قال عابد شريف في مقال له على موقع «ميدل إيست آي» إن الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة يحاول جاهدًا الالتفاف على الحراك الشعبي غير المسبوق في الجزائر بحيل متعددة، ويوضح ما إذا كان سينجح في ذلك أم لا. وإليكم ترجمة المقال بالكامل:

بعد أكثر من أسبوع من عدم اليقين، يبدو أن الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة قد استعاد السيطرة، في محاولة لإيجاد حل لوضع خطير للغاية.

6 مشاهد من الميدان.. كيف جعلت الانتفاضة الجزائر أفضل من السويد؟

بعد أن توقع أن تخرج حشود ضخمة للشارع الجزائري في 15 مارس (آذار)، يريد الرئيس الجزائري من خصومه، ولكن خاصة حلفاؤه وشركاؤه، أن يعلموا أنه يمسك بزمام الأمور وينوي البقاء في منصبه.

بوتفليقة، الذي دخل المستشفى في سويسرا في الفترة من 24 فبراير (شباط) إلى 10 مارس، شاهد الأمور تنهار. كان الشارع يهدر، والنظام السياسي لم يعد يظهر تماسك نفسه. فبعد أن فقد مصداقيته بشدة، أُجبر على التزام الصمت. حتى اضطر البعض إلى الإشادة بالمتظاهرين الذين تعرضوا للقدح يوميًا.

حيل بوتفليقة غير القانونية

هذا الأسبوع، أخطر بوتفليقة الجزائريين بأنه لا يزال سيد اللعبة. ففي تحول مذهل، قرر تأجيل الانتخابات الرئاسية المقرر إجراؤها في 18 أبريل (نيسان) بشكل غير قانوني، وذكر ضد جميع الأدلة أنه لم يكن ينوي الترشح لولاية خامسة، على الرغم من تقديم ترشيح باسمه إلى المجلس الدستوري بواسطة مدير الحملة.

كما وعد بوتفليقة بحزمة إصلاحات، بما في ذلك تدشين مؤتمر وطني ومراجعة دستورية، تتصدرها انتخابات رئاسية لن يكون فيها مرشحًا. وخلال هذه العملية، تم استدعاء وزير الداخلية السابق نور الدين بدوي ليحل محل رئيس الوزراء السابق أحمد أويحيى. وتم تعيين رمضان لعمامرة نائبًا لرئيس مجلس الوزراء، وهو منصب تم استحداثه.

رئيس الأركان الجزائري أحمد قايد صالح

من المتوقع أن يروج لعمامرة، وهو وزير خارجية سابق، لقرارات الرئيس في الخارج. وهو يحظى بدعم من الدبلوماسي الجزائري المخضرم، الأخضر الإبراهيمي، الذي لا يشغل أي منصب رسمي. بدأ الرجلان على الفور بالتحدث يوم الأربعاء، كل واحد منهما ساعة على حدة، في الإذاعة والتلفزيون العام. وكان من المقرر عقد مؤتمر صحفي يوم الخميس.

تهدف هذه العملية إلى ضمان نجاح خدعة الرئيس الجزائري. فقد قال أحد المتظاهرين في الجزائر العاصمة لميدل إيست آي «لم نكن نريد انتخابات رئاسية ستؤدي حتمًا إلى ولاية بوتفليقة الخامسة، والآن لدينا بوتفليقة ولكن بدون انتخابات».

لويزة آيت حمادوش، أستاذة العلوم السياسية بجامعة الجزائر، قالت إن بوتفليقة «يتخلى عن الولاية الخامسة لكنه يمدد فترة الولاية الرابعة، مما يشكل مشكلة قانونية كبرى. فبحلول 28 أبريل (نيسان)، لن يكون قادرًا من الناحية القانونية على ممارسة مسؤولياته».

تحدث مصطفى بوشاشي، المحامي والسياسي السابق وأحد قادة الاحتجاج، عن «تلاعب كبير» تم تنفيذه في «انتهاك للدستور»، مشيرًا إلى أن «تكليف الحكومة بإدارة المرحلة الانتقالية يكشف عدم الجدية». وتعهد بمواصلة الاحتجاج.

الحفاظ على وحدة النظام

لكن بالنسبة لبوتفليقة، فإن التهديد الرئيسي ليس في الشوارع بل داخل الحكومة. فالأمر الأكثر أهمية هو الحفاظ على دعم الجيش والأجهزة الأمنية. ويحتاج إلى الحفاظ على الوحدة في الدوائر من حوله، حتى لو كان ذلك يعني إقالة أويحيى، الذي تبلور حوله بعض من الغضب الشعبي ومطالبة الآخرين بالتزام الصمت.

بالنسبة للجيش، لا يزال الوضع تحت السيطرة. وهذا مريح بشكل خاص لبوتفليقة بعد أن أثار قائد أركان الجيش أحمد قايد صالح المخاوف في السابق. فبعد وصفه المتظاهرين بأنهم «مضللون»، قام رئيس الجيش بتغيير كبير في نبرته، قائلاً يوم الأحد «الشعب والجيش لديهما رؤية مشتركة للمستقبل».

ومع ذلك، قال بوتفليقة بنفسه في 11 مارس (آذار) إنه «يفهم المتظاهرين ويشيد بالطابع السلمي» للاحتجاجات، مما يشير إلى أن تغيير نبرة قايد صالح كان مؤثرًا. وفي الوقت نفسه، كان التغيير ملحوظًا بين الرجال الذين يتصرفون تقليديًا لصالح دائرة بوتفليقة. وقد شوهد هذا في الحكومة ووسائل الإعلام العامة وسديم المنظمات التي تنجذب حول الرئاسة.

تهدئة المحتجين

كان يمكن أن يعني ذلك وصول فرق جديدة، ولكن ما حدث هو استبدال موظفين جدد لهم نفس الخلفية أو قادمين من نفس المصفوفة بالرجال الذين يعتبرون أقل فاعلية -أو الذين أصبحوا غير محبوبين- كان أكثرها رمزية هو استبدال بدوي بأويحيى.

بالنسبة لبوتفليقة، فقد حان الوقت لتنفيذ ترتيبات سياسية لاحتواء الشوارع والحفاظ على أجندته الخاصة حتى صيف عام 2020. من الصعب تخيل عقد مؤتمر وطني واستفتاء دستوري وانتخابات رئاسية قبل ذلك التاريخ. كان قد اقترح بالفعل هذا وهو لا يزال يترشح للمنصب في 3 مارس (آذار).

أما بالنسبة للشارع، فإن بوتيفليقة يوليه القليل من الاهتمام. في الوقت الحالي، المهم هو تهدئة المحتجين من خلال استعارة مفرداتهم، أو حتى إغوائهم. ثم ستأتي المناورات والمؤامرات. هذا أمر لا يخص بوتفليقة وحده، بل الحكام الجزائريين عمومًا، رغم أن الرئيس الحالي رفع الاستراتيجية إلى آفاق جديدة.

رئيس الوزراء الجديد نور الدين بدوي

لاحظ ناشط سابق بخيبة أمل أنه «في عهد بوتفليقة، بعد كل حملة احتجاج، يتم تجنيد المتظاهرين البارزين في فرق من مستشاري الوزارة».

لا يمكن لقادة المعارضة البارزين مقاومة هذا الإغواء، بما في ذلك رئيس حزب التجمع الدستوري الديمقراطي السابق السعيد سعدي، الذي أيد ولاية بوتفليقة الأولى، أو خليدة تومي، التي كانت وزيرة للثقافة منذ ما يقرب من عقد من الزمان.

حالة بن جديد

ولكن هذه المرة، اللعبة أكثر تحديًا. فقد نظمت نسبة كبيرة من السكان احتجاجات حاشدة، على الرغم من الحظر المفروض على هذا النشاط، وكان المطلب الرئيسي هو إنهاء رئاسة بوتفليقة. كانت التعبئة مثيرة للإعجاب وتعد بالنمو بشكل مطرد، كما حدث خلال عطلات نهاية الأسبوع الثلاث على التوالي.

هذه المرة، لا يكفي التحايل لإخراج الحركة عن مسارها. إذ يجب على بوتفليقة أن يتذكر بالتأكيد المسار الذي سلكه الشاذلي بن جديد، الذي شغل مصب الرئيس من 1979 إلى 1992 ، ونجح في البقاء بعد أعمال الشغب التي اندلعت في أكتوبر 1988 من خلال الانخراط في عملية الديمقراطية والإصلاحات الجريئة.

لكن بن جديد كان مقتنعًا بأهمية هذه الإصلاحات، وهو ما لا ينطبق على بوتفليقة، الذي يعتبرها شرًا ضروريًا للحفاظ على سلطته. وبصرف النظر عن مؤيديه، من الصعب العثور على أشخاص يؤمنون برغبته في الإصلاح. وهذا يدل على الجمود الذي يجد هذا الرجل المريض للغاية، الذي تطارده السلطة، نفسه فيه في نهاية حياته.

«فاينانشال تايمز»: من يحكم الجزائر فعلًا منذ مرض بوتفليقة؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد