تعتقد أدمغتنا أن امتلاك 10 دولارات اليوم أكثر فائدة من امتلاك 100 دولار العام المقبل.

نشر موقع بيج ثينك الأمريكي تقريرًا للكاتب ستيفن جونسون أعطى فيه بعض النصائح التي تساعدنا في توفير المال، معتمدًا على فهمه للطريقة التي تعمل بها أدمغتنا، والتي يرى أنها طوّرت أنظمة يصعب معها التضحية بما نملك اليوم من أجل المستقبل.

يسأل الكاتب في بداية تقريره: إذا وجدت 100 دولار على الرصيف، فكيف ستنفقها؟ ربما يتبادر إلى ذهنك أن تطلب بيتزا، أو تشتري حذاءً جديدًا، وغالبًا ما سيكون خيار ادخارها في حساب التقاعد الخاص بك هو الخيار الأقل إثارة؛ إذ يبدو الادخار وكأنك ترمي أموالك، أو تمنحها لشخص غريب لا تراه.

ربما لا يكون لديك حساب تقاعد حتى الآن؛ إذ خلص استطلاع رأي نُشر في مارس (آذار) عام 2021 إلى أن ربع البالغين في الولايات المتحدة لا يملكون مدخرات للتقاعد، وحتى الأشخاص الذين يدخرون الأموال، لا يدخرون ما يكفي منها. بالطبع هذا ليس بالضرورة فشلا أخلاقيًا، بل بدافع الاضطرار؛ فحسبما يشير التقرير هناك واحدة من كل 10 أسر أمريكية تعيش في فقر، وأدت جائحة كورونا إلى ارتفاع معدل الفقر الوطني إلى أكثر مستوياته حدة على الإطلاق.

ريادة أعمال

منذ 4 شهور
هل تعاني من الهوس بالإنتاجية الزائدة؟ 4 نصائح قد تنتشلك من فخ «عدم الرضا»

ولكن حتى الأشخاص الذين يستطيعون ادخار المال لا يفعلون ذلك في كثير من الأحيان. فعلى سبيل المثال خلصت دراسة أجريت عام 2011، شملت موظفي سبع شركات كبرى، إلى أن ما يقرب من 40% من العاملين لم يستثمروا ما يكفي في خطتهم التقاعدية.

ليس بالضرورة أن يكون عدم ادخار المال للمستقبل خطأً، ولكن ضع في اعتبارك الإحصائيات التي تقول إن متوسط حساب المدخرات للأمريكيين الذين تتراوح أعمارهم بين 55 – 64 يقدّر بـ12 ألف دولار فقط. أي إذا سحب المتقاعد من هذه الأموال على مدار الـ15 سنة التالية، فهذا يعني أنه سيحصل على أقل من ألف دولار في الشهر، أي سيعيش تحت خط الفقر.

ماذا عن الضمان الاجتماعي؟ من المتوقع أن تنفد الاحتياطات بحلول عام 2035، وعندها سيحصل المستفيدون على مبلغ أقل بكثير مما كان متوقعًا. إذا كان ذلك كذلك، فلماذا لا يدخر الناس أكثر من أجل تقاعدهم؟

الانفصال بين ذواتنا في الحاضر والمستقبل

يسأل الكاتب: بعد مرور 50 ثانية من الآن، هل ستكون نفس الشخص؟ ماذا عنك بعد مرور 50 يومًا أو 50 سنة؟ بالتأكيد يتفق معظمنا على أننا سنكون الشخص نفسه بعد مرور عدة عقود من الزمن، إلا أن الأبحاث العصبية تشير إلى أن أدمغتنا تتعامل مع هذه التجربة الفكرية بطريقة مختلفة.

Embed from Getty Images

أظهرت مجموعة كبيرة من دراسات تصوير الدماغ أن التفكير في أنفسنا يُنشّط منطقة في الدماغ تسمى قشرة الفص الجبهي. ولكن عندما نفكر في أناس آخرين، يهدأ عمل هذه المنطقة، ويزداد ذلك الهدوء كلما فكرنا في أشخاص لا يجمعنا معهم سوى القليل من القواسم المشتركة. ولاحظت الدراسات أن قشرة الفص الجبهي تهدأ أيضًا عندما نفكر في أنفسنا في المستقبل.

بعبارة أخرى نحن نرى ذواتنا في المستقبل كغرباء يصعب التواصل معهم عاطفيًا. وجاء في تقرير صدر عام 2011 أنه «إذا كان الناس يميلون إلى اعتبار أن ذواتهم المستقبلية غريبة عنهم، أو كان إحساسهم بهذه الذات على المستوى العاطفي أنها مثل أي شخص آخر، عندئذ لا يكون لديهم سبب منطقي لتوفير أموالهم من أجل هذه الذات، وسينظرون للادخار وكأنه إعطاء أموالهم لشخص غريب».

يمكن أن يساهم عدم القدرة على التواصل مع ذواتنا في المستقبل في حدوث ظاهرة تسمى «التفضيل الزمني»، حين لا نهتم بالنتائج المستقبلية وينصب تركيزنا على النتائج الفورية. لسبر أغوار هذه الظاهرة، طلبت دراسة أجريت عام 2008 من الطلاب المشاركين بأن يشربوا سائلًا مثيرًا للاشمئزاز لصالح العلم. سجل بعضهم لشربه في اليوم نفسه، والبعض الآخر اختاروا أن يتناولوا السائل بعد أشهر.

المجموعة التي سجلت لشرب السائل في اليوم نفسه، اختارت أن تشرب مقدار ملعقتي طعام، أما المجموعة الأخرى فاختارت أن تشرب حوالي نصف كأس. يبدو الأمر تمامًا مثل المماطلة في أداء العمل، أو تأجيل دفع فاتورة بطاقة الائتمان، فمن الأسهل نفسيًا وعاطفيًا أن نرمي بمشاكل اليوم على ذواتنا المستقبلية.

الدماغ في صراع.. بين المكافأة والعادة والتفكير

يلفت التقرير إلى أن الدماغ، كما هو حال ذواتنا، ليس كيانًا واحدًا وله هدف واحد، بل مجموعة من الأنظمة المتفاعلة والتي غالبًا ما تتعارض فيما بينها. هناك ثلاثة أنظمة على الأخص ترتبط ببعضها البعض فيما يخص التخطيط للمستقبل، هي: المكافأة، والعادة، والتفكير.

يدفعنا نظام المكافآت إلى التركيز على الأشياء التي نحتاجها، مثل: الطعام، والعلاقات الاجتماعية. أما العادات فتساعدنا في فعل السلوكيات المختلفة، التي يكون بعضها منتجًا، والبعض الآخر ليس كذلك، تلقائيًا دون الحاجة إلى التفكير في كل منها. والتفكير يساعدنا على حل المشكلات المعقدة والتخطيط للمستقبل.

قال أليكس كورب، عالم الأعصاب والأستاذ المساعد في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، لموقع «بيج ثينك»: إنه من المفيد أن نتصور مناطق الدماغ المختلفة هذه على أنها مثل أنواع مختلفة من الأصدقاء.

Embed from Getty Images

ويضيف موضحًا: «قشرة الفص الجبهي، وهي الجزء الخاص بالتفكير في الدماغ، تقول لك: دعنا نفعل هذا الأمر بهذه الطريقة؛ لأن هذا سيقودنا إلى ما نرغب في فعله. وجزء العادة يقول: دعنا نفعله بهذه الطريقة؛ لأن هذا ما اعتدنا عليه، وهو أكثر راحة. أما مركز المكافآت فيقول: انظر هناك كعك».

وعندما يتعلق الأمر بالادخار، لا تكون المعركة عادلة بين هذه الأنظمة الثلاثة؛ فنظاما العادة والمكافآت تكون لهما الكلمة العليا، فيبعدانا عن التخطيط طويل الأمد، ويوجهانا نحو الإشباع الفوري. فمن الأسهل أن نفعل الأمور بالطريقة المعتادة، ومن الصعب مقاومة المكافآت الفورية.

ويتطلب التغلب على هذه الأنظمة إرادة قوية، ولكنها لا تكفي وحدها؛ إذ يعتقد علماء النفس أن لدينا قدرًا محدودًا من قوة الإرادة التي يمكن أن تنفد بعد تعرضنا للضغوط. هذه الفكرة منطقية للغاية عندما نفكر في الادخار لحين التقاعد، فهذا ليس نشاطًا مرهقًا من الناحية المالية فقط، بل يجعلنا نفكر في قضايا وجودية مثل الموت، والشيخوخة، ومعنى الحياة.

ويؤثر استنفاد قوة الإرادة على إدراكنا للمكافآت. وفي تجربة جامعة ستانفورد الشهيرة «مارشميلو»، حول تأخير الإشباع، التي أجراها علماء النفس جانيت ميتكالف ووالتر ميشيل، اقترح القائمون على التجربة أننا ننظر إلى المكافآت بنظامين: حار وبارد.

وقالت جمعية علم النفس الأمريكية: «النظام البارد معرفي بطبيعته، فهو نظام تفكير يشتمل على المعرفة بالأحاسيس، والمشاعر، والأهداف، وهو الذي يذكرك بسبب امتناعك عن تناول حلوى المارشميلو. أما النظام الحار فهو مندفع وعاطفي، وهو المسؤول عن الاستجابة السريعة لبعض المحفزات، مثل وضع حبات المارشميلو في فمك دون التفكير في العواقب طويلة المدى. وإذا استخدمنا طريقة الرسوم الكرتونية، يكون النظام البارد هو الملاك، والنظام الحار هو الشيطان».

عندما نخضع لاستجابات النظام الساخن، فإننا لا نفقد المكافآت طويلة الأجل فقط، بل نعزز عاداتنا السلبية أيضًا. إذًا كيف يمكننا استخدام النظام البارد لتعطيل العادات السيئة والتخطيط للمستقبل؟

كيف تخدع عقلك من أجل توفير المال؟

يلفت التقرير إلى أن ادخار المال لن يكون أكثر متعة من قضاء ليلة في الخارج، ولكن هناك طرقًا لجعله أكثر سهولة.

أولًا: محاولة التواصل عاطفيًا ونفسيًا مع ذواتنا المستقبلية، فمثلًا يمكن استخدام بعض التطبيقات التي تتخيل صورنا عندما نغدو أكبر عمرًا. استُكشف هذا المفهوم في دراسة أجريت عام 2011 قُسّم فيها المشاركين إلى مجموعتين، وعُرضت على أفراد كل مجموعة ذواتهم في الواقع الافتراضي. شاهدت المجموعة الأولى ذواتها افتراضيًا، وهي تبدو في نفس عمرها الحالي، بينما شاهد أفراد المجموعة الأخرى أنفسهم وهم أكبر عمرًا.

Embed from Getty Images

وعندما طُلب من المجموعتين بعد ذلك أن تُخصص الأموال افتراضيًا لأغراض مختلفة، من بينها التقاعد، ادخرت المجموعة التي واجهت نسخها الأكبر سنًا أموالًا أكثر.

لا نحتاج إلى الواقع الافتراضي من أجل البدء في توفير الأموال. إحدى أسهل الطرق لفعل ذلك هو: تخصيص مبلغ شهري صغير لا يمثل عبئًا، وإيداعه في حساب مخصص للتقاعد. تستخدم هذه الإستراتيجية النظام البارد من خلال تحييد إغراءات النظام الساخن التي نواجهها عندما نفكر كيف سننفق مبلغًا كبيرًا من المال.

في النهاية ما يهم حقًا هو أن تبدأ في الادخار؛ فهناك فائدة مادية في أن تبدأ بالادخار في وقت مبكر بالطبع، ولكن هناك فائدة أخرى أيضًا، وهي أن الادخار المستمر يعيد تدريب عقلك على التفكير في أن الادخار أمر مهم.

يختم الكاتب مع ما قاله كورب لبيج ثينك: «أحد مفاتيح السعادة المستدامة هو أن تفهم ذاتك أكثر؛ الأمر الذي يمكنك من اتخاذ خيارات أفضل لك، وفهم عقلك هو جزء مهم لتحقيق ذلك. وتوفير دولار واحد يوميًا بالتأكيد أفضل من لا شيء، لذا فقط قم بخطوة في الاتجاه الصحيح».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد