يطرح فوز بوريس جونسون برئاسة وزراء بريطانيا عدة تساؤلات عن شكل العلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية، والمملكة المتحدة، ومصيرها في وجود ترامب. وما مصير «البريكست»، وكيف ستجري الأمور؟

في هذا الصدد تقدم مجلة «ذي أتلانتك» الأمريكية، في تقرير من إعداد الصحافيين توم مكتيج وبيتر نيكولاس، قراءة لخفايا العلاقة الوثيقة الحالية بين الزعيمين، الأمريكي دونالد ترامب والبريطاني جونسون.

كان ذلك مباشرة بعد الثامنة والنصف مساءً، وكان بوريس جونسون مع مجموعة من 20 سياسيًا ومتبرعًا في عشاء خاص بوسط لندن. في ذلك الوقت، 6 يونيو (حزيران) 2018، كانت بريطانيا غارقة في مأزق التفاوض للخروج عن الاتحاد الأوروبي (البريكست)، ولم يكن جونسون، الذي كان يشغل منصب وزير خارجية البلاد آنذاك، راضيًا عن طريقة تسيير رئيسة الوزراء تيريزا ماي للأمور.

وحين يكون جونسون بين دوائر الأصدقاء والحلفاء بعيدًا عن الأضواء، فإنه يطلق العنان لمشاعره الحقيقية للظهور، بحسب تقرير «ذي أتلانتك».

تقارب شخصي واختلافات عملية

يشير التقرير إلى قول جونسون وفقًا لتسجيل صوتي نشره موقع BuzzFeed في اليوم التالي: «تخيل أن دونالد ترامب يتفاوض للانفصال عن الاتحاد الأوروبي، سيعمَّد (في ذلك) إلى الطريق بالغ الصعوبة، وسيكون هناك كل أنواع الانقسامات والفوضى. سيعتقد الجميع أنه جن جنونه. لكن في الواقع ستصل إلى شيء ما».

Embed from Getty Images

وترى المجلة أن تخمين جونسون ذلك ينطوي ضمنًا على حكم دامغ بشأن تعامل ماي الحذر مع مفاوضات البريكست. فبعد مرور عام، وبعد إطاحة ماي من منصب رئيسة الوزراء، ربما كانت تعليقات جونسون حاسمة أيضًا في تعزيز مكانته في ذهن الرئيس الأمريكي باعتباره شريكًا عسكريًا في المحيط الأطلسي، مشيرة إلى أنه في عام 2015، حين كان جونسون يشغل منصب عمدة لندن، فقد انتقد علنًا ترامب قائلًا: إنه «(رجل) مجنون، ولا يصلح لشغل منصب رئيس الولايات المتحدة» ولم يكن للأمر أهمية كبيرة حينها.

بالنسبة لترامب، وفقًا للمجلة، فالثناء الخاص الذي سُرب هو الذي علق في ذهنه، إذ إن الطريق الأضمن لكسب ترامب هو الإطراء. كافأ الرئيس الأمريكي مؤخرًا جونسون بثناء نادر على سياسي بريطاني، واصفًا إياه بأنه «قوي» و«ذكي»، وعظَّم كليهما في حديثهما الهاتفي الأول بعد تولي جونسون رئاسة الوزراء من إمكانات تعزيز العلاقات الاقتصادية.

ورغم المحبة العلنية، ترى المجلة أنه لا تزال هناك اختلافات عملية خطيرة بينهما، موضحة أن فكل منهما يتبع نهجًا فلسفيًا إستراتجيًا في عدة قضايا، بدءً من كيفية التعامل مع إيران والتهديد الاستراتيجي الذي تشكله الصين، إلى تغير المناخ ومستقبل حلف الناتو والتجارة.

وأشارت إلى أن المصلحة الوطنية لبريطانيا لا تكمن في الواقع، كما جرى حسابها حاليًا في لندن، في مشروع ترامب «أمريكا أولًا»، ما يضع الزعيمين الآن ضد بعضهما البعض على الاستراتيجية الدولية الأساسية.

وبحسب تقرير «ذي أتلانتك» فالعديد من المسؤولين الحاليين والسابقين في لندن وواشنطن، الذين طلب معظمهم عدم الكشف عن هوياتهم للتحدث بصراحة عن الزعيمين وتفاعلاتهما سويًا، أشاروا إلى هذه الثغرة باعتبارها قضية تلوح في الأفق. هذا التوتر بين الشخصية والسياسة، ربما يحدد ليس فقط «العلاقة الخاصة»، بل أيضًا علاقة بريطانيا مع معظم أنحاء العالم.

يشير التقرير إلى أن ترامب وجونسون في محادثتهما الأولى كزعماء، والتي جاءت بعد مُضي يومين على تولي جونسون منصبه الجديد رئيسًا للوزراء، تحدثا عن «الفرصة غير المسبوقة» لتعزيز العلاقات الاقتصادية بين البلدين بعد البريكست، ومدى تطلعهما لرؤية بعضهما البعض في بياريتز في فرنسا، أثناء حضورهما قمة مجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى في أواخر أغسطس (آب).

وكانت تلك المناقشة، بحسب التقرير، هي الأحدث في سلسلة من التصريحات الإيجابية الأخيرة بينهما، وفيها أعطى ترامب لجونسون ما يراه مجاملة في نهاية المطاف قائلًا: «يلقبونه (ترامب بريطانيا)».

وقال بعض المسؤولين السابقين في البيت الأبيض، وفقًا التقرير: إن ترامب امتدح جونسون أيضًا، معتبرًا إياه شخصًا يتمتع بالثبات لتحقيق الهدف الذي استعصى على من سبقه: البريكست، مضيفين أنه في محادثات سابقة مع جونسون، قبل توليه رئاسة الوزراء، تحدث ترامب معه عبر الهاتف، أثناء زيارته الرسمية إلى لندن في يونيو، وبعدها غادر ترامب المملكة وهو معجب بجونسون.

علاقات استثنائية

تنقل مجلة «ذي أتلانتك» في تقريرها عن أشخاص مطّلعين على طريقة تفكير ترامب قولهم إن علاقته بجونسون تتناقض مع علاقته مع ماي، التي ساءت إلى درجة يرى عندها ترامب جونسون تحسناً لا جدال فيه، إذ أوضح لمستشاريه أنه لا يعتقد أنه كان لدى ماي متطلبات قيادة بريطانيا، وكان غاضبًا لخلافه مع ماي عام 2017، بعد أن أعاد مشاركة مقاطع فيديو مزيفة على «تويتر» نشرها قومي بريطاني يميني متطرف، بدا أنه يظهر رجالًا مسلمين يقومون بأعمال عنف.

وتشير إلى ما قاله مسؤول سابق في البيت الأبيض، أنه عندما انتقد متحدث باسم ماي الرئيس الأمريكي لمشاركته مقاطع الفيديو، كان ترامب غاضبًا بشكل خاص من رئيسة الوزراء. وأضاف هذا المسؤول: «قال ترامب إنها كانت «ضعيفة»، ولا تعلم ما تفعل، وكانت تقود الدولة إلى الحضيض، ونعتها بكل الإهانات والإخفاقات الممكنة».

وينقل تقرير المجلة عن سليت ويليمز، المسؤول التجاري السابق في البيت الأبيض في ظل حكم ترامب، والآن شريك في شركة أكين غامب للمحاماة: «الرئيس ترامب وماي شخصيتان مختلفتان، (لذا) يرى ترامب جونسون توأم روحه، وهذا يبشر بالخير لقدرتهما في التغلب على المشكلات».

Embed from Getty Images

العلاقات الشخصية لا تأتي أولًا

لكن إذا أثبتت أعوام ترامب الثلاثة شيئًا واحدًا، أن العلاقات الشخصية ذات أهمية محدودة مقارنة بالأمور العملية، بحسب التقرير، الذي أشار إلى أن علاقة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مع ترامب، التي توطدت في عشاء في برج إيفل، أصبحت متوترة في مواجهة الاختلافات السياسية، وفاز شينزو آبي رئيس الوزراء الياباني، الذي حافظ على علاقة شخصية جيدة مع ترامب، فاز بالقليل من التنازلات الواضحة من جانب الولايات المتحدة.

ونقل التقرير عن يليام رينش، الخبير التجاري في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن قوله: «سجل علاقات ترامب كلها قائم على مبدأ (أنت صديقي المقرب، طالما تفعل ما أريده بالضبط، وحينما تتوقف عن ذلك، سأهاجمك)».

وقال عن علاقة ترامب وجونسون: «يتطلب الحفاظ على علاقة جيدة مع ترامب عملًا كثيرًا، لأن الولاء لا يعمل إلا في اتجاه واحد. هم أصدقاء هذا الأسبوع، لكن هذا لا يعني أنهم سيكونون كذلك عندما يبدأون التفاوض حول اتفاقية تجارية، يمكن أن تحدث أشياء مريعة من حين إلى آخر».

اختلافات جوهرية

تعتقد مجلة «ذي أتلانتك» أن الصعوبة تكمن في الإبقاء على علاقة ترامب وجونسون؛ إذ سيزيد تقارب شخصيتيهما صعوبة هذه العلاقة، فعلى الصعيد السياسي، هناك اختلافات حقيقية بين واشنطن ولندن.

Embed from Getty Images

تضرب المجلة مثالًا على ذلك، بالإشارة إلى أن المملكة المتحدة لا تدعم سياسة الضغط الأقصى على إيران، وتحرص على الاستفادة لأقصى حد من النمو الاقتصادي الصيني والتكنولوجيا الرخيصة؛ ما يثير غضب وزارة الخارجية الأمريكية. ويمتد التعقيد إلى السياسة التجارية، بحسب المجلة، فعلى الرغم من انفتاح ترامب على إمكانية إبرام صفقة أنجلو-أمريكية للتجارة الحرة بعد البريكست، فهذه ليست هبة كاملة من الرئيس الأمريكي ليقدمها؛ إذ يمتلك الكونجرس سلطة الاعتراض على أي اتفاق يجري التفاوض عليه مع إدارة ترامب؛ مما يزيد من تعقيد الديناميكية الشخصية وتأثيرها العملي.

وما هو أكثر من ذلك – وفقًا للمجلة – هو أنه حتى التفاوض على صفقة تجارية بين البلدين سيشكل عقبات هائلة، مشيرة إلى أن الخبراء قالوا إنه على مدار عقود من الزمان، تبنت بريطانيا المعايير الأوروبية التي لن يكون من السهل التخلص منها. وترى المجلة أنه إذا قدم جونسون تنازلات إلى ترامب، وسمح لشركات الأدوية والمصالح الزراعية بالوصول إلى السوق البريطانية، قد يعرض رئيس الوزراء الجديد دعمه السياسي للخطر في الداخل.

وتنقل عن رينش قوله: إن «محاولة التفاوض على اتفاقية تجارية بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، تعني سؤال المملكة المتحدة عمن تريده شريكًا تجاريًا أسياسيًا الولايات المتحدة أو أوروبا، وقد أجابوا هذا السؤال منذ 20 عامًا مضت، نحن حلفاء وأصدقاء منذ وقت طويل، لكن البريطانيين مرتبطون بالقارة».

إمكانية جديدة

مع ذلك، ترى المجلة أن تقلب نهج جونسون في مسعاه إلى البريكست، المتمثل في حتمية الانفصال عن الاتحاد الأوروبي أيًا كانت نتيجته، فتح الباب أمام احتمال جديد: شراكة سياسية بين الزعيمين تعتمد على أهداف سياسية مشتركة بالإضافة إلى علاقة شخصية، والتي يمكن أن تعيد تشكيل العلاقة الخاصة بين الولايات المتحدة وبريطانيا.

ووفقًا لتقرير «ذي أتلانتك»، فقد كان هناك حتى الآن تردد شديد داخل الحكومة البريطانية في ترك الآثار المترتبة على البريكست تؤثر على حسابات السياسة الخارجية الأساسية الأخرى، وبشكل أساسي إيران؛ إذ تصطف المملكة المتحدة مع فرنسا وألمانيا في معارضة الولايات المتحدة، موضحًا أن كبار المسؤولين في لندن لا يزالون يأملون في عزل البريكست عن هذه الحسابات الاستراتيجية الأوسع لمكانة بريطانيا في العالم.

Embed from Getty Images

مع ذلك ففي مواجهة الاحتمال المتزايد للانفصال القاسي عن الاتحاد الأوروبي في 31 أكتوبر، اقترح مسؤولون حاليون وسابقون في واشنطن ولندن أن رئاسة جونسون للحكومة يمكن أن تعيد تشكيل السياسة الخارجية البريطانية، وتوجهها بشكل أكثر حدة تجاه الولايات المتحدة، بحسب التقرير.

وتقول المجلة: إن الصورة الجيوسياسية الكبيرة التي تتشكل الآن، هي صورة للولايات المتحدة في خلاف متزايد مع أوروبا، ومملكة متحدة تركز بشكل أساسي على نزاع مرير يمكن أن يضر علاقتها مع القارة لسنوات. في مواجهة التداعيات الدبلوماسية والاقتصادية المترتبة على البريكست، ربما يشعر جونسون أنه مجبر على التركيز على الولايات المتحدة بشأن مسائل السياسة الخارجية، بما في ذلك إيران وموقف بريطانيا من الصين، لتأمين الفوائد الاقتصادية والأمنية للعلاقات الوثيقة مع واشنطن.

وبحسب المجلة، فهناك شعور في المملكة المتحدة بأن تعميق العلاقة إلى حد كبير في هذا الصدد ربما يكون مغريًا لترامب، وسيتبع توضحيًا أكبر لتأثير الترامبية على العالم. لكن حتى في هذا الصدد، ترى المجلة إن الأمر لا يخلو من التعقيدات، مشيرة إلى ما قاله مسؤول سابق شارك في حملة البريكست، وعمل مع جونسون والعديد من أعضاء فريقه، إن المسؤولين المؤيدين للانفصال لم يكونوا بالغريزة يؤيدون أفكار ترامب في نظرتهم الفلسفية، حتى لو أعجبوا ببعض أجزاء إستراتيجيته.

وأشار المسؤول السابق نفسه إلى أن وزير الخارجية الجديد دومينيك راب، وهو محامي دولي سابق، يؤمن بالنظام القائم على القواعد، ويشعر بالارتياح لحسابات إدارة ماي بشأن مشاركة الصين وبريطانيا مع شركة هواوي، كما أنه مؤيد للموقف الأوروبي من إيران.

ودومينيك كامينجز، المستشار الرئيس لجونسون، يخضع كليًا لسيطرة وادي السيليكون، ويستحوذ عليه شعار «فيسبوك» القديم: «تحرك سريعًا وحطم الأشياء»، بحسب تقرير «ذي أتلانتك». ومع ذلك، فإن مدحه لما سماه «نقاط القوة العظمى للنظام الأنجلو-أمريكي» لم ينتقل إلى واشنطن وسياستها ومؤسساتها.

كتب كامينجز أن الاقتصاد الصيني من المرجح أن «يُحجّم» الاقتصاد الأمريكي على مدى العقدين القادمين، ووصف زعيمها شي جين بينغ بأنه «خطير ومختلف تمامًا عن الزعماء الغربيين المهووسين بدورات السياسة الداخلية التافه». اقترح كامينجز أن يتجنب الغرب الهزيمة بعدم محاولة «الفوز» في منافسته الاستراتيجية مع الصين.

وتقول المجلة في نهاية تقريرها إنه بغض النظر عن آراء جونسون وآراء موظفيه، يبدو أن جونسون لا يزال يحظى في أيامه الأولى في منصبه الجديد بعلاقة إيجابية مع ترامب. غير أن الرئيس الأمريكي سبق ونبذ حلفاء من قبل، لذا فمع افتقارها لأي شيء لتقدمه ستُطبَّق سياسة «أمريكا أولًا» على بريطانيا، تمامًا مثل: كندا، وفرنسا، واليابان، وغيرهم.

بوريس جونسون.. ماذا ينتظر العالم بعد وصول «ترامب البريطاني» إلى رئاسة الوزراء؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد