يشير فيلم وثائقي جديد حول تجربة التربية المدنية في المدارس الثانوية إلى أن الشباب الأمريكي يقلد ببساطة السياسات الانتخابية المعيبة التي يرونها في بلادهم.

كتب ديفيد سيمز محرر الثقافة في مجلة «ذي أتلانتك» مقالًا حول فيلم تسجيلي عن برنامج يديره «الفيلق الأمريكي»، وهي مؤسسة غير ربحية، لاستكشاف وجهات نظر المراهقين الأمريكيين حول الأوضاع السياسية من خلال إتاحة الفرصة لهم لتنظيم أنفسهم سياسيًّا وإجراء انتخابات على منصب الحاكم وما يصاحب ذلك من جدل، وإبراز وجهات النظر حول الشؤون العامة. ويقول الكاتب: «إن البرنامج يبدو إلى حد ما محبطًا؛ حيث إن الشباب بدلًا عن البحث عن مستقبل أفضل لبلادهم يكررون نفس الألاعيب الحزبية والتكتيكات الرخيصة المُستخدَمة في السياسة الحالية».

ألعاب حزبية وتكتيكات رخيصة

«دولة الفتيان Boys State» عبارة عن فيلم وثائقي حول تجربة التربية المدنية في المدارس الثانوية، والذي يقدم نسخة أكثر غرابة، ولكنها غير مميتة من رواية «أمير الذباب» للكاتب البريطاني وليام جولدنج.

في كل عام يحل أكثر من ألف شاب، تتراوح أعمارهم بين 16 و17 عامًا، ضيوفًا على مبنى الكابيتول بولاية تكساس للمشاركة في تشكيل حكومة صورية: ينقسم الشباب إلى أحزاب سياسية، وينتخبون أعضاءً في مناصب تشمل رئيس المؤتمر الحزبي وقاضي المحكمة العليا، ويتنافسون على أعلى المناصب، وهو منصب حاكم البلاد. ويمكن أن يخرج المرء من الفيلم إما متفائلًا بالمستقبل بسبب مشاركة الشباب المتحمسين، أو يائسًا من الألعاب الحزبية والتكتيكات الرخيصة التي يستخدمها كثيرون منهم للوصول إلى القمة.

Embed from Getty Images

بعبارة أخرى يروي الفيلم الوثائقي قصة الواقع السياسي في أمريكا. وقد عُرِض المشروع الأخَّاذ لأول مرة على شبكتي «أبل تي في بلس» و«فرايداي» – قبل أقل من 100 يوم من انتخابات يتوقع لها أن تكون محل نزاع شديد قد يستغرق البلاد. (جدير بالذكر أن لورين باول جوبز، رئيسة مجموعة «إيمرسون كولكتيف»، ومالكة الأغلبية في مجلة «ذي أتلانتيك» واحدة من المنتجين التنفيذيين للفيلم). ويظهر في الفيلم الوثائقي لجيسي موس وأماندا ماكبين، الذي عرض لأول مرة في مهرجان صندانس السينمائي لهذا العام، شباب مفعمون بالحيوية تتناقض أفعالهم مع نياتهم الطيبة. لكن في أسبوع واحد فقط من أحداث الفيلم، يصطدم هذا التفاؤل المثير بالوقائع الوحشية للسياسة الحديثة ورجولة المراهقين الأدائية.

يدير الفيلق الأمريكي وهي مؤسسة غير ربحية برنامج دولة الفتيان (والبرنامج الشقيق دولة الفتيات) في مواقع عديدة في جميع أنحاء البلاد، ومن بين الخريجين المشهورين بيل كلينتون وديك تشيني وكوري بوكر وخريجين غير سياسيين مثل مايكل جوردان وبروس سبرينجستين. وعند وصولهم إلى مدينة أوستن بولاية تكساس، ينقسم الطلاب في الفيلم إلى حزبين – فدراليين وقوميين – ومن ثم يُكلَّفون بتطوير برامج سياسية، وإعداد قوائم من المرشحين للتنافس في انتخابات ضد بعضهم البعض. ويهدف هذا التمرين إلى التشجيع على التوصُّل إلى الحلول الوسط، وبناء آراء توافقية. غير أن ما يسفر عنه الأمر، بشكل غير مفاجئ، يُعد أكثر تعقيدًا بكثير.

أصداء السياسة المعاصرة

وأوضح الكاتب أن موس وماكبين يقدمان البرنامج بأكمله في صورة منافسة مثيرة، مع التركيز على شخصيات مختلفة تُعد أشبه «بالنجوم». ويبدو أن سياسة جماعة المراهقين تميل إلى اليمين، وربما تعكس مكانة تكساس كولاية تصوت للجمهوريين، لكن الفيلم يبرز مشاركين من مختلف الأطياف السياسية. ومع ذلك، فإن الأمر الأكثر جاذبية من معتقدات الطلاب، يتمثل في الطرق التي تكرر بها مناقشاتهم الحزبية المتشددة أصداء السياسة المعاصرة، بدلًا عن تخيل الشكل الذي يمكن أن يبدو عليه مستقبل مختلف.

وفي أحداث الفيلم تُجرِي الأحزاب القومية والفيدرالية نقاشاتٍ داخلية شرسة حول حقوق الإجهاض والرقابة على الأسلحة، ويقرأ فيها عدد من الطلاب سطورًا مُسجَّلة تتناسب مع ما تبثه القنوات الإخبارية. أحد المشاركين يُدعى روبرت ماكدوجال، وهو مراهق يتمتع بشخصية كاريزمية ويضع عينيه على منصب الحاكم، يعترف أمام الكاميرا أنه شخصيًّا مؤيد لحق الاختيار بشأن الإجهاض، على الرغم من اتخاذه موقفًا متشددًا مناهضًا للإجهاض أمام الجمهور. ويقول: «أشارك في هذا وكأني ألعب لعبة، وفي بعض الأحيان لا يمكنك أن تبوح بما تؤمن به من أعماق قلبك». وهناك مجموعات منشقة أخرى تجذب اهتمامًا مبالغًا فيه إلى المفاهيم التي تتصدر العناوين الرئيسة مثل الانفصال عن الولايات المتحدة، أو مساءلة القادة المنتخبين، على الرغم من عدم إمكانية حصولهم على دعم الأغلبية.

هذه هي الطريقة التي يبدأ بها برنامج دولة الفتيان في إثارة للشعور بالواقعية المحبطة. وفي البرنامج، لا يرسم الشباب طريقًا أفضل للبلاد، بل يعكسون ببساطة الطريقة التي تسير بها أمور السياسة. ويبدو معظم الطلاب المشاركين، حتى المهتمين بالسياسة، والمتشائمين ومثيري القلاقل من ذوي الروح العالية، لطفاء ومهتمين بالمشاركة. وعندما يحتد الغضب تُطرح الحجج بقدر ضئيل من اللياقة السياسية. لكن هذا جزءًا من المشكلة: إن الكياسة ذات المظهر الخادع وفن الفوز بالخداع لا يفعلان الكثير لحل عدم قدرة هؤلاء الفتيان على القبول بحلول وسط.

تكتيكات الصدمة التي تركز على الفضائح

ولفت الكاتب إلى أن أكبر نجوم الفيلم هو ستيفن جارزا، وهو مراهق من أصول لاتينية معسول اللسان من منطقة هيوستن، يقول إن اهتمامه بالسياسة نشأ خلال حملة بيرني ساندرز الرئاسية لعام 2016.

Embed from Getty Images

على الرغم من أن جارزا لا يشعر بالخجل من سياساته ذات الميول اليسارية، إلا أنه يصبح بطلًا خاسرًا في الحرم الجامعي بسبب أسلوبه غير الاستعراضي في التحدث أمام الجمهور. وفيما يروي الفيلم قصة انتخابات حكام الولايات الكبرى في فصلها الأخير، يُعد مسار ترشيح جارزا أكثر ما يلفت الانتباه، حيث يبرز بالتوازي مع النزعة المحافظة الحماسية لبن فينشتاين، وهو منافس أكثر مهارة في حشد الرأي العام باستخدام تكتيكات الصدمة التي تركز على الفضائح.

غير أن دولة الفتيان تصبح أكثر جاذبية عندما تركز على اللحظات الصغيرة من الحنان، بدلًا من الغضب الذي يغذيه هرمون التستوستيرون. وتكتشف كاميرات موس وماكبين المتجولة لقطات مدهشة للصداقة والدعم بين القوميين والفيدراليين، حتى عندما يعبرون بصوت عالٍ عن خلافاتهم مع بعضهم البعض. 

ويختتم الكاتب مقاله قائلًا: لذا حتى بينما شعرتُ بالقلق من الألفة المحبطة للمناقشات – مع القليل من الاعتراف بأنواع القضايا البيئية والمالية التي سيتعين على الأجيال القادمة القلق بشأنها – كنتُ أبتهج عندما أشاهد أي حالة من التعاطف أو التراحم، على أمل أن تكون بمثابة علامات واعدة. ويُعد دولة الفتيان فيلمًا ملهمًا ومرعبًا في بعض الأحيان، وهذا يليق بنظرته إلى الحاضر والمستقبل السياسيين في أمريكا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد