كتب مارك ليون جولدبيرج، رئيس تحرير موقع «يو إن ديسباتش»، مقالًا نشرته مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية عن العملات المشفرة وتكنولوجيا البلوكتشين، التي يرى أنها تحمل الأمل لفقراء العالم في تحقيق تنمية مستدامة.

ويستهل الكاتب مقاله بتوضيح عيوب العملات المشفرة التي يرى أن لديها مشكلةً تتعلق بصورتها في الأذهان. كما أن العملات المشفرة تستحق بالفعل ما يُثار عنها من أنها تدفع إلى إجراء مضاربات طائشة، وتستلزم استهلاك طاقة هائلة. ونشأ عديد من العملات المشفرة الموجودة في السوق اليوم في شكل نِكات. ويستهلك غيرها، مثل عملة البيتكوين، القدر نفسه من الطاقة التي تستهلكها دولة. وفي الواقع، لو كانت البيتكوين دولة، لكانت من بين أكبر 30 مستهلكًا للطاقة في العالم، ولكانت ستأتي في منزلة بين النرويج والأرجنتين.

مخاطر بيئية

واستدرك الكاتب قائلًا: لكن المخاطر البيئية للبيتكوين والتضخم غير المسؤول لما يُسمى عملات الميم، مثل دوجكوين، من جانب مشاهير مثل إيلون ماسك (الرئيس التنفيذي لشركة تيسلا موتورز) تدحض اتجاهًا أوسع في التطوير المستمر للعملات المشفرة.

وعلى مدار العام الماضي، كان هناك نمو هائل في البحث والتطوير لتقنيات البلوكتشين المعروفة باسم التمويل اللامركزي.

تكنولوجيا

منذ 6 شهور
مترجم: من هو «مبتكر» بيتكوين الذي رفع دعوى قضائية ضد مُطوريها؟

وسوف يتيح التمويل اللامركزي (DeFi)، كما يطلق عليه، تمكين نظام بيئي مالي كامل من دون وسطاء تقليديين مثل البنوك. وباستخدام البلوكتشين الخاص بالتمويل اللامركزي، يمكن تحويل الأموال بكفاءة وتكلفة منخفضة في جميع أنحاء العالم، وسيكون الوصول إلى رأس المال موسعًا، وستكون وثائق الهوية آمنة، والتحقق من سلاسل التوريد، والعقود المالية ذاتية التنفيذ، من بين عديد من الاستخدامات الأخرى.

وهذه التقنيات لم تعد نظرية. إنها تُستخدَم بسرعة متزايدة وهي الآن في وضع يسمح لها بتقديم الخدمات المالية للسكان الذين استُبْعِدوا لمدة طويلة من النُّظُم المالية، لا سيما في العالم النامي.

مجتمع محدود

لفت الكاتب إلى أنه حتى الآن يجري الإعلان عن الإنجازات التكنولوجية في تطوير واستخدام البلوكتشين للتمويل اللامركزي في الغالب بين المجتمع الصغير نسبيًّا والمعزول عن علماء الرياضيات، وعلماء الكمبيوتر، ومنظِّري الألعاب الذين بَنُوا هذه الأنظمة. ولكن مع استخدام المزيد والمزيد، من المرجح أن يدرك مجتمع التنمية العالمي الأوسع، بما في ذلك الحكومات المانحة، والأمم المتحدة، والمنظمات غير الحكومية، والمؤسسات الخيرية، الآثار المترتبة عليه ويبدؤون في تبني تقنيات العملات المشفرة وتقنيات البلوكتشين التي تدعمها.

Embed from Getty Images

تعد البلوكتشين في الأساس دفتر أستاذ عام آمن للمعاملات. إنه آمن لأنه يوزَّع عبر شبكة واسعة من أجهزة الكمبيوتر التي تحافظ على دفتر الأستاذ؛ وهو عام لأن كل عقدة في الشبكة لها حق الوصول إلى جميع المعاملات المُسجَّلة على الإطلاق. وهذا يجعل من الصعب، وفي بعض الحالات مستحيلًا رياضيًّا، إفساد الشبكة بمعاملات احتيالية.

وبوصفها أول عملة مشفرة قابلة للتطبيق في العالم، قدمت البيتكوين دليلًا على مفهوم تكنولوجيا البلوكتشين، ولكن كانت عيوبها كثيرة؛ إذ يتطلب الحفاظ على قدرة البلوكتشين الخاص بالبيتكوين وسلامتها أجهزة كمبيوتر متخصصة لحل المعادلات الرياضية المعقدة. ويُدفَع لأجهزة الكمبيوتر التي تقوم بذلك بعملة البيتكوين. وهذا ما يُسمَّى بالتعدين، وهو جزء من البيتكوين يستهلك طاقة هائلة. ويقتصر بلوكتشين البيتكوين على إرسال عملات البيتكوين واستقبالها. إنها أقرب إلى الذهب: يمكن تداوله أو حيازته، ولكن ليس أكثر من ذلك.

تكنولوجيا البلوكتشين

وبحسب الكاتب، أدَّت الإمكانات الواضحة للبلوكتشين إلى جانب الفائدة المحدودة للبيتكوين وتكاليفها البيئية المدمرة إلى ظهور جيل جديد من تكنولوجيا البلوكتشين. وبدلًا من مجرد إرسال عملة مشفرة واستلامها، يمكن أن يدعم التكرار الأحدث لتكنولوجيا البلوكتشين التطبيقات الموجودة في طبقة أعلاها. وإذا فرضنا أن البيتكوين تشبه الكمبيوتر الذي تتمثل وظيفته الوحيدة في إرسال رسائل البريد الإلكتروني واستقبالها، فإن الجيل الأحدث من البيتكوين سيكون مثل الكمبيوتر الذي يرسل رسائل البريد الإلكتروني ذات المرفقات؛ ويمكن أن تكون هذه المرفقات عبارة عن عقد قرض، أو تبديل عملة، أو معرف رقمي، أو أداة مالية معقدة، أو غيرها من التطبيقات المطلوبة للحفاظ على النظام المالي.

وعلاوةً على ذلك، يتاح الوصول إلى النظام لأي شخص في أي مكان في العالم. وخلافًا للبيتكوين، يمكن الحفاظ على هذا النوع من البلوكتشين على شبكات أجهزة الكمبيوتر بطرق لا تتطلب استهلاكًا كبيرًا للطاقة.

وصِيغ مصطلح التمويل اللامركزي نفسه في عام 2018 على يد المطورين الذين يستخدمون ترميزًا مفتوحَ المصدر لإتاحة الخدمات المالية على البلوكتشين دون وسطاء تقليديين مثل البنوك أو السماسرة. وفي البداية، كانت وتيرة التطوير والاعتماد بطيئة، ولكن على مدار العام ونصف العام الماضيين، أصبحت تطبيقات التمويل اللامركزي تُستخدم بوتيرة متزايدة. والقيمة المحصورة في مثل هذه المشاريع تنمو الآن نموًّا كبيرًا. وفي عام 2019، حُجِزَ حوالي 40 مليون دولار في مشاريع التمويل اللامركزي. واليوم، يبلغ إجمالي القيمة السوقية لأصول التمويل اللامركزي أكثر من 100 مليار دولار.

وتُبنى عديد من منصات التمويل اللامركزي من الجيل الجديد خصيصًا لمستخدمي العالم النامي الذين حُرِموا تقليديًّا من الخدمات المالية المنخفضة التكلفة.

التحويلات

على سبيل المثال، صُمِّمت عديد من تطبيقات التمويل اللامركزي لتقليل تكلفة إرسال التحويلات على نحو كبير. وفي عام 2019، بلغ إجمالي الأموال التي أرسلها العاملون في الخارج في شكل تحويلات إلى البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل أكثر من 554 مليار دولار.

Embed from Getty Images

لكن الرسوم المرتفعة لطالما أجهدت العمال الذين يرسلون الأموال إلى أوطانهم لمدة طويلة. ويُفقَد حوالي 30 مليار دولار من التحويلات المالية بسبب الرسوم المرهقة كل عام. ووفقًا للبنك الدولي، إذا أمكن تخفيض تكلفة إرسال التحويلات، فإن متلقي التحويلات في البلدان النامية سيتلقون أكثر مما يحصلون عليه الآن.

وباستخدام تطبيقات التمويل اللامركزي التي بدأ استخدامها العام الماضي، تكون تكاليف تحويل الأموال دوليًّا أقلَ من 1% – وغالبًا ما تكون أقل بكثير – ويمكن إتمام المعاملات في ثوانٍ بدلًا من أيام. كما أدَّى ظهور ما يُسمَّى بالعملات المستقرة المربوطة بقيمة العملة التقليدية إلى التخلص من خطر تقلبات الأسعار وصارت العملة المشفرة أكثر سيولة وأكثر قابلية للتحويل إلى نقود ورقية.

ولا يقتصر الأمر على خفض تكاليف التحويلات؛ إذ يمكن لتطبيقات التمويل اللامركزي أن تجعل الوصول إلى رأس المال أبسط وأرخص في الأماكن التي لا يمكن فيها الحصول على قرض. وعلى الرغم من الدور الرئيس للشركات الصغيرة والمتوسطة في الاقتصادات الأفريقية، يقدِّر البنك الدولي أنه في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى هناك 245 مليار دولار من الاحتياجات التمويلية التي تنقص الشركات الصغيرة والمتوسطة. وإذا توفرت القروض، فستكون بفائدة عالية. وفي بعض البلدان في أفريقيا، يتوقَّع رواد الأعمال في الشركات الصغيرة الحصول على قرض بمعدل فائدة أكبر من 20% على الأقل. وباستخدام التمويل اللامركزي، يمكن لأي شخص في أي مكان في العالم تقديم قرض، ويمكن تقييد القرض في «عقد ذكي» تُنفَّذ بموجبه شروطه ذاتيًّا دون الحاجة إلى وسيط.

التمويل اللامركزي يوفر الهوية

ويوضح الكاتب أن ما يثير اهتمام مجتمع التنمية العالمي هو قدرة التمويل اللامركزي على توفير الهوية المالية للأشخاص الذين لا يمكنهم الوصول إلى البنوك أو المؤسسات المالية التقليدية. ولطالما كان «توفير الخدمات المصرفية لغير المتعاملين مع البنوك» هدفًا لمجتمع التنمية العالمي؛ اليوم يفتقر 1.7 مليار بالغٍ حول العالم إلى الوصول إلى الخدمات المالية الحديثة. ولطالما روَّج البنك الدولي ومؤسسة «بيل وميليندا جيتس» ومؤسسات أخرى للإدماج المالي؛ بوصفه أحد أعمدة مكافحة الفقر وتحقيق التنمية الاقتصادية الأوسع، وهو ما يوفره التمويل اللامركزي.

Embed from Getty Images

وتتزامن الابتكارات التكنولوجية المصممة لزيادة الوصول إلى الخدمات المالية على نحو جذري في العالم النامي مع مجموعة متزايدة من أبحاث العلوم الاجتماعية التي توضح قيمة التحويلات النقدية المباشرة وفائدتها للأشخاص الذين يعيشون في فقر مدقع. ويُعد تزويد الناس بضمانات الدخل الأساسي من بين أكثر الطرق فعالية لانتشالِهم من الفقر المدقع، وهم الأشخاص الذين يعيشون على أقل من 1.90 دولار في اليوم.

وكان توفير ضمان الدخل الأساسي لأكثر من 700 مليون شخص مهدَّدين بالفقر المدقع مطلبًا لمجتمع التنمية العالمي. ويشير التمويل اللامركزي إلى حل محتمل لهذا التحدي. وفي السنوات القادمة، قد يتمكن مجتمع التنمية العالمي من استخدام التمويل اللامركزي لوضع أموال المانحين والحكومة مباشرةً في المَحَافظ الرقمية للأشخاص الذين يواجهون الفقر المدقع.

أفريقيا تقود العالم

وأشار الكاتب إلى أن بعض الحكومات في العالم النامي أصبحت من أوائل من يتبنون البلوكتشين في التنمية. وفي أبريل (نيسان)، أعلنت حكومة إثيوبيا عن شراكة مع منصة بلوكتشين لتوفير خدمات الهوية لـ5 ملايين طالب. ويراهن عديد من المطوِّرين في فضاء التمويل اللامركزي على أن البلدان في العالم النامي، وخاصةً في أفريقيا، ستقود العالم في تبني منصات التمويل اللامركزي.

ويختتم الكاتب مقاله بأن العملات المشفرة تظل مساحةً غير منظمة إلى حد كبير. لكن الجيل القادم على وشك أن يدخل في مرحلة النضج ويصبح أكثر انتشارًا. ويشير المسار بوضوحٍ إلى مستقبل يمكن فيه تسخير العملات المشفرة وتكنولوجيا البلوكتشين لخدمة التنمية المستدامة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد