ربما يكون عديد من الشائعات بشأن «جزيرة القطط» البرازيلية غير حقيقي، لكن كثرة الحيوانات الأليفة عليها يُثبت أن النظام البيئي للجزيرة يُواجه مشكلة، ولا يزال المسؤولون غير متأكدين من الدور الذي ينبغي عليهم القيام به.

أعدَّ تيرينس ماكوي، مراسل صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية ومدير مكتبها في مدينة ريو دي جانيرو البرازيلية، تقريرًا نشرته صحيفة «ذي إندبندنت» البريطانية سلَّط فيه الضوء على تضاعف أعداد القطط على جزيرة برازيلية مهجورة بسبب تفشي فيروس كورونا المستجد في البلاد الذي أودى بحياة كثير من أصحاب هذه القطط، وأفلس آخرون فلم يعودوا قادرين على إطعام قططهم فتخلوا عنها، مشيرًا إلى أن القطط لم تجد لها مأوًى أو ملجأ سوى هذه الجزيرة.

الشائعات تُحيط بالجزيرة من كل جانب!

في مطلع تقريره، يشير المراسل إلى أن عديدًا من البرازيليين مثل إدواردو مايه فيريرا كانوا يسمعون لسنوات قصصًا عن وجود جزيرة قبالة الساحل الجنوبي الشرقي للبرازيل، والتي كانت تبدو مهجورة لكنها في حقيقة الأمر ليست كذلك. إذ كانت تُخبئ داخل غطائها الشجري الكثيف مئات من الحيوانات المهجورة. وقد سُميت رسميًّا بجزيرة «فورتادا»، كما يعرِفها معظم الناس بأنها «جزيرة القطط».

يقول المراسل -في التقرير الذي نشرته صحيفة واشنطن بوست الأمريكية أيضًا-: ترددت شائعات كثيرة عن خطورة الذهاب إلى الجزيرة أو زيارتها، وأُشيع بين الناس أن القطط زاد حجمها حتى صارت مثل الكلاب وأصبحت أكثر شراسة وتهاجم أي شخص غريب تطأ قدماه أرض الجزيرة. وكتب أحد المراسلين البرازيليين عن الجزيرة «الغامضة»، زاعمًا أن غابات الجزيرة بها 750 قطة «برية»، بينما قال آخرون إن عدد القطط أكبر بكثير. ويبدو أنه مع كل رواية عن الجزيرة يزداد العدد.

منوعات

منذ 6 شهور
«فص ملح وذاب».. 5 حالات اختفاء جماعي غامضة!

ويُوضِّح التقرير أن مايه فيريرا هو طبيب بيطري محلي يعيش في مدينة مانجاراتيبا المجاورة للجزيرة، وأراد أن يرى بنفسه حقيقة الأمر فاستقل زورقًا مزودًا بمحرك متوجهًا إلى الجزيرة عبر المياه الصافية. ولم يكن مايه، حتى ذلك الوقت، قد زار الجزيرة مطلقًا، لكنه كان يعرف عنها ما يكفي لإدراك أنها تواجه مشكلة ما. وكانت إحدى هذه الشائعات على الأقل صحيحة: فعلى مدار العام الماضي، عندما دمرت جائحة كوفيد-19 البرازيل، تضاعفت أعداد القطط في الجزيرة وزادت زيادة كبيرة، وكانت أعدادها تتزايد يوميًّا وتتضاعف بالمئات.

خطر على النظام البيئي للجزيرة!

أكد التقرير أن الأمر يُمثل تهديدًا بالغًا للنظام البيئي في الجزيرة، لكن الأزمة لم تجد أي تجاوب أو تحرك من المسؤولين بشأن ما ينبغي القيام به حيال ذلك. وكانت الجزيرة في بؤرة الاهتمام، لأنها عبارة عن غطاء من الزمرد يكسو المياه الزرقاء. وعلى طول هذا الشريط الساحلي المعرَّض لأشعة الشمس، نشاهد إحدى الظواهر العالمية وهي تلك الحيوانات الأليفة المهجورة بسبب جائحة كوفيد-19 التي تسببت في وفاة ملايين من أصحاب الحيوانات الأليفة أو إفلاسهم، فأصبحوا غير قادرين على رعاية حيواناتهم.

 وبينما استطاعت الملاجئ والشبكات الشخصية الاجتماعية في الدول الغنية مثل الولايات المتحدة من استيعاب كثير من الحيوانات المُتخلَّى عنها والمهجورة. لم تجد الحيوانات الأليفة ببساطة أي ملاذ أو ملجأ في دول العالم النامي، حيث لا يُوجد فيها تقريبًا أي منظومة لإيواء الحيوانات المشردة واكتظت شوارعها بالحيوانات المشرَّدة، وتزايدت أعدادها على نطاق واسع.

ويُنوه التقرير إلى أن البرازيل تُواجه على نحو خاص تحديًا صعبًا، إذ تسببت جائحة فيروس كورونا في وفاة أكثر من 465 ألف شخص، وأدَّت إلى حدوث أزمة إسكان وانتشار الجوع بين الحيوانات الأليفة على نطاق واسع.

كيف أصبحت أزمة الحيوانات الأليفة فوق الاحتمال؟

لفت التقرير إلى ما يقوله مديرو ملاجئ الحيوانات الأليفة في البرازيل إنهم لم يتمكنوا من السيطرة على الأزمة، إذ تقول أندريا ريزي كافاسو، مديرة ملجأ الحيوانات الأليفة الأقرب لجزيرة القطط، إن: «الناس يأتون إلى هنا في بعض الأيام بسيارة مليئة بالقطط، ونظرًا لأن أعدادهم تكون أكثر مما نحتمل فإننا لا نستطيع قبولها جميعًا». وتابعت مديرة الملجأ قائلةً: «عندما نرفض قبول بعض القطط، يأتينا الرد من أصحابها: إذا لم تأخذُوها فسنُلقِي بهم على جزيرة القطط».

ومن مسافة بعيدة، لم يستطع مايه رؤية القطط، لكنه كان يعلم أن الناس في جميع أنحاء المنطقة يرسلون القطط غير المرغوب فيها إلى الجزيرة منذ مدة طويلة، ويفعلون ذلك بأنفسهم أو عن طريق دفع بضع دولارات لأحد المراكبية لأخذ القطط إلى الجزيرة. إن هذا الأمر أصبح جزءًا من الثقافة المحلية، وصارت الجزيرة بمثابة الملاذ الأخير للقطط غير المرغوب فيها، التي تعلمت كيفية البقاء على قيد الحياة إما من خلال الصيد وتناول ما يتركه الزوار من طعام أو مواجهة الموت.

وألمح التقرير إلى أن سكان المدينة تنازعوا وانقسموا فيما بينهم بشأن ما يجب فعله حيال هذه القطط. وطلبت السلطات المحلية في مدينة مانجاراتيبا من الناس عدم إطعام القطط، قائلةً إن هذا يُشجع أصحاب الحيوانات الأليفة على التخلي عن مزيد منها. لكن محبي الحيوانات وصفوا هذا الأمر بالتصرف الوحشي البربري، وأكدوا أن القطط ستموت إذا لم تجد مَنْ يرعاها، لا سيما أن الجزيرة لا يُوجد فيها سوى القطط وليس فيها طعام أو ماء.

كيف وصلت هذه القطط إلى الجزيرة لأول مرة؟

ويُضيف التقرير أنه عندما رسا الزورق الذي كان يستقله مايه، أقبلت عليه القطط من كل حدب وصوب وقد أصابها الجَرَب وصارت أعينها ضيقة وقفَزت من على الأشجار لتتجمع عند حافة المياه.

واختلف الناس بشأن الطريقة التي وصلت بها القطط إلى الجزيرة لأول مرة، ولا يُوجد أحد يمكنه الجزم بحقيقة هذا الأمر. وقال بعض المسؤولين في مانجاراتيبا إن إحدى العائلات حاولت أن تؤسس لحياتها هناك منذ عقود لكنها سرعان ما استسلمت، تاركة وراءها قططًا بدأت تتكاثر.

بينما قال بعض المراكبية إن مطعمًا على الجزيرة أُغلق، وترك أصحابه قططهم عند الرحيل عنها. وتقول طبيبة بيطرية إن رجلًا كبيرًا في السن اعترف لها أنه كان أول شخص أحضر قططًا إلى الجزيرة، لكنه نفى ذلك بشدة بعدما طُلب منه التعليق على الأمر.

وأرجع التقرير وجود كثير من الأسئلة بلا أجوبة بشأن الجزيرة إلى المعتقدات المحلية. وصحيحٌ أن قليلًا من الناس أرادوا زيارة جزيرة فورتادا، وهي جزيرة صغيرة من بين عديد من الجزر وليس بها شواطئ ومغطاة بالعناكب، لكن جزيرة القطط كانت لها قصة مختلفة تمامًا: لأنها أصبحت إحدى محطات السياح الذين يتنقلون بين الجزر، وقد يستقل بعضهم دراجات بخارية مائية ليلقي نظرة على الجزيرة.

ويعتقد كثيرون أن أحوال قطط الجزيرة كانت أفضل بكثير من قطط المدينة، التي يجب عليها أن تجوب الشوارع بحثًا عن طعام تأكله. ويُعلل ميجيل كامبوس، أحد المراكبية والذي يبلغ من العمر 61 عامًا، ذلك الأمر قائلًا إن: «قطط الجزيرة لديها كل ما تحتاج إليه على الجزيرة، سواء الطيور المصطادة أو غيرها من الأطعمة مثل البذور والحشرات والثعابين التي يُمكن للقطط أكلها».

كيف أحدث كوفيد-19 خللًا في التوازن الدقيق؟

وفي ذات الصدد، ترى أميليا أوليفيرا، وهي طبيبة بيطرية تسافر إلى البرازيل لرعاية الحيوانات، أن الأسطورة بعيدة كل البعد عن الحقيقة. إذ أرسل إليها أحد أصدقائها في عام 2012 مقطع فيديو من الجزيرة، والذي يظهر أن الجزيرة لم تكن جنَّة للقطط، بل كانت بمثابة جزيرة الكاتراز (التي تحتوي على سجن الكاتراز، وهو سجن فيدرالي يقع في المياه الباردة لخليج سان فرانسيسكو بولاية كاليفورنيا ويضم بعضًا من عتاة المجرمين الأمريكيين)، إذ لم يكن هناك حتى مصدر للمياه العذبة الصالحة للشرب. تقول أميليا: «لم أستطع ترك القطط هناك في مثل هذا الوضع. ووافقتُ على الذهاب إلى هناك في اللحظة نفسها (التي شاهدتْ فيها مقطع الفيديو)».

وأفاد التقرير أن أميليا ذهبت إلى الجزيرة فوجدتها تعج بعدد غير معروف من القطط، وقد اقتربت منها بعض القطط وهي تخرخر، بينما كان بعضها شرسًا للغاية. وقد ولدت هذه القطط على الجزيرة، ولم تعرف شيئًا عن الإنسان أو الجنس البشري، لذلك فمن المستحيل أن تسمح لك بالاختلاط بها. وتمكنت أميليا من إعادة بعض القطط الأليفة منها للاستفادة منها وبدء السيطرة على بعضها وتحييد البعض الآخر عن طريق إخصائِه.

وتقول أميليا إن منظمتها «الأطباء البيطريون على الطريق» خلال العقد الماضي أخْصَت 380 قطًا من قطط الجزيرة، مشيرةً إلى أن: «أعداد القطط كانت تحت السيطرة».

وذكر التقرير أن الجزيرة كان تمر بها المنظمات والأزواج المتقاعدون ويتركون الطعام والماء للقطط عليها، كما كان ينشئ آخرون لها ملاجئ صغيرة، بينما كان الصيادون يتركون لها جزءًا من صيدهم. لكن عندما تفشت جائحة كوفيد-19، اختل هذا التوازن الدقيق، فتزايدت أعداد القطط سريعًا. وتوقف الناس، المَعزولون داخل منازلهم، عن ترك الطعام والماء للقطط. وانتشرت التقارير التي تفيد أن القطط تأكل لحوم البشر. وأصبح الأمر الذي بدأ بوصفه شيئًا غريبًا على المستوى المحلي، حتى فيما يتعلق بمنطقة جذب سياحي، يمثل إحراجًا علنيًّا ومشكلة للنظام البيئي. وكان لا بد من القيام بأي شيء حيال الأمر.

ويُصور التقرير مشهد القطط في الجزيرة قائلًا: اقتربت بعض القطط من عمال المدينة الزائرين واحتكت بأرجلهم، بينما تجاوز البعض الآخر الخط الساحلي، ذهابًا وإيابًا، إقبالًا وإدبارًا، وأخذوا ينظرون طويلًا وبحذر إلى الغرباء لكن من مسافة بعيدة. وبدت مُستعمرتهم (الجزيرة) وكأنها مدينة مكتظة بأكواخ القطط، إذ تجد بيوتًا بحجم القطط، والتي تركها المتطوعون، وبجوارها أباريق تسقط فيها مياه الأمطار، بالإضافة إلى عَلاَّفات لطعام القطط تحتاج إلى إعادة تعبئة. لكنك ستجد بين هذه المعدات شبكات معلقة من العناكب ذات الألوان الزاهية ويبلغ حجم كل منها كف الرضيع، ناهيك أن ساحل الجزيرة يعج بالنفايات.

خطة حكومية للتعامل مع الأزمة!

ويستشهد التقرير بما قاله مايه إن: «جلْب إحدى القطط إلى هذه الجزيرة يُعد سلوكًا وحشيًا حيوانيًّا». ولكن في ظل اكتظاظ الملاجئ بالحيوانات الأليفة، وفقدان عديد من القطط القدرة على الألفة مع البشر، أصبحت عملية إعادتها إلى البر الرئيس (اليابسة) عملية معقدة بالقدر نفسه. ولم يكن مسؤولو مدينة مانجاراتيبا متأكدين من إمكانية تنفيذ الخطة التي وضعوها.

وقد أراد مسؤولو المدينة إرسال رحلات استكشافية لاستكشاف الجزيرة وإجراء إحصاء لعدد القطط، ومن ثم زَرْع كاميرات مراقبة لردع عمليات تهجير القطط ومقاضاة المخالفين. ثم يبدأون بعد ذلك في عملية الإخصاء. وأخيرًا، لنترك الطبيعة تمضي في سبيلها، وسيقوم بعض المواطنين بتربية القطط السهلة الانقياد ورعايتها، في حين تعيش بعض القطط الباقية حياتها على الجزيرة، حتى تنقرض ولا يبقى منها شيء.

خطة السلطات تثير جدلًا على وسائل التواصل الاجتماعي

وسلَّط التقرير الضوء على ما أثارته الخطة من جدال، إذ عارضت ساندرا كاستيلو برانكو، ممثلة وزارة الصحة بالمدينة إطعام قطط الجزيرة، لأن هذا يُشجع الناس على التخلي عن قططهم وتهجيرها. وقالت ساندرا لصحيفة واشنطن بوست إن: «الناس يهاجمونني بجنون على الفيسبوك. لكني أريد تغيير النموذج المعمول به».

Embed from Getty Images

ومن جانبها، أعربت جويس بوشالسكي، منسقة مجموعة المتطوعين التي تطعم القطط، عن غضبها من الخطة، قائلًة: «إن الحيوانات الأليفة لم تطلب العيش في جزيرة مهجورة، وقد شوهدت النسور وهي تدور حول الجزيرة. فكيف يمكن للناس التخلي عنهم مرة أخرى»؟

ونشرت جويس لقطة شاشة لتصريحات ساندرا كاستيلو برانكو على فيسبوك وعلَّقت عليها قائلة إنه: «أمر مؤسف». واتفقت مع جويس عشرات الردود الغاضبة التي قال أحدها «يا له من عبث». بينما قال آخر إن: «أكبر مرض تعاني منه الوزيرة هو افتقارها للروح الإنسانية».

مجتمع

منذ 4 شهور
مترجم: بعد 30 عامًا من العزلة على جزيرة.. لماذا طردت السُلطات «روبنسون كروزو» الإيطالي؟

وفي السياق ذاته، قال المسؤولون، الذين رأوا مدى قذارة مساكن القطط، إن الوضع أكثر تعقيدًا من الأحكام المطلقة التي يُطلقها نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي. تقول فيرناندا بورتو، السكرتيرة الفرعية لوزارة الشؤون البيئة في المدينة، إنه: «أمر مخيف. هل نترك الحيوانات تموت من الجوع، أم نواصل تقديم الطعام لها، مما يُشجع الآخرين على التخلي عن مزيد من القطط»؟

ويختتم المراسل تقريره بالإشارة إلى أن عديدًا من هذه القطط، التي لا ترى أن المسؤولين جلبوا ما يكفي من الطعام، سئموا من الزوار، فعادت بعضها إلى أكواخِها الصغيرة، وتوارت أخرى بين أغصان الأشجار. وأطال مايه نظره إلى الغابة، لكن لم يكن بإمكانه تحديد عدد القطط الموجودة على الجزيرة. وصحيحٌ أن الرحلات الاستكشافية التي قامت بها المدينة لم تؤدِ إلى معرفة الكثير عن الجزيرة وقططها، لكنها أكدت على ضرورة بذل كثير من الجهود في المستقبل من أجلها.

وفي نهاية المطاف، صعد إدواردو مايه فيريرا ومن معه إلى القارب، وبدأ تشغيل محرك القارب وانطلقوا عائدين أدراجهم. ومع الابتعاد عن الجزيرة كانت أعداد القطط تتضاءل، وتنسدل أستار الليل على جزيرة القطط، إحدى الجزر الصغيرة من بين عديد من الجزر.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد