قال أندرياس كريج في مقال له على موقع «ميدل إيست آي»: إن الحصار الذي تقوده السعودية ضد قطر أعد الدوحة لمواجهة جائحة فيروس «كورونا» التي تضرب العالم. وإليكم ترجمة المقال كاملًا:

أثارت صور الرفوف الفارغة في أوروبا مخاوف من حدوث خلل شديد في سلاسل التوريد؛ مما تسبب في مزيد من عمليات الشراء والاكتناز. المثير في الأمر أن مناديل المرحاض أصبحت السلعة الجديدة التي يجب الاحتفاظ بها مع تراجع الأسواق في جميع المجالات.

مجتمع

منذ 8 شهور
هكذا سيتغير السلوك الإنساني في عالم ما بعد كورونا

بينما تجري إعادة تعبئة أرفف المتاجر ببطء، كشفت أزمة فيروس «كوفيد-19» عن نقاط ضعف إستراتيجية في سلاسل التوريد. تتمدد سلاسل التوريد العالمية بشكل مفرط بما يجعل أي تعطيل لإنتاج المكونات في شرق آسيا أو طرق التجارة في الشرق الأوسط، بغض النظر عن الموقع الجغرافي، يسبب اضطرابًا بالغًا في التصنيع في الغرب.

النظام والفوضى

مع انتقال مركز الفيروس من شرق آسيا إلى أوروبا، لم تعد المشكلة الآن مع الموردين البارزين في الصين، الذين تضرروا بشدة من الحجر الصحي الإقليمي، ولكن باتت المعضلة تعرقل الموردين البارزين عبر قارة تخضع لحجر شبه كامل.

تتطلب الشبكة المعقدة لسلاسل التوريد في أوروبا وحدها أن تكون الحدود مفتوحة، وذلك حتى يتمكن المصنعون المحليون والمزارعون وسائقو الشاحنات والعمال من الذهاب إلى العمل. الآن بعد أن أصبحت هذه الشبكة تحت ضغط متزايد، يبدو أن كلمات المنظر العسكري الصيني صن تزو تبدو حقيقية أكثر من أي وقت مضى: «إن الخط الفاصل بين الفوضى والنظام يكمن في اللوجستيات».

في هذه الأثناء، وعند النظر إلى منطقة الخليج، يبدو أن أرفف المتاجر الكبيرة مليئة وأن عمليات شراء الناتجة عن الذعر غائبة على نطاق واسع. والأهم من ذلك أن أثبتت قطر – الملكية القبلية الصغيرة، وإن كانت غنية للغاية – أنها صامدة، على الرغم من أزمة فيروس «كورونا» التي ضربت شبه الجزيرة في الوقت الذي لا تزال فيه تخضع لحصار جوي، وبري، وبحري، من قبل جيرانها منذ ما يقرب من ثلاث سنوات.

عبور العاصفة

مع وجود عدد قليل من الممرات لجلب الإمدادات، تعلمت قطر كيفية تجاوز العاصفة، وتنويع سلاسل التوريد، وتوطين الإمدادات عند الضرورة، وبناء احتياطات إستراتيجية لتكون في المرتبة الأولى في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مؤشر «الإيكونومست» للأمن الغذائي.

في عام 2014 عندما سحبت الأطراف الرئيسة (المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، ومصر، والبحرين) سفراءها من الدوحة، كانت قطر واحدة من أقل البلدان مرونة في المنطقة؛ إذ كان يتعين عليها استيراد ما يقرب من 90% من إمداداتها الغذائية، ومواد البناء، والمواد الغذائية الأخرى – وهو الرقم الذي انخفض بحلول عام 2017 بشكل طفيف إلى ما يزيد قليلًا عن 80%.

عندما قررت السعودية، والإمارات، والبحرين، فرض حصار على قطر في يونيو (حزيران) 2017، كانت الغالبية العظمى من واردات قطر تأتي عبر شاحنات من الحدود البرية الوحيدة مع السعودية، أو عبر نقلها من ميناء جبل علي في دبي. بين عشية وضحاها، جفت طرق الإمداد هذه.

ولم يكن من المفاجئ أنه في الشهر الأول من الحصار انخفضت واردات قطر بنسبة 40%، حيث سارعت الحكومة إلى الاستثمار في طرق تجارية جديدة، جوية في البداية، للحصول على الإمدادات الضرورية. وبينما جاءت معظم وارداتها عبر جيرانها بسبب الالتزامات الطويلة الأمد بالدعم المحلي، أصبحت قطر الآن حرة في تنويع طرق التجارة وسلاسل التوريد، لتنتقل من دول مجلس التعاون الخليجي إلى أكثر من 80 دولة في العالم.

بنفس القدر كان افتتاح ميناء حمد في سبتمبر (أيلول) 2017، وهو أكبر 14 مرة من ميناء الدوحة؛ مما سمح برسو سفن أكبر في الميناء مباشرة دون الحاجة إلى نقل البضائع عبر الإمارات.

فتح ميناء حمد روابط جديدة مع تركيا، وإيران، وباكستان، وعمان، وشرق آسيا؛ مما جعل قطر أكثر اكتفاء ذاتيًا في سلاسل التوريد الخاصة بها. ارتفع مؤشر ارتباط خطوط النقل البحري، الذي يقيس مدى ارتباط البلدان بطرق التجارة العالمية، من تسع نقاط في عام 2014 إلى 36 نقطة في عام 2019.

أعلى ناتج محلي إجمالي بالنسبة للفرد

في غضون ذلك قامت قطر بتوسيع احتياطياتها الإستراتيجية من السلع القابلة للتلف والمنتجات الغذائية لتستمر لمدة 10 أشهر على الأقل. نظرًا لأن الاقتصاد الريعي في البلاد يُدار مركزيًا، يمكن لوزارة الاقتصاد والتجارة تحديد أسعار المستهلكين، وتجنب صدمات أسعار المواد الغذائية. إن حقيقة أن قطر لديها أعلى ناتج محلي إجمالي للفرد في العالم تساعد بالتأكيد في مواجهة أي ضغوط إمداد بدعم سخي.

عنصر آخر مهم في مرونة سلسلة التوريد المتنامية في قطر هو توطين المصادر حيثما أمكن. يتم الآن إنتاج مواد البناء والإمدادات الغذائية وغيرها من الضروريات اليومية بشكل متزايد محليًا.

في غضون 18 شهرًا من عام 2017، انتقلت قطر من إنتاج الألبان محليًا بنسبة 10% إلى أكثر من الاكتفاء الذاتي، حيث انتشرت قصة الجسر الجوي لآلاف أبقار الحليب في الدولة الصحراوية. أطلق مخطط «امتلك مصنعك في 72 ساعة» الذي ترعاه الحكومة أكثر من 70 مشروعًا لتصنيع السلع الإستراتيجية في المنزل، مثل الأسمنت، والصلب، والبلاستيك.

التعلم من دروس الحصار

بينما لا يزال بإمكان قطر فعل المزيد لتقصير سلاسل التوريد، وتوطين الإنتاج، وجعل طرق التجارة أكثر قوة، فقد تعلمت الدروس المستفادة من الحصار في عام 2017؛ مما يعد البلاد جيدًا لعالم مغلق، يطوي فيه الجيران والشركاء العالميون جسورهم.

عربي

منذ 9 شهور
«واشنطن تايمز»: هذا ما حققته قطر في أكثر من عامين من الحصار

يمكن تلخيص النظرة الإستراتيجية للدولة لإدارة سلسلة التوريد بشكل أفضل في تعليق أدلى به وزير المالية القطري في عام 2017: «نحن شبه جزيرة. الآن نعمل كجزيرة». في أعقاب جائحة «كورونا»، سيتعين علينا جميعًا التشكيك في مرونة سلاسل التوريد الخاصة بنا وتقصيرها، حتى لو كان ذلك يعني دفع المزيد في الوقت الحاضر.

بينما في أوروبا والولايات المتحدة ليس لدينا رفاهية دولة ريعية تدعم الإنتاج المحلي وتسعير السلع الاستهلاكية، لا تزال حالة قطر تقدم دروسًا حول كيفية تنويع سلاسل التوريد وتوطينها – ليس أقلها بالنسبة للمنتجات الضرورية في أزمة صحية عالمية كهذه.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد