قالت تانيا دوم، وإيفانا سترادنر، في تحليل نشرته مجلة «فورين بوليسي» إنه على الرغم من أن البوسنة والهرسك لم تنزلق في أتون حرب شاملة منذ عام 1995، فإن البلاد لم تكن قط أقرب إلى أزمة عِرقية أخرى مما هي عليه اليوم. تعمل روسيا، مدفوعةً بالاضطرابات في كلٍّ من الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، على تأجيج الانقسامات العِرقية في البوسنة، في حين يقف الاتحاد الأوروبي متفرجًا بينما تقترب البوسنة من حافة الهاوية. ويلفت التحليل إلى أنه قد حان الوقت لكي تتدخل الولايات المتحدة، بدلًا من انتظار الخاتمة الكارثية لهذه التطورات الخطيرة.

وأوضحت الكاتبتان أن أهمية البوسنة بالنسبة للقوى الغربية ولروسيا تكمن في أنها تقع مباشرةً عند تقاطع النفوذ الروسي والناتو. يدرك الغرب بعض الإمكانات التي يمكن أن تمتلكها البوسنة، إذا جرى ضمها إلى الناتو، لكن يبدو أنه لا يفهم تداعيات انزلاق البلاد إلى الفوضى التي يسببها الكرملين. ويوضح التحليل أن روسيا تمارس ما وصفه بـ«هوايتها المعتادة»: فكما حاولت دون جدوى منع الجبل الأسود ومقدونيا الشمالية من الانضمام إلى الناتو، تحاول أيضًا وقف تطلعات البوسنة نحو الهدف نفسه.

دولي

منذ شهرين
«فورين بوليسي»: هل تخطط روسيا لغزو أوكرانيا؟

على الرغم من إصرار روسيا علنًا على مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية، فقد هدد الكرملين مؤخرًا بشكل علني البوسنة بشأن محاولتها الانضمام إلى الناتو. أما داخل البوسنة، عمل العضو الصربي في رئاسة البوسنة ميلوراد دوديك، الذي فرضت عليه الولايات المتحدة عقوبات في يناير (كانون الثاني) 2017، بجدٍّ مع المسؤولين الروس لتعطيل الديمقراطية البوسنية وإفسادها. لعدة سنوات، دعا دوديك الأغلبية الصربية للانفصال عن البوسنة والاندماج مع صربيا، محققًا الحلم القومي المتمثل في «صربيا الكبرى». وبطبيعة الحال، نفت روسيا أي تدخل في انتخابات 2018 في البوسنة. واتهم دوديك الولايات المتحدة بالتدخل بدلًا من ذلك.

ويشير التقرير إلى أن مساعي التأثير الروسية لا تقتصر على صرب البوسنة فقط، فمنذ أن أنهت اتفاقية دايتون حرب البوسنة في عام 1995، ظلت البلاد متماسكة من خلال توازن دقيق بين كتلتين سياسيتين؛ جمهورية صرب البوسنة التي يديرها الصرب، واتحاد البوسنة والهرسك ذي الأغلبية البوسنية. ولكن رفضَ الكروات البوسنيون اتفاقية دايتون وأصروا على وجود كتلةٍ سياسيةٍ خاصةٍ بهم. أدى إنشاء كيان سياسي كرواتي إلى مزيد من الانقسام في البلاد، مما أدى إلى إضعاف الحكومة.

Embed from Getty Images

بطبيعة الحال، دعمت روسيا ادعاءات الكروات بالتمييز ومطالبتهم بكيان إداري ثالث لسنوات عديدة. يواصل دراجان كوفيتش، العضو السابق في رئاسة البوسنة، والزعيم الحالي للحزب السياسي القومي الكرواتي والديمقراطي الكرواتي، التودد إلى المسؤولين الروس، الذين دعموا منذ فترة طويلة إنشاء كيان ثالث وعارضوا عضوية البوسنة في الناتو.

خطة سرية لإعادة رسم الحدود في المنطقة

ازدادت سخونة هذه القضايا مؤخرًا عندما ظهرت وثيقة مثيرة للجدل تُعرف باسم «ورقة عمل غير رسمية بشأن البلقان». تشير الوثيقة، التي يُشتبه في أنها صادرة عن مكتب رئيس الوزراء السلوفيني يانيز يانشا – حليف وثيق آخر لروسيا – إلى مكائد أجنبية لإعادة ترسيم الحدود الإدارية للبوسنة على أسس عِرقية، جنبًا إلى جنب مع البلقان على نطاق أوسع. تشير المذكرة الغامضة إلى أن جمهورية صرب البوسنة ستنفصل عن البوسنة، وأن كوسوفو وألبانيا ستتوحدان، وأن كوسوفو وصربيا ستوقعان اتفاقًا لتبادل الأراضي.

على الرغم من مثل هذه الحالات الصارخة للتدخل الروسي والتقرير الأخير لوزارة الخارجية الأمريكية الذي يؤكد العمليات الخبيثة لروسيا في البوسنة – كما تنوِّه الكاتبتان – صرح يوهان ساتلر، سفير الاتحاد الأوروبي في البوسنة، مؤخرًا أنه لم يلاحظ زيادة في النفوذ الروسي هناك. جرى انتخاب وزير الزراعة الألماني السابق، كريستيان شميدت، لقيادة مكتب الممثل الأعلى، الهيئة الدولية التي تشرف على تنفيذ اتفاقية السلام التي أنهت حرب البوسنة. إذا فشل شميدت، فإن روسيا ستبتهج.

وفي غضون ذلك، فإن تجاهل المشكلة سيجعلها أسوأ. يجب على واشنطن أن تحذر بشكلٍ خاصٍّ من جهود كوفيتش ودوديك، اللذين هددا بعدم المشاركة في انتخابات مستقبلية دون إجراء إصلاح انتخابي على هواهما، لنزع الشرعية عن الديمقراطية. استغل كوفيتش ودوديك قرارًا مثيرًا للجدل صدر عام 2016 عن المحكمة الدستورية في البلاد والذي دعا إلى تغييرات في قانون الانتخابات الفيدرالي الذي يحكم كيفية انتخاب مجلس الشعب، وهو مجلس الشيوخ في البرلمان البوسني، من كانتوناته العشرة. قررت المحكمة أن التمثيل المنتخب الحالي للبوشناق والكروات والصرب «يتعارض» مع مبدأ المساواة الوارد في دستور البوسنة.

جاء هذا القرار بعد حكم في عام 2009 أصدرته المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، والذي وجد أن الدستور يميز ضد المواطنين الذين ليسوا أعضاءً في المجموعات العِرقية ذات الأغلبية (البوسنيين أو الصرب أو الكروات)، ويمنعهم من تقلد منصب أعلى في الرئاسة أو مجلس الشعب.

في هذا السياق – تضيف الكاتبتان – تطرق أول اتصال لوزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكين مع الحكومة البوسنية إلى هذه الإصلاحات الدستورية ذات الصلة، بما في ذلك جدول الأعمال الاقتصادي ومكافحة الفساد الذي التزمت به إدارة بايدن بالشراكة مع الحكومة البوسنية في المستقبل. لكن لم يتضح بعد ما الذي سيحققه هذا الالتزام المتواضع. يتطلب قرار محكمة الاتحاد الأوروبي إجراء تعديلات دستورية، وأيًّا كان ما يقدمه الأمريكيون، كما نصح بلينكين في رسالة في مارس (آذار) إلى الرئاسة البوسنية، يمكن أن يتلاعب به القوميون مما يؤدي إلى مزيد من الديكتاتورية في البوسنة، مع خيارات مثل الانتخابات غير المباشرة للرئاسة الثلاثية بواسطة البرلمان، مما يعزز قوة الأحزاب السياسية القومية.

أمريكا قادرة على دعم البوسنة

وترى الكاتبتان أنه يجب على الرئيس الأمريكي جو بايدن، الذي يتمتع بخبرة كبيرة في البلقان منذ تسعينيات القرن الماضي، أن يدفع نحو دعم الديمقراطية في غرب البلقان مرةً أخرى. أولًا: بناءً على دعمها المعلن للبوسنة في متابعة «الإصلاحات التي ستمكنها من الازدهار، وتأمين وضعٍ يؤهلها للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي»، يجب على الولايات المتحدة أن تواصل جهودها لدفع عضوية البلاد في الناتو بسرعة. لقد أثبتت البوسنة وحلف شمال الأطلسي بالفعل نجاحًا في مجموعة من المبادرات، بما في ذلك التدريبات العسكرية المشتركة.

Embed from Getty Images

ثانيًا: يجب على الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي التحقيق بشكلٍ مشترك في التدخل الروسي المباشر وغير المباشر وفضحه، ودعم جهود البوسنة للحفاظ على سيادتها ضد القوى المعادية.

ثالثًا: يجب استخدام اجتماع مجموعة الدول السبع المرتقب في يونيو (حزيران) فرصةً لعقد اجتماعات جانبية بين الولايات المتحدة وألمانيا والاتحاد الأوروبي لبدء المناقشات حول إستراتيجية لتعزيز الديمقراطية في البوسنة من خلال رعاية مكتب الممثل السامي لحقوق الإنسان. يشغل الأمريكيون دور نائب الممثل الأعلى، وهذا هو الوقت المناسب لجلب موظفين جدد للمضي قدمًا في أيِّ إستراتيجية متفقٍ عليها. كما يجب أن تحافظ الولايات المتحدة وألمانيا على اتصال وثيق، ويمكنهما الاستفادة من قمة بايدن المخطط لها من أجل الديمقراطية؛ منصةً للنقاش العام حول هذه الإستراتيجية والعملية المطبوخة بالكامل.

يجب على الاتحاد الأوروبي على وجه الخصوص أن يتصدى بشكلٍ علنيٍّ لمسألة محاولة الحكومة السلوفينية لإعادة رسم الحدود الإدارية للبوسنة، وفي انتظار نتائج التحقيق، يبرز تساؤل حول تولي سلوفينيا رئاسة مجلس الاتحاد الأوروبي في 1 يوليو (تموز).

ليس حتميًّا أن تعود البوسنة إلى الفوضى التي عانت منها في التسعينيات – كما تقول الكاتبتان – ولدى القوى الغربية خطوات واضحة وقابلة للتنفيذ لحمايتها من ذلك. في الوقت الذي تعمل فيه البلاد على سن الإصلاحات الضرورية، بالإضافة إلى سعيها للانضمام إلى حلف الناتو والاتحاد الأوروبي، فإن أفضل استجابة لمحاولة روسيا تمزيق نسيجها الاجتماعي هي مضاعفة الاتجاهات الإيجابية المؤيدة للديمقراطية في البلاد. إن الفشل في التصرف، كما يفعل الاتحاد الأوروبي حاليًا، هو دعوة إلى الاضطرابات.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد