من غير المفاجئ نعت أم سوداء في بالتيمور طاردت ابنها البالغ من العمر 16 عامًا وسبَّته وسط أحداث الشغب بالبطلة. فعندما تتصرَّف الأمهات السود في هذا البلد وفقًا للصور النمطية، فتغضبن وتُحبِطن المقاومة ضد نظامٍ مُصمَّمٍ ليقتل أبناءهنّ، تُمدَحن.

قالت تويا جراهام لمحطة CBS الإخبارية: ‹‹لقد نظر إلى عينيّ، وفي هذه اللحظة، لم أفكِّر حتى في الكاميرات أو أي شيء. هذا ابني الوحيد، وفي نهاية الأمر لا أريده أن يكون كفريدي جراي. هل هو الفتى المثالي؟ لا، ليس كذلك، ولكنه ابني››. تقول تويا إلى أمريكا، بمعنى آخر: سأُعلِّم ابني الأسود ألّا يقاوم تفوُّق البِيض لكي يبقى حيًّا.

لم يبدأ نظام التأديب العنيف الذي اتّبعته تويا مع ابنها معها، ولا مع أمّي بالتبنّي التي كانت تضربني على الملأ عندما كنتُ طفلةً، ولا مع جحافل الآباء السود الذين يساوون بين الألم وبين الحماية والحُب. بدأ الضرب مع تفوُّق البِيض، وتاريخ من العُنف الجسدي والثقافي الذي يُجرِّد حياة السود من قيمتها في كل ناحية. لطالما كانت براءة الأطفال السود وحمايتهم حُلمًا مؤجَّلًا، من العبودية إلى قوانين جيم كرو، والخط الواصل بين المدرسة والسجن.

تكمُن المشكلة في أنّ أفعال تويا لن تضمن نجاة ابنها والأطفال الكثيرين الذين يشبهونه من مرحلة الطفولة. أتتذكَّرون العَمّ الذي نشر تسجيلًا مُصوَّرًا في عام 2011 يضرب فيه ابن أخيه المراهق لنشره رسائل تتعلق بالعصابات على موقع فيسبوك؟ كان يتصرَّف بدافع الحُب والخوف على حياته، فجَلَدَ الفتى المُراهق، ولكنّه –الفتى- وُجد ميتاً بعد شهورٍ على أية حال.

يُلهي مَدح تويا جراهام عن الحقيقة القاسية؛ وهي أنّه لا يهم كيف يتصرَّف الأطفال السود، فسواء كانوا يلقون الحجارة على الشرطة، أو يحرقون صيدلية CVS، أو ينضمون إلى عصابةٍ، أو يسيرون من المتجر إلى المنزل حاملين الحلوى في جيوبهم، أو يستمعون إلى موسيقى الراب في سيارةٍ مع أصدقائهم، أو يلعبون بلعبة على شكل مسدس، أو ينظرون ببساطة إلى عيني شرطيّ، فهم يخاطرون باحتمالية قتلهم ولومهم على وفاتهم لأنّه نادرًا ما يُنظَر إلى الشباب السود باعتبارهم أبرياء أو مستحقّين للحماية.

إذا كانت هناك طريقة سهلة لحماية الأطفال السود من الشرطة، خارج السجون والمشارح والمقابر، لم نكُن لنقضي الأعوام الثلاثة الأخيرة في دائرة متواصلة تقريبًا من الحزن على فقدان الشباب السود: تريفون مارتن، ورينيشا ماك برايد، وريكيا بويد، وجوردن ديفيس، ومايكل براون، وتامير رايس، وفريدي جراي، وغيرهم الكثيرون الذين يشكِّلون قائمةً طويلةً جدًا لا يتّسع لها مقالي.

يعكس هذا الاحتفاء بتويا اعتقادًا بأنّ الشباب السود مسبِّبون للمتاعب ومجرمون وخارجون عن السيطرة بطبيعتهم. كما يدعم الفيديو الفكرة القائلة بأنّ الآباء السود غائبون، مما يوحي بأنّ كل ما نحتاجه هو أم سوداء غاضبة تُلاحق الشاب الغاضب للقضاء على الجانب ‹‹الشرس›› منه، وسيكون كل شيء على ما يرام.

الأمر المزعج للغاية هو تبرئة تفوُّق البيض، فالقوة التي تستخدمها الشرطة العُنصرية المُجهَّزة عسكريًّا ليست المشكلة، والعُنصرية المنهجيّة –من الحرب على المخدِّرات إلى التنميط العُنصري، ومن الفصل العُنصري الزائد إلى التجريد المجتمعي- ليست القضية. بل تصبح الرسالة أنّ: سلوك الأطفال السود هو العدو الحقيقي للسلام.

يُحوِّل الحوار المُلهِي الاهتمام إلى الشباب السود، فإذا لم يهرب فريدي، إذا كان والداه قد ضرباه، إذا كان مثاليًّا، ربما كان ليظل حيًّا بيننا. ويعكس مدح تويا اعتقادًا يتشاركه أبناء العِرق بأن ضرب الأطفال السود هو الطريقة الوحيدة لحمايتهم من مخاطر المجتمع العنصري، أو من تجاوز الحدّ. ضربت تويا ابنها ووصمته أمام العالم، بدلًا من الاستماع إلى ألمه والنظر إليه وطمأنته بأنّها ستتولّى حمايته.

تاريخ ضرب الأطفال السود

يعود الوصم العام للأطفال السود وتجريدهم من قيمتهم لإرثٍ قديم للغاية. في 8 من نوفمبر 1893 كتبت صحيفة «آندرسون إنتلجنسر» التي تصدر في ولاية كارولينا الجنوبية أنَّه قد قُبِض على فتى أسود يسرق غداءً كان قد تُرِك داخل عربةٍ يجُرُّها حصانٌ. قيَّد السُكَّان الفتى في مقصورةٍ وأرسلوا في طلب والدته. عند وصول المرأة التي يبلغ وزنها 90 كجم، علِمَت بالمتاعب التي سبَّبها ابنها، فصاحت قائلةً: ‹‹أخبرتك من قبل أن تحمد الله أنّني لم أمسِك بك. أحاول الإمساك بك منذ ستة أشهر وتهرب مني كل مرة، ولكنّني أمسكتُ بك الآن حمدًا لله››.

طلَبَت الأم سوطًا أو جلد بقرة، ولكنّها حصلَت على سير الحصان، خلعت سروال ابنها وأثنته فوق عارضة وضربته. أشار المراسل إلى أنّ: ‹‹الاستماع إلى تلك الضربات وتلك الصرخات كان بشعًا، وكانت رؤيتها أكثر بشاعةً. ثم أعدمته دون محاكمة بينما كان الأشراف الرُحماء يشاهدون دون تدخُّل ويوافقون على ذلك. لن يسرق ذلك الزنجيّ غداءً آخر من ذلك الإسطبل ولا من غيره››.

لم تعدم تويا ابنها مايكل حرفيًّا، إلا أنّها شنقته مجازًا ليراه العالم، على أمل إبقائه حيًّا. يمكننا جميعًا تقدير الألم والخوف في صرختها عندما قالت ‹‹لا أريد أن يكون ابني كفريدي جراي››، هذه صرخة كل أم سوداء عبر مئات السنين في أمريكا. بدءًا من الأمهات في المزارع التي كانت تجلِد أطفالها لكيلا يجلدهم الأسياد البيض المشرفون على نحوٍ أكثر قسوةً، وحتى الآباء خلال فترة قوانين جيم كرو الذين كانوا يضربون أطفالهم لكي يحموهم من عصابات «كلو كلوكس كلان» (KKK). حوادث الضرب هذه هي أفعال أشخاص بائسين وعاجزين للغاية، خائفين وغاضبين للغاية، حتّى أن إيلام أطفالهم يبدو حقًا فعلًا حكيمًا ويمكن تطبيقه بغرض الحماية الأبوية.

تتكامل حدّة هذا الخوف مع تاريخ الأمريكيين السود، فتمامًا كما يُجري الآباء السود مع أطفالهم ‹‹الحديث الخاص›› الذي يقدمون لهم فيه نصائح للنجاة عند مواجهة السُلطات البيضاء، كان هناك تشجيعٌ على العقاب البدني باعتباره الطريقة الوحيدة لجعل الأطفال السود مقبولين في المجتمع.

صعَّدت حوادث القتل الأخيرة لأشخاص سودٍ غير مُسلَّحين، بما فيهم أطفال، من مخاوف الآباء السود وأسئلتهم حول كيفية حماية أطفالهم، وزادت من حدّة الجدل حول العقاب البدني. يحدث كل ذلك ضد خلفية النفاق الأمريكي؛ وسط ثقافة تستشهد باستمرار باتّباع مارتن لوثر كينج للاعنف ومع ذلك تحتفي بالشرطة المُجَهَّزة عسكريًّا والعقاب البدني والعنف اليومي المُوجَّه ضد الأطفال السود، ثقافة تقضي على إمكانيات الآباء السود وتُجرِّمهم وتلومهم على كل شيءٍ بدءًا من انخفاض معدلات التخرُّج والنجاح حتى الفقر.

ولقد مكَّن المجتمع الأمريكي في الوقت ذاته نُظَّار المدارس الذين يستخدمون عقوبات الفصل والعقاب البدني، والشرطة التي تهدِّد باستخدام هراواتها وأسلحتها للسيطرة على الأطفال السود.

ليس الضرب عملية تحويلية، فهو لا يُمكِّن الضحايا، بل ببساطة يعاقبهم ويزيد من صدمتهم وينقل الألم الموجود في الشوارع إلى المنزل. يجعل هذا الشكل من ‹‹التأديب›› الأطفال أكثر ميلًا للسلوك العنيف ويزيد من احتمالية قيامهم بالسلوكيات التي ستوقعهم في مشاكل في المدرسة وفي الشوارع، السلوكيات التي يعتقد الآباء أن الضرب سيمنعها.

أين الاحتفاء بالأمّهات اللاتي وقف أبناؤهن في الصفوف الأمامية بالمظاهرات السلمية؟ أين الاحتفاء بالأمّهات والآباء السود الذين كانوا يُنظِّمون أنفسهم ضد عنف الشرطة وضد غياب العدالة في الغذاء، وضد العنف والنهب في بالتيمور وغيرها؟ إن تاريخ حركة الحقوق المدنية هو تاريخ آباء وأبناء ينضمون سويًّا على الخطوط الأمامية للنضال من أجل العدالة، وليس تاريخ آباء سود يضربون أطفالهم، ومع ذلك هذه هي الصورة التي تأسر انتباه الأمة.

الأكثر مأساوية من ذلك أن تويا قالت إنّها أطلقت غضبها على ابنها بعد النظر في عينيه في الشارع، والأمر المأساوي أن جريمة فريدي جراي التي أدَّت إلى قتله كانت نظره في عيني شرطيّ. فالنظرة من عينٍ سوداء، بل مجرد وجود جسد أسود يؤدي إلى العنف والموت، وهذه هي الجريمة الحقيقية، التي لن يصلحها أي قَدْرٍ من الوصم أو العقاب البدني.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات