ربما ستجد الولايات المتحدة نفسها مضطرة لشن حرب على إيران أو محاولة السيطرة على أراضٍ إيرانية!

يبدو أن المحادثات التي تجريها الولايات المتحدة وإيران حول خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي الإيراني) لا تُبشر بالتوصُّل إلى حل لهذه القضية العالقة، وهو الأمر الذي جعل إسرائيل تمارس ضغوطها على إدارة بايدن من أجل التوجه إلى خيار عسكري من شأنه أن يزيد الأمور سوءًا.

تناولت أنيل شلين، الباحثة في معهد كوينسي الأمريكي لفن الإدارة الرشيدة، والتي تركز أبحاثها على السلطة الدينية في الشرق الأوسط وتقاطع الهويات الدينية والقومية، وبروس ريدل، الزميل أول في معهد بروكينجز والأستاذ في جامعة جونز هوبكنز في الدراسات الدولية المتقدمة، الخيار العسكري الذي يلوح في الأفق بعد تعثر التوصُّل إلى حل لملف إيران النووي، والمخاطر التي تنطوي على هذا الخيار. 

تركيع إيران عسكريًّا

يقول الكاتبان في مستهل تقريرهما الذي نشرته المجلة الأمريكية: أفادت التقارير بأن المسؤولين الإسرائيليين في واشنطن حثوا الولايات المتحدة على شنِّ ضربات جوية ضد أهداف إيرانية، الأمر الذي سيكون تصعيدًا غير مسبوق في العداء بين البلدين. وحثَّ وزير الدفاع بيني جانتس ورئيس الموساد ديفيد بارنيع إدارة بايدن على الاشتراك في عمل عسكري للضغط على إيران؛ كي «تخفف من حدة موقفها عند الجلوس على طاولة المفاوضات».

Embed from Getty Images

وفي حين أن المفاوضات في فيينا لم تُسفر عن أي تقدم يُذكر، تُعد هذه المطالبة بالخيار العسكري مثالًا جديدًا على النموذج الفاشل الذي تعاملت به الولايات المتحدة وإسرائيل مع إيران؛ والذي يعني الاعتقاد بأن مزيدًا من الضغط والعنف سيجبران طهران على الاستسلام، في حين أن النتيجة الأكثر ترجيحًا هي أن تلجأ إيران إلى رد عسكري مماثل.

وتقول إسرائيل إنها تتعرض لتهديد خطير متزايد، الأمر الذي دفع الرئيس الإسرائيلي هرتسوج إلى التأكيد على أنه «إذا لم يتخذ المجتمع الدولي موقفًا قويًّا بشأن هذه القضية، فإن إسرائيل ستفعل ذلك. إن إسرائيل ستدافع بنفسها عن نفسها». ولكن إسرائيل والولايات المتحدة ما كانا لهما أن يكونا في هذا الموقف لو لم ينسحب ترامب من الصفقة أو لو كان بايدن قد عاد إلى الصفقة بسرعة بعد توليه منصبه.

وفي هذا الصدد قال الجنرال الإسرائيلي المتقاعد إسحق بن إسرائيل لشبكة بلومبرج إنه «تبين أن جهود نتنياهو التي بذلها لإقناع إدارة ترامب بالانسحاب من الاتفاق النووي كانت أسوأ خطأ إستراتيجي في تاريخ إسرائيل». وبهذا التصريح، يعترف ابن إسرائيل بأن إسرائيل لم تقوِّض أمنها فحسب من خلال الضغط على ترامب لنقض الاتفاق النووي، بل قوَّضت إسرائيل أمن أمريكا أيضًا؛ إذ إن كلا البلدين لديهما مصلحة مشتركة في منع إيران من امتلاك سلاح نووي. وهذا سلوك غير مقبول من شريك في المصلحة، بحسب التقرير. ولسوء الحظ، يتبنى رئيس الوزراء الحالي نفتالي بينيت الموقف نفسه الذي اتخذه منافسه السياسي وسلفه بنيامين نتنياهو تجاه إيران.

سيناريو شن حرب على إيران

يتساءل الكاتبان: إذا أخذت إدارة بايدن بنصيحة إسرائيل، أو إذا شنَّت إسرائيل هجمات على إيران واضطرتها إلى أن ترد بهجمات مماثلة، وجُرَّت واشنطن إلى هذا الصراع، فما الذي يمكن أن يحدث؟

دولي

منذ شهر
«ذي إنترسبت»: هل سيتجه بايدن للحلول العنيفة مع إيران أم يستكمل نهج أوباما؟

إنه من المرجَّح أن أي ضربة إسرائيلية ضد إيران ستشعل شرارة صراع تنجر إليه الدول المجاورة على كلا الجانبين. ويتوقع التقرير أن يطلق حزب الله آلاف الصواريخ والقذائف والطائرات المسيَّرة على حيفا وتل أبيب وغيرها من الأهداف الإسرائيلية، وقد تنضم حماس أيضًا إلى الصراع. وربما تضرب إيران أو شركاؤها العراقيون واليمنيون السعودية كما فعلوا سابقًا، بل قد يوسعون هجماتهم لتشمل البحرين والإمارات بسبب تطبيع العلاقات مع إسرائيل.

يسترسل التقرير في تنبؤاته باحتمالية الضغط على سلطنة عُمان والكويت وقطر، التي تميل إلى الحفاظ على علاقات متوازنة مع إيران وباقي دول مجلس التعاون الخليجي والولايات المتحدة، للانضمام إلى جانب محدد في هذا الصراع، وهو الأمر الذي سيعرضهم للهجوم من قِبل خصومهم الجدد. وسيضع الصراع أيضًا الأردن في مأزق بسبب الضغط الشعبي الهائل الذي سيطالب بإيقاف معاهدة السلام مع إسرائيل. وسترتفع أسعار النفط إلى مستويات عالية جدًّا. 

Embed from Getty Images

وإذا تصاعدت حدة الحرب، فربما تجد الولايات المتحدة نفسها مضطرة لغزو إيران أو محاولة السيطرة على أراضٍ إيرانية. ولكن كما قال الخبير الإقليمي كينيث بولاك ساخرًا: «إذا أحببت الحرب على العراق، فستحب الحرب على إيران». والحقيقة أن عدد سكان إيران أكبر بثلاثة أضعاف من عدد سكان العراق في عام 2003. وتضاريس إيران جبلية أكثر من العراق، ولذلك يصعب على قوات الاحتلال السيطرة عليها.

يضيف التقرير أن جذور القومية الإيرانية تعود إلى آلاف السنين منذ الحضارة الفارسية، ولهذا، فالانقسام في الهوية الوطنية الذي حدث في العراق من المستبعد أن يحدث في إيران. ويشير التقرير إلى خطأ اعتقاد بعض المعلقين بأن الإيرانيين يرحبون بسقوط حكومتهم الاستبدادية، إلا أن التجارب في العراق وأفغانستان والصومال وفيتنام وغيرها يجب أن تذكر الأمريكيين بأن الغزاة الأجانب نادرًا ما يكونون موضع ترحيب. وخسرت إيران أكثر من نصف مليون شخص في حربها ضد العراق في ثمانينيات القرن الماضي بينما كان الإيرانيون يعتقدون أنها حرب مدفوعة من الولايات المتحدة لتدمير ثورتهم، مما حشد الشعب في مؤازرة النظام.

غطرسة ربما تقود إلى كارثة

يلفت التقرير إلى أن إيران قد صمدت بالفعل في وجه العقوبات الأمريكية المستمرة منذ عقود، بما فيها السنوات الثلاث الماضية طوال حملة «الضغط الأقصى»، وبدلًا من إثارة انتفاضة شعبية ضد الحكومة الإيرانية، وهو الأمر الذي يصر بعض القادة الأمريكيين المتشددين تجاه إيران أنه سيحدث، مكَّنت هذه الإستراتيجية المتشددين الذين يسيطرون على كل مؤسسات الدولة الرئيسة وثبَّتت أقدامهم أكثر.

يرى التقرير أن جزءًا كبيرًا من أسباب ذلك يعود إلى التصور السائد بأن ثقة الرئيس الإيراني آنذاك، روحاني، أن يحافظ الأمريكيون على التزاماتهم بالاتفاق النووي لعام 2015 كانت سذاجة لا أكثر. وفي الحقيقة أنه حتى قبل انسحاب ترامب من الصفقة، خابت آمال الإيرانيين في انتعاش اقتصادي في أعقاب رفع العقوبات؛ إذ بقيت عقوبات عديدة قائمة، بل وفُرض مزيد منها أيضًا.

سياسة

منذ 3 سنوات
لماذا تفشل العقوبات الأمريكية دائمًا في «تركيع» إيران؟

إن هذه ليست المرة الأولى التي تُعرب فيها إسرائيل عن قلقها من إيران ولا هي المرة الأولى التي يتصاعد فيها التوتر. ولكن في وقت ما، إما بدافع من الغطرسة أو التقدير الخاطئ، تصبح المواجهة العسكرية هي الأكثر احتمالًا من الحلول الأخرى. وإسرائيل لا تواجه خطرًا وجوديًّا بسبب إيران؛ إذ تُدرك طهران جيدًا أن لدى إسرائيل ترسانتها النووية الخاصة مع قدرتها على إيصال ضرباتها العسكرية إلى الأراضي الإيرانية باستخدام طائرات أمريكية الصنع أو صواريخ فرنسية الصنع أو غواصات ألمانية الصنع.

ومع تعبيرهم الأخير عن الأسف لما فعله نتنياهو من حثِّ ترامب للانسحاب من الاتفاق النووي عام 2015، أشار مسؤولون إسرائيليون كبار آخرون في الأمن القومي، معظمهم غادروا مناصبهم، إلى الحاجة إلى اتِّباع نهج مختلف مع إيران. ومع أنهم لم يكونوا راضين تمامًا عن الصفقة في ذلك الوقت، إلا أنهم يقولون الآن إن صفقة الاتفاق النووي كانت الإجراء الوحيد الذي نجح في التحقق من برنامج إيران النووي. وقال مدير المخابرات المركزية الأمريكية وليام بيرنز إنه لا يوجد دليل على أن إيران بدأت بالفعل في تسليح برنامجها النووي، ويستغرق قيامها بذلك عامًا أو اثنين. 

استبعاد الخيار العسكري هو النهج الأكثر عقلانية

يرى الكاتبان أن على المسؤولين الأمريكيين أن يتوقفوا عن التحدث عن طريق مسدود يكون فيه الخياران المطروحان الوحيدان هما عدم فعل أي شيء على الإطلاق أو شنِّ حرب. إذ يمكن خدمة المصالح الأمريكية عن طريق الانخراط في مناقشة عقلانية للقضايا التي تختلف فيها بلدهما مع إيران بدلًا من إطلاق التهديدات بأنه إن لم تلتزم طهران بالاتفاق الذي انتهكه الأمريكيون من جانبهم، فستكون العواقب وخيمة. ويجب أن تكون واشنطن واضحة أيضًا مع تل أبيب بأن أي هجوم إسرائيلي على إيران أو الأهداف الإيرانية سيكون له تداعيات سلبية خطيرة على علاقة الولايات المتحدة بإسرائيل. 

ويختم الكاتبان بالقول إن إدارة ترامب، بتشجيع من نتنياهو، ارتكبت خطأً فادحًا بالانسحاب من الاتفاق النووي، ودمَّر هذا الانسحاب الحوار الأمريكي الناشئ مع إيران، الذي كان من شأنه تهدئة التوترات في المنطقة، ومنح إيران ذريعة لإعادة تشغيل أجزاء من برنامجها النووي التي كان الاتفاق النووي قد قيَّده. كما أنها أثارت مخاوف بشأن نزاهة أمريكا في الوفاء بالتزاماتها، وعادت عواقب هذا الانتهاك الآن تطارد أمريكا في عقر دارها. مضيفًا في الختام: «لقد حان الوقت لإجراء مناقشات صادقة ومدروسة مع أنفسنا ومع شركائنا، وليس بالتهديدات الصارخة التي تحمل في طيَّاتها عواقب وخيمة».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد