في أعقاب تحطُّم الطائرة التابعة لشركة الخطوط الجوية الإثيوبية، ومصرع جميع ركابها وأفراد طاقمها، نشرت مجلة «ذي أتلانتك» الأمريكية مقالًا لهانا جورجيس تتناول فيه تغطية وسائل الإعلام الغربية للحادثة، مشيرةً إلى أنَّها لم تكن بالمستوى المطلوب.

الأفارقة مجرد عدد

استهلَّت هانا مقالها بالإشارة إلى بعض ملابسات الحادثة، قائلةً إنَّ الطائرة تحطَّمت بعد وقتٍ قصير من مغادرتها مطار بولي الدولي في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، في طريقها إلى العاصمة الكينية نيروبي.

فبعد دقائق من الإقلاع، فقدت الطائرة التي كانت من طراز بوينغ 737 ماكس 8 -وهو نفس طراز الطائرة التي سقطت في إندونيسيا منذ عدة أشهر- الاتصال مع مراقبي الحركة الجوية. ثم سرعان ما تحطمت، وتوفي 157 شخصًا كانوا على متنها، من بينهم أفراد الطاقم.

وذكرت الكاتبة أنَّ هؤلاء الركاب كانوا من 35 دولة، وفقًا لقائمةٍ نشرتها شركة الخطوط الجوية الإثيوبية عقب تحطم الطائرة. وهناك عدة دول مات منها أكثر من خمس ضحايا، من بينها كينيا وكندا وإثيوبيا والصين وإيطاليا، والولايات المتحدة وفرنسا والمملكة المتحدة ومصر.

وفي الساعات التي أعقبت التقارير الأولية عن الحادث، عجَّت شبكات التواصل الاجتماعي التي يتردد عليها المستخدمون الأفارقة بالصدمة والرعب والحداد وعدم التصديق. إذ بدا الحادث غير منطقي، وخسائره البشرية فادحة.

لكنَّ هانا ترى أنَّ العديد من وسائل الإعلام الغربية غطَّت الكارثة بقدرٍ قليل من الشفقة والتعاطف، مشيرةً إلى أنَّ بعضها أجَّج شكوكًا لا أساس لها من الصحة حول جودة خدمات الشركة نفسها. بينما لم يُركَّز البعض الآخر في تغطيته على أفريقيا تقريبًا، وصاغت تلك المنافذ الإعلامية المأساة في الأساس من ناحية تأثيرها على المسافرين غير الأفارقة والمنظمات غير الأفريقية.

استشهدت الكاتبة في مقالها بما حدث في برنامج بثَّته شبكة «تي آر تي» التركية، حين أكَّدت المذيعة البريطانية ماريا راموس أنَّ شركة الخطوط الجوية الإثيوبية لديها «سجل سلامة سيء على مدار السنوات الماضية».

أوضحت هانا أنَّ ذلك الادِّعاء لا أساس له من الصحة، مضيفةً أنَّ أليكس ماتشيرس، المحلل البريطاني المتخصص في الطيران، تحدَّى ذلك الادِّعاء على الهواء مباشرةً، حتى بعدما أشارت ماريا راموس إلى أنَّ محاولة اختطاف إحدى الطائرات في عام 1996 جعلت الشركة الإثيوبية الأفريقية غير آمنة تمامًا.

وتحدَّث ماتشيرس كذلك عن سجل شركة الخطوط الجوية الإثيوبية، مُقارنًا إيَّاه بسجلات شركات نقل جوي أمريكية وأوروبية مثل شركة يونايتد إيرلاينز الأمريكية، وشركة الخطوط الجوية الفرنسية، وشركة الخطوط الجوية الأمريكية.

وأضافت هانا أنَّ مراسل صحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية في غرب أفريقيا كتب تغريدةً على تويتر، ثم حذفها لاحقًا، قال فيها إنَّه يجب «طرح أسئلةٍ عن وتيرة التوسُّع السريع للشركة الإثيوبية منذ عام 2010»، على الرغم من اعترافه بأنَّ أسباب الحادث ما زالت غير معروفة.

مكبلين بالسلاسل محرومون من الانتحار.. رحلة العبيد الأفارقة فوق سفن التجار

وأشارت هانا أيضًا إلى ما حدث في وسائل إعلامية غربية أخرى نشرت تقارير انتقائية عن ضحايا الحادث، وضربت مثالًا بصحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية، التي عنونت تغطية الحادث على صفحتها الرئيسية على الإنترنت يوم الأحد بعنوانٍ ذكر أنَّ «ثمانية أمريكيين من بين 157 شخصًا قُتلوا في حادث تحطم طائرة الخطوط الجوية الإثيوبية»، هذا بينما تضم منطقة واشنطن العاصمة أكبر عددٍ من السكان ذوي الأصول الإثيوبية الذين يعيشون خارج إثيوبيا نفسها.

وأضافت هانا كذلك أنَّ وكالة «أسوشيتد برس» نشرت تغريدةً عن الخلفية القومية للضحايا، ذكرت فيها ثمان دولٍ مات مواطنون منها في الحادث، ولم تذكر من بين تلك الدول الثمانية أي بلدٍ أفريقي، مع أنَّ كينيا تصدَّرت قائمة الدول التي مات منها ضحايا بواقع 32 متوفيًا، وإثيوبيا مات منها تسعة أشخاص.

أمَّا تغطية شبكة «سي إن إن» الأمريكية وهيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، فقد ركَّزت على وجود رعايا أمريكيين وبريطانيين على التوالي. (وفي مفارقةٍ وحشية، على حد وصف هانا، كان الكاتب النيجيري بيوس أديسانمي، مؤلف كتاب «لستِ دولةً يا أفريقيا You’re Not a Country, Africa»، من بين ضحايا الحادث).

حين يتعلق الأمر بأفريقيا.. لا توجد معايير للصحافة

ترى الكاتبة أنَّ العديد من القراء الأفارقة، وغيرهم من السود في جميع أنحاء العالم، قد لا يكونون متفاجئين من عدم تغطية الإعلام الغربي لمأساةٍ مدمرة مثل تحطُّم الطائرة الإثيوبية على أنَّها مأساةٌ أفريقية في المقام الأول.

وأضافت أنَّ دوافع التشكيك في موثوقية أكبر شركة طيران أفريقية، والتركيز المفرط على الركاب الغربيين، هي سلوكيات متوافقة مع الازدراء الغربي القائم منذ فترة طويلة تجاه السكان المنحدرين من أصلٍ أفريقي، وانعدام القدرة على التعاطف معهم. ففي اعتقادها، منذ ظهور تجارة الرقيق العابرة للأطلسي، تُعامَل أفريقيا على أنَّها مستودعٌ لمخاوف العالم الغربي.

وفي أثناء الحقبة الاستعمارية، كانت تُعامل على أنَّها مكانٌ لأخطر رغبات أوروبا وأتفهها). وأشارت هانا إلى أنَّ سكان أفريقيا ونسلهم يُصوُّرون على أنَّهم تهديداتٌ أكثر مما يُصوَّرون على أنَّهم بشر.

واستشهدت على ذلك بتغطية صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية للهجوم الإرهابي الذي وقع في العاصمة الكينية نيروبي في يناير (كانون الثاني) الماضي، وشهد مقتل 21 شخصًا. إذ ذكرت أنَّ المقال الأول الذي نشرته الصحيفة عن الهجوم، الذي وقع على فندقٍ فخم ومجمع مكاتب في العاصمة الكينية، نُشِر على تويتر مُرفقًا بصورةٍ لثلاثة رجال كينيين قتلى تظهر جثثهم مُخترَقةً بالرصاص على كراسٍ في شرفة الفندق.

وأضافت أنَّ صورة القتلى كانت هي الصورة الرئيسية كذلك في صفحة المقال. وترى هانا أنَّ ذلك القرار كان مفتقرًا للإحساس، وأجَّج ضرر المأساة الأولية بعدم التفكير في التأثير النفسي للصورة. وبالفعل أثارت الصورة رد فعلٍ سريعًا، لا سيما من القراء الكينيين وغيرهم ممَّن لهم صلاتٌ بالقارة الأفريقية، إذ أشاروا إلى أنَّ الصحيفة غالبًا ما تغطي الجرائم العنيفة في الولايات المتحدة وأوروبا دون نشر صورٍ بشعة للضحايا المقتولين.

لكن بدلًا من إزالة الصورة المزعجة، نشرت الصحيفة محادثةً مع اثنين من محرريها حول قرار نشرها. واعترف أحدهم بأنَّ «بعض الأشخاص في غرفة الأخبار شعروا لاحقًا بأنَّه لم يكن ينبغي لنا أن ننشرها»، وقال إنَّ الصحيفة «يمكن أن تؤدي أداءً أفضل بتطبيق معايير متسقة تُطبَّق في جميع أنحاء العالم».

وفي هذه الحالة، كما هي الحال في الانتشار المتكرر لمقاطع الفيديو والصور الخاصة بالسود الذين تقتلهم الشرطة في الولايات المتحدة، والأفارقة الذين يغرقون في البحر الأبيض المتوسط في ​​أثناء محاولات الهجرة إلى أوروبا، ذكرت هانا أنَّ المبرر الأكثر شيوعًا لنشر الصور المريعة هو أنَّها تُحفِّز المُشاهِد غير المُطَّلِع على هذا النوع من الحوادث على اتخاذ إجراءٍ ما، أو تُحرِّك المشاعر لديه على الأقل.

وسواءٌ ظهر هذا الرأي على أنَّه شفقةٌ أو تعاطفٌ بالغ، ترى هانا أنَّ الجهد المبذول لتوعية القراء غير المُطَّلعين له الأسبقية على التأثير النفسي الذي تُحدثه هذه النوعية من الصور في المجموعات المتضررة تضررًا مباشرًا في هذا الحوادث، بما في ذلك عائلات المتوفين.

شبح عبودية السود

بحسب هانا، هذه الفجوات في التفكير تنشأ من تاريخٍ مُقلِق. واستشهدت بما ذكرته كريستينا شارب، الأستاذة في جامعة تافتس، في كتابها «In the Wake: On Blackness and Being»، حين قالت إنَّ السود في أمريكا وجميع أنحاء العالم يعيشون وكأنَّهم غير موجودين، وإنَّ شبح العبودية جعل آلام السود وموتهم أمورًا غير مفهومة بشكلٍ أساسي بالنسبة للعالم، وذكرت أنَّ «العيش في ظل العبودية يعني عيش تاريخ الذعر وحاضره، منذ زمن العبودية إلى الوقت الراهن، كأساسٍ لوجودنا اليومي بصفتنا من السود».

وفي رأي الكاتبة، فإنَّ تحليل شارب يُشير إلى أنَّ السود لا يكتسبون التعاطف بسهولة، سواءٌ إذا ماتوا في حادث تحطم طائرة أو في مشادة مع ضابط شرطة. وتعتقد أنَّ الخرافات العنصرية تتحدى المعتقدات الأساسية المتمثلة في التعاطف الإنساني، حتى في الموت على وجه الخصوص.

وأشارت إلى أنَّه ما دام العالم الغربي يرى السود عنيفين بطبيعتهم، ويرى الأفارقة يعيشون في قارةٍ متخلفة بطبيعتها بها شركات طيران سيئة، فإنَّه لن يرى وفاتهم مأساة، بل نتيجة محتملة. وسيراها مجرَّد حقائق وليست قصصًا مؤثِّرة.

لكن تتساءل هانا كيف سيبدو التعامل مع الخسارة الفادحة التي تقع في الأرواح سنويًا على أيدي الشرطة على أنَّها أكثر من مجرد إحصائيات، وكيف ستبدو رواية قصة كل ضحية مع الاهتمام العميق بتاريخها؟ وما مدى التحوُّل الذي سيطرأ على تغطية الهجمات الإرهابية والمآسي الأخرى التي تقع في أفريقيا إذا نُظِر إليها من خارج الإطار الضيق الذي تُصوِّر به وسائل الإعلام الغربية القارة؟ في رأيها، هذه الأسئلة بسيطة ومؤثرة للغاية، والعديد من وسائل الإعلام المجتمعية التي يحركها المجتمع تحاول الإجابة عليها منذ سنوات.

وخلصت هانا إلى أنَّ تغيير طريقة تغطية الإعلام الغربي للقصص الأفريقية، سواءٌ أكانت مأساوية أو غير ذلك، يتطلَّب اعترافًا بأنَّ الأفارقة بشر، وإقرارًا بجميع القوى الاجتماعية التي تآمرت على محو هذه الحقيقة من الوعي العام. ويتطلَّب كذلك مساءلة الإعلام الغربي، ليس أمام الجمهور الغربي الذي يعتبر أنَّ القَرابة هي السبب الوحيد للتعاطف، بل أمام الضحايا السود والقراء الذين قد يلحقون بهم في أي وقت.

«بيزنس» الملابس المستعملة.. لا تصل للفقراء مجانًا وأفريقيا أكبر الخاسرين

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد