نشرت مجلة «جاكوبين» اليسارية الأمريكية مقالًا للخبير الاقتصادي ماكس بي. ساوكي تحدث فيه عن الآثار المدمرة للرأسمالية على الديمقراطية الليبرالية، موضحًا أن الادعاء بأن الرأسمالية تتوافق بطبيعتها مع الديمقراطية الليبرالية هو ادعاءٌ يفتقر إلى أدنى درجة من المصداقية. واليوم، يواجه النموذج الليبرالي للرأسمالية تحديات متزايدة من نموذج استبدادي يتبنى فكرة سيطرة الدولة، ويتراجع بفعل الضغط في أماكن كثيرة.

العالم والاقتصاد

منذ 5 شهور
اقتصاد «ماد ماكس».. كيف تجني المليارات من مصائب البشر؟

وفي مستهل مقاله، أكد الخبير الاقتصادي «أن ظهور الرأسمالية في الدول الشيوعية سابقًا في أوروبا الشرقية، والاتحاد السوفيتي، والصين، كشف عن عالم جديد مغاير لتوقعات أناسٍ من بني جلدتنا كانوا يرسمون مستقبلًا بديلًا في أذهانهم. 

ويستكشف الخبير الاقتصادي برانكو ميلانوفيتش ملامح هذا العالم الجديد في كتابه «الرأسمالية.. وحدها Capitalism, Alone». وترجع الأصول التي ينحدر منها ميلانوفيتش إلى صربيا في يوغوسلافيا سابقًا؛ مما يمنحه خلفية فريدة وأفضلية لمراقبة التحول الحاصل في أوروبا الشرقية والاتحاد السوفيتي.

وكانت البضاعة التي يعرضها ميلانوفيتش، كبير الاقتصاديين السابق في البنك الدولي، بمثابة بيانات دولية عن اللامساواة في الدخل، كما أوضح ذلك في كتابه السابق، «اللامساواة العالمية: مقاربة جديدة لعصر العولمة (Global Inequality: A New Approach for the Age of Globalization)». 

وفي كتابه «الرأسمالية وحدها (Capitalism, Alone)»، يتجاوز نطاق هذا المجال، ويذهب إلى حد مناقشة ترتيبات المؤسسات والسوق للاقتصاد العالمي المعاصر».

فئتان أساسيتان

وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن «الانقسام الأساسي في عالم الرأسمالية الجديد بالنسبة لميلانوفيتش يقع بين ما يصفه بأنها «رأسمالية الجدارة الليبرالية» و«الرأسمالية السياسية». والمثالان النموذجيان على ذلك هما: الولايات المتحدة، وجمهورية الصين الشعبية.

Embed from Getty Images

وفي هذا السياق يشير مصطلح «ليبرالية» إلى أمرين: أولهما دلالات القرن التاسع عشر القديمة، والتي تعني تقليل القيود الحكومية على الأسواق والتجارة الدولية، وثانيهما الفكرة الليبرالية الأكثر حداثة المتمثلة في الالتزام بالحد من اللامساواة. 

ويعني مصطلح «الجدارة» أن هناك مساحة أكبر للحركة الاقتصادية الفردية، ومزيد من المساواة في الفرص. والتناقض الرئيس هنا يبرز في رأسمالية القرن التاسع عشر، والتي تنطوي على قدر أقل من الحركة، وقليل من السياسة العامة التي تهدف إلى الحد من اللامساواة. 

وتتميز الرأسمالية السياسية – وفقًا لتصنيف مالينوفيتش – بمزيد من الحكم الذاتي للدولة، وجهازها البيروقراطي في توجيه الاقتصاد، وبمساحة أقل لاتخاذ القرارات الديمقراطية، أو مساهمة المجتمع المدني. وإلى جانب جمهورية الصين الشعبية، يضم الكاتب سنغافورة، وفيتنام، وبورما، وروسيا، وإثيوبيا، والجزائر، ورواندا، إلى هذه الفئة».

وأوضح كاتب المقال أنه «في كلتا الفئتين – لا تزال الرأسمالية مسيطرة – إذ إن ملكية الشركات في الصين متنوعة ومتعددة، لا سيما التعاونيات، كما أن هناك ملكية للحكومات الإقليمية والمحلية، وكذلك الحكومة الوطنية بدرجات متفاوتة. ولكن ليس هناك شك في أن الرأسمالية انتصرت في الصين ودول «الرأسمالية السياسية» الأخرى؛ من حيث الإنتاج موجه نحو الأسواق، ورأس المال المملوك للأفراد، ولم يقف الحد عند الفئة الجديدة من أصحاب الملايين، كما يعمل العمال بنظام العمل المأجور.

وكانت طريقة ميلانوفيتش انتقائية وتجريبية ومستنيرة بالمفاهيم الماركسية، ولكن لا تقتصر عليها. ومن بين العناصر الأساسية التي استند إليها تحليله كان فكرة أن علاقات الإنتاج تمثل أحد المحددات الرئيسة للعلاقات الاجتماعية والمؤسسات. وعلى العكس من ماركس لا يقدم الكتاب علاجًا يتعلق بالطبقات الاجتماعية. وهناك مناقشة مُطوَّلة بشأن طبقات الدخل وحصص العمل ورأس المال في الدخل القومي. لكن لا يوجد اعتبار للتكوين الطبقي والحكم بالمفهوم الماركسي. ولا يعني هذا توجيه سهام النقد إلى منهج ميلانوفيتش، ولكنه مجرد وصف له».

منحنى الفيل

وأردف الكاتب أن «التطور الرئيس الذي يدفع الاقتصاد إلى وضعه الحالي يتمثل في ظهور سلاسل التوريدات العالمية، والتي مهد الطريق أمامها التقدم في مجال الاتصالات والنقل. كما أدَّت الاتصالات المتطورة إلى انتفاء الحاجة إلى التواجد الفعلي المشترك من جانب المديرين رفيعي المستوى والعمال، فضلًا عن توسيع نطاق التمويل وتعميقه. وتتيح تكاليف النقل المنخفضة انتشارًا جغرافيًا لمراحل الإنتاج. ويقلل ذلك – ليس من قبيل الصدفة – من القدرة النسبية على التفاوض بشأن العمل، ويوضح أيضًا مصطلح منحنى الفيل الشهير لميلانوفيتش».

Embed from Getty Images

ولهذا تؤدي العولمة إلى وجود علاقة مختلفة بين الشمال العالمي (الدول المتقدمة) والجنوب (الدول المتخلفة). وفي ظل بعض النظريات القديمة الخاصة بالإمبريالية، فإن النموذج يتضح في أحد القوى الاستعمارية التي تنشر قواتٍ مسلحة للسيطرة على البلدان المتخلفة بغرض تجريدها من مواردها الطبيعية. 

والواقع الجديد هو الانتشار الجغرافي للصناعات ذات القيمة المضافة العالية وتكاملها في إنتاج المنتجات النهائية. خذ مثلًا قطع غيار السيارات التي تُشحَن من الولايات المتحدة وتُجمَّع في شركة ماكيلادوراس المكسيكية، أو تصميم أحذية نايك في ولاية أوريجون بالولايات المتحدة وتصنيعها في فيتنام وبيعها مرةً أخرى في الولايات المتحدة».

وذكر الكاتب أن «البلدان التي كانت توصف بأنها متخلفة سابقًا أصبحت متحمسة لاستضافة هذا النوع من التعهيد (إسناد الأعمال لشركات خارجية)، ولا تطلب من القوات العسكرية الأجنبية توفير الحماية للأصول المملوكة للأجانب ضد المصادرة. وللتأكيد، لا يزال انتشار القواعد العسكرية الأمريكية قائمًا، لكن دورها يتمثل في المكائد الجيو – سياسية الأمريكية أكثر منه في توفير الحماية ضد الاستغلال الاستعماري للموارد الطبيعية. 

وفي السابق توصل بعض الراديكاليين إلى تفسيرات تتعلق بحرب فيتنام، وأن الهدف منها كان التحكم في إنتاج المطاط أو القصدير. وكان التدخل في البلقان يُفسَّر أحيانًا بأن الهدف من ورائه السيطرة على التعدين في كوسوفو. كما كانت هناك ثرثرة حول الرغبة في إنشاء خط أنابيب عبر أفغانستان. وتلاشى هذا النوع من التحليل الميكانيكي، على الرغم من استمرار جهود سياسة التدخل الأمريكية.

واستبدالًا للتهديدات المادية المباشرة التي يشكلها المحتلون العسكريون الأجانب، جاءت القيود المالية التي يفرضها صندوق النقد الدولي ومؤسسات الإقراض الأخرى، وإدارة التجارة عن طريق منظمة التجارة العالمية، وتهيمن الولايات المتحدة والقوى الأوروبية على كل ذلك. 

ومن المفارقات في هذا الوضع أنه تحقق بفضل نجاح الثورة الشيوعية، لا سيما في جمهورية الصين الشعبية، الذي أدَّى إلى تصفية المؤسسات الإقطاعية، ومن ثم تصفية المبادئ الاشتراكية للثورة بكل إخلاص لتفسح الطريق أمام الاستثمار الأجنبي المباشر، ومن ذلك «النقل الحاسم للتكنولوجيا».

واقع مغاير للنظرة الماركسية

وألمح الخبير الاقتصادي إلى أن «المراحل التاريخية للتنمية الاقتصادية من الإقطاعية إلى الشيوعية إلى الرأسمالية، جاءت مناقضة للنظرة الماركسية القديمة التي توقعت أن تنتعش الشيوعية في بلدان لم تنتعش فيها – البلدان الرأسمالية المتقدمة – كما اعتقدت تلك النظرة أن الشيوعية لن تزحف أو لا ينبغي أن تزحف إلى الأمم المتخلفة. واصطدمت النظرة الغربية الشائعة حول التنمية أيضًا بالوقائع التاريخية ذاتها. وفي الرأسمالية السياسية، لم يفسح الإقطاع المجال أمام الثورات البرجوازية، ولم يتحول تكوين الشركات الرأسمالية الصغيرة إلى احتكارات ضخمة.

Embed from Getty Images

وتمثلت التبعات العالمية للتغيير الاقتصادي في إعادة توازن كبير للثروة والقوة السياسية بين الولايات المتحدة وأوروبا من جهة وبين آسيا من جهة أخرى، فيما لا تزال أفريقيا في طي النسيان. وينعكس هذا في تخصص ميلانوفيتش لقياس اللامساواة. وكان لذلك تداعيات سياسية هائلة، لكنه لا يتناسب جيدًا مع الفئتين اللتين حددها المؤلفين «رأسمالية الجدارة الليبرالية» و«الرأسمالية السياسية». 

ولا يضع المؤلف الهند، أو اليابان، أو تايوان، أو كوريا الجنوبية في قائمته الخاصة باقتصاديات الرأسمالية السياسية، لكن النمو الاقتصادي لهذه الدول يلعب بالتأكيد دورًا كبيرًا في إعادة التوازن بين آسيا، والولايات المتحدة. كما تتمتع اليابان وكوريا الجنوبية بالمزيد من التنسيق الاقتصادي الذي تنفذه الدولة أكثر من الولايات المتحدة.

وبالنسبة للقارئ الغربي، فإن الأمر الأكثر إثارة للاهتمام هنا هو تحليل الرأسمالية السياسية، بدلًا عن النماذج المألوفة على نحو أكبر في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي (الذي لا يزال يضم المملكة المتحدة حتى وقت كتابة هذا التقرير). 

وفي مخطط ميلانوفيتش للرأسمالية السياسية تتطلب البيروقراطية حرية التصرف لتعمل بفعالية. ويعني هذا أن التزامها بالقانون فضفاض. وهو ما يعني أيضًا أن حجم الفساد سيكون أكبر، وهذا هو الثمن المباشر لحرية التصرف الفضفاضة. «وتتمثل الفائدة التي تعود على المجتمع في ضمان أن المكاسب التي تتحقق عن طريق الرخاء الاقتصادي تتجاوز تكاليف الفساد».

ولفت التقرير إلى أن «معضلة الرأسمالية الليبرالية المتعلقة بحكم الجدارة تتمثل في التوتر بين توفير دولة الرفاهية الوافرة والضغط السياسي الناشئ عن الهجرة والتكامل الدولي. إحدى الزوايا ذات الصلة هي الصعوبة المتزايدة في فرض الضرائب ووجود تمويل رأسمالي متحفظ في كثير من الحالات. ومن زاوية أخرى يؤثر ذلك على الإنفاق العام الذي يمكن أن يُعزى إلى المهاجرين. 

ويرى الكاتب أن كلتا النظرتين تميلان إلى المبالغة، وخاصة من خلال الديماجوجيين العنصريين والمراكز الفكرية التي تنشر الأبحاث المزيفة، لكن لا يمكن استبعادهما بالكلية. ولا يتعارض هذا بالضرورة مع الحالة الأخلاقية لنظام الهجرة الأكثر ليبرالية، ولا مع حكمته السياسية لليسار. ما يجعل الدفاع عن طلب «الحدود المفتوحة» أمرًا أكثر صعوبة.

هل تُتْرك الرأسمالية وحدها؟

ونوَّه الكاتب قائلًا: إنه «من بين الملاحظات البارزة حول الثنائية الأساسية لدى ميلانوفيتش هو بُعْد «الجدارة». وهذا الحراك أكبر في ظل «رأسمالية الجدارة الليبرالية» منه في ظل «الرأسمالية السياسية» غير الواضحة. وبالطبع، ينحدر أغنى الأغنياء في الولايات المتحدة من أصول متواضعة، لكن الصين بها الكثير من الأثرياء الجدد الذين لم ينحدروا من مثل هذه الأصول. وفي الوقت نفسه فإن القيود المفروضة على الحراك في الولايات المتحدة واضحة.

Embed from Getty Images

ويتابع الكاتب أن قضية الجدارة في الولايات المتحدة لم تُطرَح في هذا الكتاب. وترتبط الشكوك أيضًا بزاوية «الليبرالية»، بقدر ما تتعلق بإعادة التوزيع.

«ربما انتهى عصر الاشتراكية الديمقراطية في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية في ثمانينات القرن الماضي، ولكن القيود على تكوين الثروات العائلية في دول الرأسمالية الليبرالية المتعلقة بالجدارة كانت دائمًا موضع تساؤل، واليوم أصبحت كذلك على نحو أكبر».

واستدرك الكاتب قائلًا: «لكن التهديد الأكبر لليبرالية في الرأسمالية الليبرالية المتعلقة بالجدارة هو تراجع دور المؤسسات الديمقراطية في الولايات المتحدة وغيرها من الحالات البارزة، مثل: البرازيل، والفلبين، وتركيا، وإسرائيل، والمجر، والهند. والانجراف نحو الفاشية الجديدة في دول الرأسمالية الليبرالية المتعلقة بحكم الجدارة ينذر بالخطر، وقد تشهد التكاليف المرتبطة بالفساد، والحروب العسكرية، وضعف حقوق الإنسان والمجتمع المدني حقبة جديدة من النمو الاقتصادي البطيء ورأسمالية أقل نجاحًا. وفي الوقت نفسه فإن المعارضة المتزايدة للرأسمالية، أو أيًّا ما كان اسمه في الولايات المتحدة، يثير احتمال إحياء النموذج الاجتماعي الديمقراطي، بعد الحرب العالمية الثانية.

واختتم الخبير الاقتصادي مقاله قائلًا: «قد تكون الرأسمالية هي التي تتربع على الساحة وحدها، ولكنها لن تُتْرك وحدها».

البيئة

منذ 9 شهور
مترجم: كيف سيقضي التغير المناخي على الرأسمالية في العالم؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد