيسه لإرسال رسالة حول «زوال الطغاة»، يعرب فيها عن تضامنه مع المحتجين. يقول عبد الرحمن مخاطبًا بن لادن: «يمكنك دعم الثورات ضد الظلم والفساد والإجرام، والطغيان». ويشرح كيف أنه قام بإرسال عناصر تابعين للقاعدة إلى ليبيا التي كانت تحتضن نشاطًا جهاديًا إسلاميًا. وقد ساهم ذلك الوجود الجهادي بشكل ملحوظ في الهجمات التي استهدفت القنصلية الأمريكية في بنغازي في عام 2012.

وبينما كان بن لادن يحاول استغلال ثورات الربيع العربي، فإنه كان يفكر في عقد هدنة محلية مع الحكومة الباكستانية، وبين الجماعات المتناحرة في شمال أفريقيا. وفي هذا الصدد، قال عبد الرحمن أن عناصر من تنظيم القاعدة كانوا قد نقلوا هذه الرسالة إلى الحكومة الباكستانية، وشمل ذلك اتصالات مع رئيس الاستخبارات الباكستانية السابق حامد جول، بالإضافة إلى تبادل الرسائل مع أحد المسئولين البارزين في طالبان يدعى الطيب أغا (الذي سيلتقي سرًا مع الولايات المتحدة في وقت لاحق).

وفي حديثه عن الهدنة مع باكستان قال عبد الرحمن: «لقد أصبحتم جزءًا من المعركة عندما وقفتم بجانب الأمريكيين. وفي حال تركتمونا وشأننا، فسنترككم وشأنكم». الأمر ذاته أكد عليه بن لادن بقوله بأن القاعدة تسعى إلى تحييد كل من تستطيع خلال حربها مع العدو الأكبر، أمريكا.

في ذلك الوقت، كانت الولايات المتحدة قد بدأت في محاولات لجس النبض بشأن التفاوض مع حركة طالبان. جول زعم بأنه أخبر تنظيم القاعدة بأن باكستان تضغط على الأمريكيين للتفاوض مع تنظيم القاعدة، حيث أن التفاوض مع طالبان لا معنى له من دون التفاوض مع القاعدة.

مُحْتَمِيًا في أبوت آباد، كان بن لادن يركز على توجيه ضربات للولايات المتحدة، وبأن النزيف البطيء لن يسمن ولن يغني من جوع. فالحرب في فيتنام كلفت الولايات المتحدة أكثر من الحرب في أفغانستان، ولذا، فإن على تنظيم القاعدة وحلفائه أن يضاعف من عمليات القتل مائة مرة حتى يضاهي ما حدث في فيتنام.

كل ما كان يحتاجه زعيم القاعدة قبل أسابيع قليلة من وفاته هو القيام بعملية كبيرة في الداخل الأمريكي تؤثر على أمن وأعصاب 300 مليون مواطن أمريكي. هدف لم يتحقق بعد لتنظيم القاعدة وفروعه.

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد