افتُتحت قناة البحر الأبيض إلى بحر البلطيق لأول مرة في عام 1933، وقد شُقَّت هذه القناة على عاتق سجناء المعتقلات السوفيتية. وبحلول الوقت الذي أُنجِزت فيه أعمال القناة، كان أكثر من 25 ألف عامل قد فارقوا الحياة.

نشر موقع «أوول ذت إز إنترِّيستنج» الأمريكي الذي يهتم بالعلوم والتاريخ مقالًا للكاتب مورجان دن، المتخصص في شؤون الاتحاد السوفيتي والصين والآثار البعيدة المدى للاستعمار، صوَّر فيه ما حدث أثناء بناء قناة البحر الأبيض إلى بحر البلطيق، أو قناة البحر الأبيض، أو قناة بيلومور في ظل حكم الديكتاتور جوزيف ستالين، والتضحيات البشرية الهائلة التي لم يحفل بها أحد آنذاك.

يقول الكاتب في مستهل مقاله إن قناة البحر الأبيض إلى بحر البلطيق تُعد شهادة على عبقرية الهندسة السوفيتية وعلى صلابة عمالها. وتمتد القناة لمسافة 141 ميلًا (225.6 كم) من البحر الأبيض في أقصى شمال روسيا، وتمر عبر الغابات الكثيفة على طول شواطئ بحيرة أونيجا لتصُب في خليج فنلندا على الحافة الشرقية لبحر البلطيق.

عام

منذ 5 سنوات
مترجم: بوتين يسعى لإحياء جهاز الكي جي بي السوفييتي.. وسيندم على ذلك

واستدرك الكاتب قائلًا: لكن القناة كانت أيضًا أول مشروع من بين عديد من المشروعات المميتة التي نفَّذها عمال مراكز الاعتقال، وهو نظام العمالة القسرية (السُخْرة) المخيف في الاتحاد السوفيتي، والذي أودى بملايين الأرواح طوال القرن العشرين.

وصُوِّر المشروع في البداية على أنه تحفة رائعة لإثبات تفوق الشيوعية على النمط السوفيتي، ووصل إلى أبعاد أسطورية في السرعة القصوى للتنفيذ. ونظرًا إلى مباركة مَنْ هم في أعلى مستويات السلطة، وضع بُنَاة القناة عديمو الرحمة غلاظ الأكباد عشرات الآلاف من العمال في الوحل على طول ضفافها، واستكملوا المسار التاريخي في وقت قياسي، بينما باتوا موضع إدانة عالمية. لكن التكلفة كانت كارثية.

هذه هي الحكاية المأساوية لكيفية بناء الممر المائي العملاق.

خطة قناة تنافس كل القنوات الأخرى

ولفت الكاتب إلى أن فكرة حفر قناة من المياه المتجمدة للمحيط الشمالي إلى الموانئ الدافئة في بحر البلطيق كانت فكرة قديمة. وكانت حلمًا راودَ خيال القيصر بطرس الأكبر لأول مرة في القرن السابع عشر، ورُفِضت الخطط الرامية إلى شق ممر مائي يربط بين البحرين واقتُرِحت مرارًا وتكرارًا وسقطت في حلقة مفرغة استمرت طوال القرن التاسع عشر.

Embed from Getty Images

ويوضح الكاتب أنه حتى في خضم الحرب العالمية الأولى، ناقش ضباط البحرية الروسية المسارات المحتملة في ثلاث مناسبات على الأقل. وفي كل مرة، كان المستثمرون الخاصون يعدُّون الأمر محفوفًا بالمخاطر، وكانت أموال الدولة قليلة بحيث يصعب عليها دعم البناء.

لكن البلاشفة الذين وصلوا إلى السلطة عام 1917 لم يشعروا بمثل هذه التحفُّظات. وعلى الرغم من أنهم أعادوا إحياء هذا المفهوم في وقت مبكر يعود لعام 1918، فإن الحرب الأهلية الروسية حالت دون إحراز أي تقدم حتى عام 1929. وفي العام السابق لذلك العام، كان جوزيف ستالين قد بدأ الخطة الخمسية الأولى، وهي محاولة وطنية لنقل البلاد إلى القرن العشرين من خلال التقدم الاقتصادي والصناعي على نطاق واسع.

وأحب ستالين ودائرته الداخلية فكرة إقامة مشروع ضخم يصلح لمنافسة قناة بنما وقناة السويس. وعلى الرغم من أن التكلفة المتوقعة كانت هائلة بالقدر نفسه، فإن ستالين كان يمتلك على ما يبدو موردًا لا نهاية له تحت تصرفه، وهم سجناء من نظام الجولاج أو معسكرات الاعتقال. وأشارت التقديرات آنذاك إلى أنه سيُستخدَم ما يصل إلى 100 ألف سجين في بناء قناة البحر الأبيض إلى بحر البلطيق.

مرحبًا بكم في سجن أو جولاج بيلومور

وفي 18 فبراير (شباط) 1931، أصدرت اللجنة التنفيذية المركزية للاتحاد السوفيتي مرسومًا يقضي ببناء قناة جوزيف ستالين بين البحر الأبيض وبحر البلطيق. وعلى الفور تقريبًا، شرعت المديرية السياسية المشتركة للدولة (OGPU)، وهي الشرطة السرية للدولة والتي خلفها جهاز «كيه جي بي» (KGB) السيئ السمعة – في إلقاء القبض على كبار المهندسين والمعماريين في البلاد.

واتهموهم بالتخطيط لتخريب البنية التحتية والصناعة السوفيتية. وفي الحقيقة، كانوا مطلوبين لتصميم القناة – من الناحية المثالية هم قيد الإقامة الجبرية، وبذلك يكونون تحت السيطرة.

وكانت القيمة العسكرية لنقل السفن الحربية عبر روسيا الغربية واضحة، لكن الفوائد الاقتصادية للقناة كانت محددة على نحو غامض. وعلى الرغم من أن مولوتوف وغيره من كبار القادة أثاروا مخاوفهم، فإن ستالين أمر مع ذلك ببدء العمل.

Embed from Getty Images

وأنشئ سجن جديد، وهو سجن بيلومور (البحر الأبيض)، وشُحِنت أول مجموعة من السجناء. وللحفاظ على قلة التكاليف قدر الإمكان، تعين الاقتصار على استخدام المواد الموجودة على طول المسار المخطط: الأشجار من الغابات على الحدود الفنلندية، والطين والجرانيت المُستخرج من الأرض، وكميات ضئيلة من الخرسانة في نهاية البناء.

وكان النهج بسيطًا بصورة وحشية: كان من المفترض بناء القناة «بسرعة وبقوة وبتكلفة زهيدة ومعادن أقل وأسمنت أقل، ودون أي تكلفة مهما كانت زهيدة من العملات الأجنبية، واستخدام المزيد من الخشب».

الظروف القاسية في السجن

وأوضح الكاتب أن حفر القناة باليد تطلَّب مشاركة جميع السجناء. وأُجبِر أكثر من 170 ألف سجين، أدينوا بجرائم سياسية وجرائم عادية، على نقل أطنان لا حصر لها من التربة والأحجار باستخدام المعاول والجواريف والمناشير اليدوية، و70 ألف عربة يد، و15 ألف حصان. وبعد ذلك بسنوات، كتب أحد السجناء:

«لم تكن هناك أي تكنولوجيا على الإطلاق. حتى السيارات العادية كانت نادرة. وكان كل شيء يُنجَز يدويًّا، وأحيانًا بمساعدة الخيول. وحفرنا التربة بأيدينا، ونقلناها في عربات تُجَر باليد، وحفرنا عبر التلال بأيدينا أيضًا، وحملنا الحجارة لمسافات بعيدة».

وأُجبِر السجناء على التفكير على نحو خلَّاق من أجل تخفيف العبء عن كاهلهم، فاخترع السجناء شاحنات خشبية بدائية أُطلق عليها اسم «شاحنات فورد بيلومور» على سبيل السخرية.

وأشرفَ على كل شيء حراس مسلحون من المديرية السياسية المشتركة للدولة، يقودهم بعض من أقسى الرجال في الشرطة السرية السوفيتية. ووقع الاختيار على نافتالي فرينكل، وهو ضابط غامض (وسجين سابق) من أصول مجهولة، كان يتمتع بحماية ستالين الشخصية، لقيادة هذا الجهد.

وُصِف فرينكل ذات مرة بأنه «رجل يتمتع بحب جارف للسلطة والخيلاء، وتُعد السلطة غير المحدودة أهم شيء عنده». وابتكر فرينكل نظامًا قاسيًا لتخصيص الموارد يقوم على ربط الأداء بالطعام. وإذا استوفى العامل الحصص المطلوبة منه من العمل، فإنه يتلقى أقل من رطلين من الخبز وثلاثة أوقيات من اللحم يوميًّا. وكان السجناء المرضى يحصلون على نصف هذا الكم، وأولئك الذين فشلوا في إرضاء رؤسائهم كانوا يحصلون على أقل من ذلك. ولم يكن أولئك الذين جرى نَفْيهم مع عائلاتهم أفضل حالًا.

Embed from Getty Images

ويقول طفل صغير أُرسِل مع والديه وستة من أشقائه إلى إحدى المستوطنات الواقعة على طول القناة يتذكر حصصهم الغذائية قائلًا:

«… حصل والدنا، المصدر الرئيس للغذاء، نيابةً عنا جميعًا، على ثلث دلو من حساء ذي لون أخضر، كانت تسبح في مياهه الداكنة حبتان أو ثلاث حبات من الطماطم الخضراء أو الخيار، وبضع قطع من البطاطس المجمدة، مخفوق مع 100-200 جرام من الشعير أو الحمص».

وكان تحديد الحصص الغذائية، الذي جرى تبريره بوصفه وسيلة للاقتصاد في السجون، يعد حكمًا بالإعدام بالفعل على المرضى والضعفاء. ولم يكونوا ليبقوا على قيد الحياة – وستكون مسألة وقت فحسب قبل أن ينضم إليهم زملاؤهم الأقوياء.

التكلفة الكارثية

وأضاف الكاتب: وتحت نَيْر فرينكل الشرير ومعاونيه، قام 30 جماعة من سجن بيلومور بأعمال التكسير والحفر لما يقرب من ثلاثة أطنان من التربة والحجارة كل يوم، خلال جميع فصول السنة وفي ظل أي نوع من أنواع الطقس. وفور بدء العمل تقريبًا، بدأ السجناء يسقطون مثل الذباب، ويحاول 10 آلاف على الأقل الهروب من مكان البناء الجهنمي في الأشهر التي تلت ذلك.

ودون احتساب أولئك الذين لقوا حتفهم بسبب الإصابة أو المرض بعد ذلك، فقَدَ أكثر من 25 ألف شخص حياتهم في المشروع ودُفنوا في مقابر جماعية لا تحمل أي علامات في أعماق الغابات على جانبي القناة.

وأولئك الذين تراخوا في العمل أو قاوموا يمكن أن يتوقعوا حصصًا غذائية منقوصة، وضربًا بسيطًا، أو حتى «التعذيب بالبعوض»، حيث يجرى تجريدهم من ملابسهم وتركهم في الغابة فريسة للبعوض النَّهِم في فصل الصيف في شمال روسيا.

وآتى هذا الروتين المروِّع ثماره أخيرًا في 20 يونيو (حزيران) 1933، عندما جرى الانتهاء رسميًّا من قناة البحر الأبيض إلى بحر البلطيق وافتُتحت بعد 20 شهرًا من قدر مستحيل من العمل.

Embed from Getty Images

وفي الشهر التالي، قام جوزيف ستالين بنفسه برحلة عبر القناة على متن باخرة، وتوقف في منتصف الطريق عند الطرف الشمالي لبحيرة أونيجا للاستمتاع بإقامة في فندق شيده السجناء خصيصًا له. ومن النافذة في جناحه، كان يمكنه رؤية نظام بوابات القنوات المنحوتة من الأرض بأيدي الآلاف من عمال السُخْرة.

هل كان بناء قناة بيلومور لا جدوى منه؟

وأردف الكاتب: وعندما أعلنت الدولة استكمال القناة بنجاح، انتشرت الاحتفالات في جميع أنحاء الاتحاد السوفيتي. وألقى المسؤولون المحليون الخطب، ونظمت الاستعراضات، وأشاد السجناء بالقوة الإصلاحية للعمل. وكتب حوالي 120 من الكتاب الأكثر شهرة في روسيا، بما في ذلك المؤلف الشهير مكسيم جوركي، على نحو جماعي كتابًا مؤلفًا من 600 صفحة يشيدون بقوة عمال السُخْرة السجناء، ودهاء الشرطة السرية، وعبقرية ستالين نفسه، حتى إن ماركة شهيرة للسجائر حملت اسم الممر المائي الذي أُنجِز.

تاريخ

منذ 10 شهور
بريطانيا كانت تسترضي هتلر.. السياسة التي تسببت في قيام الحرب العالمية الثانية

وكان ستالين الشخص الوحيد الأقل حماسة. وبسبب الاستعجال للوفاء بالموعد النهائي الذي حدده ستالين بعامين، تهاون بُناة القناة في كل جانب آخر من جوانب بنائها. وكان حُكم الزعيم السوفيتي بسيطًا بقدر ما كان ساحقًا حينما وصف القناة بأنها: «ضحلة وضيقة».

وكان ستالين مُحقًّا، ففي الوقت الذي افتُتحت فيه القناة، كان عمق القناة حوالي 11.5 قدمًا فقط – وهو قليل جدًا بالنسبة للسفن العابرة للمحيطات التي كان من المتوقع أن تعبر من خلالها.

وحتى أحد حراس السجن لاحظ أنها كانت ضحلة جدًّا: «لدرجة أنه لا يمكن حتى للغواصات المرور عبرها بقوتها الذاتية، بل يجب تحميلها على صنادل، وعندها فقط يمكن عبورها».

واختتم الكاتب مقاله بالإشارة إلى توسيع القناة وتعميقها عدة مرات، مما أدى إلى تحسين فائدتها وتحفيز نمو المدن الكبرى على طول ضفافها في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي. لكن العدد الدقيق للأرواح التي فُقدت في بنائها قد لا يكون معروفًا أبدًا، ولن يؤدي أي قدر من التقدم الاقتصادي على الإطلاق إلى إلغاء إراقة الدماء والبؤس لإرضاء نزوات ديكتاتور مقتنع بعصمة نفسه وشعبه.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد