ربما يكون الاضطراب ثنائي القطب من أكثر الحالات العقلية التي يحيط بها الغموض والمفاهيم الخاطئة، وهو ما يؤدي إلى أشكالٍ أكبر من المعاناة للمصابين به ومعارفهم وأحبتهم لانتشار التصورات المغلوطة في المجتمع وقلة الخبرة في التعامل مع المواقف التي يطرحها هذا الاضطراب.

لهذا يحاول المصوّر الفوتوغرافي السويسري ماثيو زيلويغر توثيق اللحظات والحالات التي يختبرها المعنيون بالاضطراب وإتاحة المجال لمشاركة تجاربهم، ويتناول تقريرٌ في صحيفة نيويورك تايمز تجربة هذا المصور ونتائج مشروعه، عِلمًا أن حقوق جميع الصور الواردة في هذا التقرير تعود حقوقها إلى المصور.

عملت إليزابيث -طلبت تحديد هويتها بهذا الاسم فقط- مع زيلويغر على تصوير فكرة أن مراحل الهوس تستحثّ زوبعة من الأفكار والمشاعر والأحاسيس، تاركةً إياها منهكةً رغم خفة بعضها وبهجتها. جنيف، يناير (كانون الثاني) 2018.

تصحيحُ مفاهيم

عندما طلبت المجلة الطبية «ذا لانسيت» من زيلويغر تصوير أيّ حالة نفسية تثير اهتمامه، فكر في صديقه المقرب الذي أمضى حياته يعاني من الاضطراب ثنائي القطب (ويُعرف أيضًا باسم الاكتئاب الهوسي) وكيف شكا منه يومًا عادًا إياه «إعاقة خفية» لا يمكن الخروج منها فحسب، كما يقترح بعض الأشخاص المُحبِطون رغم نواياهم الحسنة.

لكن شيء آخر أدركه زيلويغر في صديقه ودفعه إلى اقتراحِ إنجاز مقالٍ مصور عن الاضطراب ثنائي القطب، ويشرحه قائلًا: «كنتُ بقربه -للصديق- وقتًا لا بأس به، والشيء الذي فاجأني بالتأكيد هو -ولنواجه الأمر- التمثيل المفرط للأشخاص الأذكياء جدًا بين مصابي الاضطراب ثنائي القطب. يدرك الكثيرون منهم مرضهم بصفاءٍ شديد، وقد فكروا في كيفية تأثيره على حياتهم. كان الحديث معهم محفزًا للغاية».

عمل هذا الرجل مع المصور لإظهار معاناته من الأحلام المخيفة، بتصوّراتٍ عن أشخاصٍ يرغبون بالتحدث إليه وانتهاك مساحته العقلية. سويسرا، مارس 2017.

مشهد ساحةٍ في جناح الطوارئ النفسية المغلق التابع لمشفى جامعة زيوريخ، حيث وُضع زيلويغر. حُرم بعض المرضى من حقهم في الخروج، من أجل سلامتهم غالبًا. أغسطس 2018.

تُمثّل المؤلفة والملحنة إيميلي مغواير فكرة أنها تفقد عقلها وهويتها خلال نوبات الهوس، حين تكتب الموسيقى بمستوياتٍ أكثر من المعتاد. رول، سويسرا مايو 2018.

أمضى المصور 18 شهرًا في سويسرًا -حيث يعيش- وفي بريطانيا في تصويرِ أشخاصٍ مصابين بالاضطراب ثنائي القطب وكذلك أقاربهم وأحبتهم ممن يرافقونهم أثناء مكافحتهم لارتفاعات المزاج الهوسيّ وانخفاضاته الاكتئابية. بحث المصور عن عيناته في مجموعات دعم المرضى ومراكز العلاج ممن لديهم الاستعداد لمشاركة تجاربهم مع المرض.

يعقب المصور عن تلك المرحلة: «هناك مفاهيم خاطئة كثيرة حول هذا الاضطراب بحيث أن العديد من المرضى كانوا مسرورين لتبديدها. توجد وصمة عامة فيما يخص الاضطرابات العقلية. أخبرتني إحدى المرضى عن ردّة فعل صديقتها حين أعلمتها بكونها ثنائية القطب، إذ قالت لها: «هل ستركضين ورائي حاملةً فأسًا؟». لكن السلوك العدواني الوحيد الذي رأيته يتمثل في أناسِ يتسمون بعدوانيةٍ ضد أنفسهم».

عمل هذا الرجل مع المصور لإظهار كيف تحفّز مراحل الهوس لديه رؤى مزعجة ينزلق فيها تحت الأرض وتنفتح أمامه أبواب عوالم لا يمكن الوصول إليها إلا خلال مراحل الهوس. جنيف، أكتوبر 2018.

مريضة على وشك تلقي علاج الصدمات الكهربائية من أجل مراحل الاكتئاب الحادة لديها، وقد نسبت الفضل لهذا العلاج في إنقاذ حياتها. نيون، سويسرا، يناير 2018.

امرأة في مرحلة هوسٍ من اضطراب ثنائي القطب، تتذبذب بين الهدوء والهياج، متمتعةً في الصورة هذه بلحظة أهدأ في غرفة التدخين في جناح الطوارئ النفسية المغلق بمستشفى جامعة زيورخ. أغسطس 2018.

مترجم: كيف تعرف إن كنت مُصابًا بالاضطراب ثنائي القطب؟

قصصٌ لتروى عن الاضطراب

رؤى متعددة قدمها الأشخاص الذي صوّرهم زيلويغر وأفكار مهمة على نطاقٍ واسع فيما يخص الاضطراب والتصدّي له، بطرق غير متوقعة أحيانًا. تحدثت إحدى المصابات عن شعورها بشبه نوبات الهوس بـ«حالة نشوة»، بينما أوضحت أخرى إمكانية رؤيتها لإشارات أو سماع معاني خفية لا يُمكن لأحد غيرها فك شفرتها.

تأمل آخرون بطبيعة الوجود نفسها، متسائلين عن ماهية الشخص الموجود ما بين ارتفاعات المزاج الهوسي وانخفاضاته الاكتئابية. يعقب المصور: «قالت امرأة أنها (تشعر بالازدواج)، صنو لطيف وآخر مظلم. لا يمكنها الفصل تمامًا في أيّ منهما هي».

امرأة في مكان التجوال الوحيد للمرضى المحبوسين في جناح الطوارئ النفسية المغلق بمستشفى جامعة زيورخ، كان لديها جداول زمنية محدودة ويُسمح لها بمغادرة الجناح خلال النهار على أن تعود ليلًا. أغسطس 2018.

رجل يحضّر الهيروين في منتزه. يرتبط الاضطراب ثنائي القطب غالبًا بتعاطي المخدرات، ويمكن أن تتفاقم حدته عبر السلوكيات المستهجنة مجتمعيًا. لوزان، سويسرا 2015.

وجد المصور أيضًا لحظاتٍ من الحنان في تلك القصص، من ذلك حكاية الزوجين التي تعاني الزوجة بينهما من الاضطراب ثنائي القطب والتي يحكي عنها زيلويغر: «إنها قصة حب قوية أمضيا فيها الحياة معًا، يعرف الزوج قدرتها على أن تكون مبدعة جدًا في مرحلة الهوس وقد أخبرني أن تلك اللحظات عندما تفقد -زوجته- مسار العالم الواقعي لهي علفٌ في الواقع لمحادثاتٍ أبعد. عندما تعود يناقشانها سوية وماهية جوانب دماغها التي استكشفتها».

الدماغ يُعيد تأهيل نفسه.. أمراض جسدية ونفسية تمنحك منظورًا آخر للحياة

تناول المصور زيلويغر القضايا الحساسة بشكلٍ حاذق سابقًا، بما في ذلك مشروعه عن وفيات المواليد. ولذا فإن نصيحته بهذا الشأن ودوافعه بسيطة: «في أعماقي، لدي اهتمام بحيوات هؤلاء الناس. لا توجد وصفة جاهزة: نهج تناول هذا الموضوع يتمثل بأن نكون مخلصين بشأنه وليس مصدري أحكام. جزء من سبب رغبتي في تصوير تلك القطع لخفاء الكثير من هذه الموضوعات  أو نقص تغطيتها أو إحاطتها بالتابوهات، لكنها قصص تحتاج لأن تُرى وتحتاج لأن تُروى».

إطلالة على ساحةٍ من جناح الطوارئ النفسية المغلق بمستشفى جامعة زيورخ، مع انعكاسٍ لمريضٍ جالس على أريكة يعاني من اكتئاب حادٍ. أغسطس 2018.

صورة لرسامةٍ تقف مع رسوماتها، وتقول إن مراحل هوسها استحثت لديها رغبة جامحة للرسم والإحياء دون عوائق ولا أي قيود محسوسة. جنيف، مارس 2018.

تقول مغواير أنها تكتب الأغاني وتؤلف ألحانها خلال نوبات الهوس، مما يؤازر مسيرتها المهنية الناجحة بصفتها فنانة. وقد عملت مع المصور على إظهار صورةٍ تعكس العناصر الشخصية المميزة لمراحل هوسها. باث إنجلترا 2018.

مترجم: 7 من التطبيقات الأعلى تقييمًا ستجعلك أكثر ذكاءً وهدوءًا وصحة في 2019

 

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد