نشرت مدونة لجنة حماية الصحافيين «Committee to Protect Journalists» المُدافعة عن حقوق الصحافيين وحريّة الصحافة تقريرًا أعدّه أحمد زيدان، صحافيّ مهتم بالإعلام الرقميّ، وعملَ مراسلًا لوكالات إعلامية مختلفة، يتحدث فيه عن الضغط الذي تمارسه بعض الحكومات على منصات التواصل الاجتماعي لحجب المحتوى المُخالف لسياسات هذه الحكومات. وفيه هذا التقرير المُترجم يتحدث عن حجب قناة «الجزيرة على تطبيق «سناب شات».

الجزيرة تختفي

بالبحث عن الجزيرة في تطبيق سناب شات ستكون الجزيرة في أولى النتائج كقناة ناشرة في الصفّ الأفقي. هذه النتيجة المعتادة إن لم تكن في السعودية، أو الإمارات العربية المتحدة أو البحرين. يظهر للمستخدمين من هذه البلاد قائمةٌ من المحلات والمطاعم التي تحملُ اسمًا مشابهًا لاسم القناة.

Two screenshots show the results a user receives when searching for the Al-Jazeera Discover channel in the U.S. (left) and Bahrain (right), which blocked the channel in September 2017.

صورتان لشاشة برنامج سناب شات. على اليمين تظهر نتائج البحث عن الجزيرة في البحرين حيث حُجبت القناة، وعلى اليسار نتائج البحث في الولايات المتحدة. (مصدر الصورة: تقرير اللجنة).

يستندُ زيدان على تقرير سناب شات الأخير للشفافية المنشور في مايو (أيّار) 2018، ويقولُ إن فيه دليلًا على ما حصل لقناة الجزيرة في سناب شات. يُظهر التقرير أنّ الشركة تلقَّت في النصف الثاني من عام 2017 طلبات حكومية من البلدان الثلاثة لإزالة القناة، واستجابت لها.

لاحقًا أكَّد متحدثٌ باسم شركة «سناب»، الشركة الأم للتطبيق، للجنة حماية الصحافيين ببريد إلكتروني أن الطلبات كلها مُتعلّقة بقناة الجزيرة العربيّة على التطبيق، وأنّ الشركة أزالت القناة «امتثالًا للقوانين المحليّة» في تلك البلدان. وينقلُ زيدان عن المتحدث باسم الشركة ما قاله لِلَجْنَة: «نقوم بتقييد الوصول الجغرافي لقناة محدّدة، بدلًا عن حذفها عالميًا عندما تكون مُخالفةً للقانون في بلد معين، ولكن لا تخالف سياساتنا».

«الجيش الذي لا يُهزم».. معارك الجزيرة السياسية والمهنية

أُبلغ على نطاق واسع في سبتمبر (أيلول) العامَ الماضي عن رقابة سعوديّة، وكتبت صحيفة «ماشابل» في ذلك الوقت أنّ السلطات السعودية طلبت من شركة سناب إزالة القناة لمعارضتها للقوانين المتعلّقة بالنشر والجرائم الإلكترونية. ولم يُجب المتحدث باسم الشركة عن سؤال اللجنة إذا ما حُدّدت قوانين معيّنة في طلب الإزالة. وظلَّت القناة محظورةً اعتبارًا من هذا الشهر في البلدان الثلاث. ورفض مُنظّمو الاتصالات والسلطات المُختصّة في البلدان الثلاث أن يُعلّقوا للجنة عبر البريد الإلكتروني أو عبر مواقعهم.

ياسر بشر، المدير التنفيذي للإعلام الرقميّ في الجزيرة أخبر لجنة حماية الصحافيين أنّه «من المؤسف أن تستجيب منصة تواصل اجتماعي عالميّة شهيرة كسناب شات للضغط وطلبات الرقابة»، وتابعَ لزيدان: «لهذه الأفعال عواقب ضارّة بقطاع الإعلام وبحرية التعبير والصحافة المستقلّة في المنطقة». أضاف بشر: «السؤال الجوهري: كيف يمكن لشركة أمريكية عامة تقفُ مع حرية التعبير في بلد الوصول فيه لمنصات التواصل الاجتماعي حقٌّ دستوريّ أن تُنكر هذه الحقوق على الآخرين».

إعلان الجزيرة عن إطلاقها لقناتها في سناب شات.

الجزيرة تتسلل إلى السعوديّة.. أكثر من ثُلثي المشاهدين سعوديّون

ثمّ يستعرض زيدان علاقة الشركة بالسعودية: السعودية بلدُ ثانِ أكبر جمهور للتطبيق بعد الولايات المتحدة، بتسعة ملايين مستخدم نشطٍ يوميًا (أكثر من ربع سكان البلاد)، وفقًا لتقارير إخبارية. وفي الشهر الماضي أعلنَ الأمير السعوديّ الوليد بن طلال استثماره 250 مليون دولار في الشركة مقابل نسبة 2.3% من أسهم شركة سناب التي أعلنت مؤخرًا أن مُلّاكها لا يملكون حقَّ التصويت.

كان 69% من مُشاهدي القناة – قبل حجبها – من السعودية، و7% من الإمارات حيث يوجد مليون مستخدم للتطبيق. فتحت شركة سناب أوّل مكتب لها في الشرق الأوسط في دبي، وفي شهر مايو (أيّار) من ذلك العام أطلقت الجزيرة قناتها العربيّة بالتعاون مع سناب شات. وبعدَ ذلك بشهور قليلة حُجب القناة في السعوديّة، في 17 سبتمبر (أيلول)، وفي 19 بالإمارات، ثمّ في البحرين يوم 21 من نفس الشهر.

Embed from Getty Images

صورة رمزيّة عن حجب التطبيق.

يستعرضُ زيدان أوراقًا قدَّمتها الجزيرة لسي بي جي، تُظهر أنّ مشاهدات القناة المميّزة انخفضت بنسبة 86%. واستجابةً لذلك، يقول بشر إن الجزيرة حوّلت مواردها نحو قصص الانستغرام الشبيهة بقصص سناب شات. نَمَت خاصية قصص «الانستجرام» سريعًا ويستخدمها يوميًا ضعفُ عدد مستخدمي خدمات سناب شات.

حريّة الإعلام تتساقط مع كل أزمة

يرى زيدان أن طلبات إزالة المحتوى تُمكن «الدول الاستبدادية» من استخدام سياسات المنع لدى شركات التواصل الاجتماعي لتُقصي الصحافة الناقدة ووسائل الإعلام، ويسمح لها هذا أن تُفلت من المراقبة العالميّة التي قد تحصل في حال حُجب برنامجٌ أو موقع بالكامل. ويذكرُ زيدان أنّ لجنة حماية الصحافيين وثقّت ارتفاعَ عدد طلبات الحجب الحكوميّة في منصات التواصل الاجتماعية الأساسيّة ارتفاعًا كبيرًا بينَ عامي 2014 و2017، بزيادة أكبر 15 ضعفًا على «تويتر» لوحده.

توقيت الطلبات كانَ بعد الأزمة السياسية بين قطر، مُموّلة الجزيرة، والدول المجاورة من أعضاء مجلس التعاون الخليجيّ.

وثّقت اللجنة أيضًا في العام الماضي كيفَ حجبَ تكتّل الدول الذي تقوده السعودية الوصول إلى ثماني مواقع على الأقل من مواقع الأخبار المموّلة قطريًا، بما في ذلك مواقع الجزيرة. أمرت السلطات السعوديّة بإغلاق مكتب الجزيرة وسحبت تراخيصه، وهدّدت الإمارات باعتقال أيّ مُنتقدٍ لموقف الإمارات من الخلاف الخليجيّ، وأعلنت البحرين أن أي شخص يعلن دعمه أو تعاطفه مع قطر قد يواجه السجن لخمسة أعوام.

«واشنطن بوست»: «العربية» و«الجزيرة».. توجهات مختلفة وتجاهل الفلسطينيين واحد

في يونيو (حزيران) 2017 أرسلت اللجنة رسالةً إلى قادة الدول الثلاثة، بالإضافة لمصر، تُطالبهم فيها بالتخلّي عن شرط إغلاق وسائل الإعلام المموّلة قطريًا كشرطٍ لاستعادة العلاقات الدبلوماسية.

وينقلُ زيدان عن عادل مرزوق، الصحافيّ البحريني أنّ «حكومات – البلدان الثلاثة – غير متسامحة مع النقد. يُراقَبُ أي محتوى ينتقد الدولة أو مرتبطٌ بحقوق الإنسان». علي عبد الإمام من البحرين قال: «يجب أن تكون الشركات الرائدة مُحاسبةً على تعاونها مع الحكومات القمعيّة». عبد الإمام مدونٌ بارز ومدافع عن حقوق الإنسان سُحبت جنسيته البحرينية عام 2015 لنشاطاته على الإنترنت وبسبب موقعه «بحرين أونلاين» المُراقَب منذ 1999.

ديفيد سوليفان، مدير التعليم والتطوير في مبادرة الشبكة العالميّة، أخبرَ اللجنة أن على الشركات تدقيق الطلبات الحكومية لتتأكد من أنها «متسقةٌ مع المعايير العالميّة»، توفّر هذه المبادرة للشركات إطارًا عمليًا متجذرًا في قوانين حقوق الإنسان لتقليل الآثار السلبية للتقييدات الحكومية على حرية التعبير.

ثم يُورد زيدان تعليقاتٍ من حقوقيين ومُختصين على هذا المشهد. فيبدأ بمارك أوين جونز، باحثٌ ومُحلل في «بحرين ووتش»، يقول:«من السهل على الشركات أن تُبرر بضرورة الالتزام بقوانين البلدان التي يعملون بها مهما كانت استبداديّة. شركات الإعلام الاجتماعيّ مهتمةٌ بالوصول إلى الأسوق أكثر من القضايا الإشكالية، مثل تسهيل الرقابة».

مات شرويرز، أستاذٌ مساعد في القانون ونائب رئيس القانون والسياسات في رابطة صناعة الكمبيوتر والاتصالات في العاصمة الأمريكية واشنطن، يقولُ: إن موازنة الوصول للأسواق مع حماية حرية التعبير على الإنترنت لطالما كانت مشكلة لشركات الإنترنت. وأضاف: «المشكلة في المحتوى المحجوب محليًا أن عدواه انتقلت إلى دول تحاول حجب نفس المحتوى على مستوى العالم. بعض الحكومات تطلب الآن من موفري الخدمات على الإنترنت أن تقمع محتوىً نقديًا مُعينًا في أيّ مكان كانت. وحجبت محليًا منصاتٍ – بشكل كامل – إذا لم تستطع فرضَ إرادتها على المستوى العالميّ».

ويذكر زيدان أن سناب شات رفض أن يُعلق على عدّة طلبات من لجنة حماية الصحافيين.

سارة ليا ويتسن، مديرة «هيومن رايتس ووتش»، علَّقت بأن استجابة سناب شات لطلبات الإزالة «تسيء إلى سكان هذه البلدان المحرومين من الأخبار»، وأضافت أن تصرّف سناب شات يمكن أن «يفتح الباب على مصراعيه للدول الأوتقراطية لتُخضع الأخبار التي لا تعجبها من مواطنيها للمراقبة».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد