كثيرًا ما ألهم غضب الكاتب البرازيلي الذي يعيش في الولايات المتحدة، أولافو دي كارفاليو، عددًا من السياسيين البرازيليين المنتمين لليمين المتطرف، ومن بينهم جايير بولسونارو، الرئيس الحالي للبلاد، فمن هو هذا الرجل؟

نشرت مجلة «ذي أتلانتك» الأمريكية مقالًا للصحفية البرازيلية المقيمة في مدينة نيويورك وزميلة كلية الصحافة بجامعة كولومبيا الأمريكية، ليتيسيا دوارتي، تسلط فيه الضوء على مدى تأثير أولافو دي كارفاليو، الذي يُعد الأب الروحي لليمين المتطرف في البرازيل، على الثقافة السياسية والطبقة الحاكمة في البلاد، بما في ذلك الرئيس الحالي جايير بولسونارو.

وأشارت ليتيسيا – في مقالها الذي نُشر ضمن سلسلة «تراجع الديمقراطية» التي تتناول تآكل الديمقراطية الليبرالية في جميع أنحاء العالم – إلى أن الحديث مع أولافو دي كارفاليو يمكن أن يُعد تمرينًا لضبط النفس. موضحة أنها عندما ذهبت إلى منزله مؤخرًا لإجراء مقابلة معه كان جالسًا خلف مكتبه، وشعره الذي وخطه الشيب مصففًا بعناية، ووضع أكثر من 100 غليون (بايب) على الرف، بالإضافة إلى آلاف الكتب المكدسة على رفوف مكتبه المنزلي، إلى جانب 20 بندقية على الأقل. وذكرت أنه استقبلها بوجه شديد التجهم وعينين واسعتين، قبل أن يشير إلى نسخة مطبوعة من مقال كتبته مؤخرًا، ويسألني بنبرة محتدة: «ما هذا الهراء؟». وهكذا بدأ الاجتماع الثاني بينهما.

وقالت كاتبة المقال إنها كانت تجلس بين يديه، حين رأت أنه جهز بالفعل حاسوبه الخاص لتصوير المقابلة بينهما، وضبط كاميرا حاسوبه المحمول لتصوير وجهها داخل الإطار. (فهو يسجل جميع المقابلات التي يجريها مع المراسلين، الذين يسميهم «أعداء الشعب»، وغالبًا ما ينشرها على موقع يوتيوب، ثم يشاركها أتباعه بعناوين مثل «أولافو يهين صحفي».

وأوضحت ليتيسيا أن زوجته وابنته وحفنة من أقاربه وأصدقائه الآخرين جلسوا على أريكة خلفها، وكانوا يأكلون (برجر كنج) ويدخنون السجائر، مثل جمهور ينتظر عرضًا.

وأضافت أنها كانت تحاول معاودة الاتصال به منذ شهور، ووافق على مقابلتها قبل ساعتين فقط، بعدما قرأ تقريرًا كتبته عنه، فأراد فرصة للرد. وقبل وقت طويل، كان يمد ذراعه اليمنى ويشير بإصبعه السبابة إلى وجهها، صائحًا: «أنتِ خبيثة للغاية وشريرة وكاذبة. أنتِ تُشهِّرين بي»، مضيفًا وهو يهز إصبعه: «أنتِ وقحة.. تأتين إلى منزلي بهذه الابتسامة الساخرة.. أنتِ لا تساوين شيئًا يا امرأة».

Embed from Getty Images

أولافو دي كارفالو في البرازيل عام 2008.

وأوضحت الكاتبة أنه يمكن التغاضي عن ألفاظه إذا كانت مجرد هجمات عشوائية، وإذا كان غريبًا عن الساحة السياسية. لكن أولافو دي كارفاليو ليس كذلك؛ فالفلكي والصحفي والشيوعي السابق، الذي يُعرف في بلده الأصلي البرازيل باسم «أولافو»، أصبح الناقد الأشد ضراوة لليسار في البرازيل. ويتردد صدى تعليقاته على الفور في جميع أنحاء البلاد، إذ ينشره أكثر من مليون متابع له على موقعي يوتيوب وفيسبوك. ونظرًا إلى أنه معبود اليمين، وموضع سخرية اليسار باعتباره متطرفًا؛ فإن أفكار أولافو ومعتقداته تنُاقَش يوميًا تقريبًا في البرازيل، في كل مكان من التغريدات على موقع تويتر وحتى المقالات الطويلة في المجلات.

وتابعت قائلة إنه قوي لسبب آخر، فالرجل البالغ من العمر 72 عامًا هو مهندس الرؤية اليمينية المتطرفة للرئيس البرازيلي جايير بولسونارو. هذا الفيلسوف الذي علم نفسه بنفسه، ولم يكمل تعليمه الثانوي قط، شكل جيلًا جديدًا من القادة المحافظين في البرازيل، من خلال دورة فلسفة يدرسها عبر الإنترنت منذ 10 أعوام. وطبقًا لتقديراته، فإن حوالي 5000 طالب مسجلين حاليًا في برنامجه، كما شاهد 20 ألف شخص فصول دورته، بما في ذلك أعضاء في حكومة بولسونارو.

والآن، من منزله المصمم على طراز المزرعة في هذه المقاطعة الريفية جنوب مدينة ريتشموند عاصمة ولاية فيرجينيا الأمريكية، أصبح يمثل قلب أيديولوجية معادية للفكر تُشكل سياسات دولة يزيد عدد سكانها عن 200 مليون نسمة، كما يشكل مصدر إلهام لأحد أكثر قادة العالم تطرفًا، وبذلك فهو يحوّل معتقدات هامشية إلى إجراءٍ حكومي.

دولي

منذ شهر
«نبي الشعبوية العالمية».. وجوه ستيف بانون المتعددة التي لا نعرفها

أولافو وبانون.. الطيور على أشكالها تقع

وذكرت ليتيسيا أنه من السهل تشبيه أولافو بمُنَظِّر يميني آخر أكثر شهرة، قدم توجيهات لرئيسٍ وصل إلى السلطة على حين غِرَّة في غفلة من الزمن. ومع ذلك فإن أولافو ينزعج من المقارنات بينه وبين ستيف بانون، أو على الأقلّ كان ينزعج.

وأضافت أنها عندما التقت أولافو لأول مرة قبل عام، كان بولسونارو قد انتخب، ولكن لم يجر تنصيبه بعد، ولم يكن أولافو التقى بانون شخصيًا بعد، وقال لها في ذلك الوقت إنه لا يأخذ بانون على محمل الجد.

«إن أولافو أحد أعظم المفكرين المحافظين في العالم». *ستيف بانون

ولكن الكثير تغير منذ ذلك الحين، فبعد أسبوعين من تنصيب بولسونارو في يناير (كانون الثاني)، التقى بانون مع أولافو في بيته في بطرسبرج، وبعد شهرين كان أولافو ضيف شرف فعالية استضافها بانون في فندق ترامب في واشنطن، وحينها قدمه كبير استراتيجيي البيت الأبيض السابق لمجموعة مختارة من حوالي 100 ضيف محافظ، وقال بانون: «إن أولافو أحد أعظم المفكرين المحافظين في العالم».

وفي اليوم الذي تلا احتفاء بانون بأولافو، جاء دور بولسونارو. وخلال زيارة لواشنطن – وهي أول رحلة دولية للزعيم البرازيلي بوصفه رئيسًا للدولة – استضاف بولسونارو عشاء رسميًا في مقر إقامة السفير البرازيلي. وجلس أولافو عن يمينه وبانون عن يساره. وقال بولسونارو، في خطابه: إنه يحلم منذ فترة طويلة بتحرير «البرازيل من الأيديولوجية اليسارية الشائنة»، ثم نظر إلى أولافو وقال: «نحن مدينون له إلى حد كبير في الثورة التي نعيشها».

ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي يكرم فيها بولسونارو أولافو علانية، ففي أول خطاب ألقاه أمام الأمة بعد انتخابه، وضع القائد العسكري السابق أربعة كتب على مكتبه: الإنجيل، والدستور البرازيلي، ومذكرات ونستون تشرشل عن الحرب العالمية الثانية، وكتاب من تأليف أولافو، بعنوان «الحد الأدنى الذي يتعين عليك معرفته حتى لا تكون أحمق». وقال: «إن أكثر ما أبتغيه هو اتباع تعاليم الرب إلى جانب الدستور البرازيلي»، مضيفًا: «كما أريد أن أكون مصدر إلهام لقادة عظماء، وأن أسدي النصيحة الجيدة».

قصة أولافو مع الرئيس البرازيلي

وأشارت الكاتبة إلى أن بولسونارو لم يلتق أولافو شخصيًا إلا بعد فوزه بالانتخابات، لكن علاقتهما بدأت قبل ما يقرب من عقد من الزمان، عندما استرعت حسابات أولافو على شبكة الإنترنت انتباه أبناء بولسونارو، وهم أنفسهم منخرطون في العمل السياسي. وفي عام 2012، سافر فلافيو، الابن الأكبر للزعيم البرازيلي، الذي كان نائبًا في مجلس ولاية (ريو دي جانيرو)، إلى منزل أولافو في ولاية فرجينيا الأمريكية لمنحه ميدالية «تيرادينتيس Tiradentes»، وهي أعلى وسام تميز تمنحه الهيئة التشريعية.

Embed from Getty Images

وبعد خمس سنوات، بث نجل آخر، إدواردو، وهو نائب تشريعي وطني، مقطع فيديو من منزل أولافو وهو يرتدي قميصًا مكتوبًا عليه «أولافو تام رازيو» (أي: «أولافو محق»). وهو الشعار ذاته الذي ردده المحتجون في الاحتجاجات التي خرجت إلى الشوارع ضد الحكومة الفيدرالية قبل انتخاب بولسونارو، منتقدين فضائح الفساد التي ساعدت في صعوده إلى السلطة.

وأضافت أنه في هذه الأيام عندما يتحدث أولافو، فإن بولسونارو يستمع. إذ تبنى الرئيس توصية أولافو بتعيين مسيحي محافظ وزير خارجية، والذي وصف تغير المناخ بـ«المؤامرة الماركسية». وقالت إنه يبدو أن هؤلاء الذين يديرون «حكومة الكراهية» التي شكلها بولسونارو، والمسئولة عن استمرار لهجة الغضب على وسائل التواصل الاجتماعي وفي ظهوره العلني، حصلوا على إلهامهم من أولافو.

وأشارت إلى أن أحد الطلاب السابقين في دورة الفلسفة عبر الإنترنت، يشغل الآن منصب وزير التعليم في البرازيل، وبدأ في تحويل تعاليم أولافو إلى سياسة حكومية: فمن أجل مكافحة «الماركسية الثقافية»، خفضت الحكومة التمويل التشغيلي للجامعات الفيدرالية – التي تعتبر مراكز تلقين عقائدي يسارية – بنسبة 30%.

أفكار أولافو تشكل سياسات بولسونارو

وبحسب الكاتبة، فإن كراهية أولافو المعلنة للشيوعية ربما تصوغ بقوة سياسات بولسونارو داخل البرازيل، إذ إنها تشكل جوهر معتقدات الرجلين، وتوفر مبررًا منطقيًّا لسياسات «القانون والنظام» التي سهل بها الرئيس وصول المدنيين إلى الأسلحة وشجع حملة القمع التي تقوم بها الشرطة في الأحياء الفقيرة، وتوجه انتقادًا لـ«اليساريين» الذين يزعمون أن حقوق الإنسان تداس بالأقدام، وتسمح بالدفاع عن الديكتاتورية العسكرية البرازيلية، التي فسرتها نظرة أولافو للعالم باعتبارها «ثورة» أنقذت البلاد من الشيوعية في الستينيات. وخلال سنواته الـ27 التي كان فيها نائبًا في البرلمان البرازيلي، أيد بولسونارو مرارًا وتكرارًا الديكتاتورية، قائلًا إن الخطأ الأكبر الذي ارتكبته هو أنها توقفت عند تعذيب المعارضين، بدلًا من قتلهم ببساطة.

كان يأمل في بناء طبقة سياسية محافظة في غضون 30 عامًا. وفي الواقع، استغرق الأمر وقتًا أقل بكثير حتى يحقق بغيته.

وقالت ليتيسيا إنها عندما نقلت بعض هذه التصريحات العلنية إلى أولافو، رفضها. وقال ببساطة إن تصريحات بولسونارو كثيرًا ما كانت «مليئة بالمبالغة والنكات». وأشارت إلى أن بولسونارو وأعضاء حكومته هم أتباع أولافو، ففي شهر أغسطس (آب) حصل على أعلى وسام تميز دبلوماسي برازيلي، تكريمًا لـ«الخدمة والجدارة»، ومع ذلك فإن تأثيره يمتد إلى ما هو أبعد من ذلك فعليًا بفضل وجوده على الإنترنت.

وذكرت كاتبة المقال أن أولافو جاء لأول مرة إلى الولايات المتحدة عام 2005، للعمل مراسلًا في واشنطن لصحيفة «دياريو دو كوميرسيو»، الاقتصادية المطبوعة. وأخبرها أنه على الرغم من اتصاله الوثيق في السابق بالساسة والصحفيين الأمريكيين، إلا أنه سرعان ما «فقد اهتمامه» لأنهم «حفنة من الأشخاص المملين»، حتى وجد ضالته على الإنترنت.

وفي عام 2009، أنشأ دورته على الإنترنت لمعالجة ما اعتبره المشكلة الرئيسية التي تواجه البرازيل: «الهيمنة اليسارية» على وسائل الإعلام والجامعات في البلاد. وأوضح لها أنه يأمل في بناء طبقة سياسية محافظة في غضون 30 عامًا. وفي الواقع، استغرق الأمر وقتًا أقل بكثير حتى يحقق بغيته.

كلمات بذيئة تغلف أفكارًا يمينية

وقالت إنه ينشر في دروسه أكذوبة مفادها أن النازيين كانوا حزبًا يساريًا (وهو خطاب يستخدمه مؤيدو بولسونارو ضد خصومهم السياسيين)، ويُعَلِّم طلابه أن عدم احترام العدو مبدأ أساسي ضروري لهزيمة اليسار، وغالبًا ما يستخدم لغة مفعمة بالإساءات الجنسية لجذب الانتباه.

«أنا أغير تاريخ البرازيل الثقافي، فالحكومات تذهب وتظل الثقافة باقية»

وأضافت أنه في اجتماعهما الأول، وصف أولافو انتخاب بولسونارو بأنه «سرعة قذف». كما يرى أنه يجب ترهيب المنشقين، ففي أحد مقاطع الفيديو التي نشرها أحد أنصاره على موقع يوتيوب، يوجه المشاهدين إلى كيفية استخدام الهجمات الشخصية لترهيب «الشيوعيين». ويقول إن على أتباعه استخدام «كل الكلمات السيئة في اللغة البرتغالية» ضد النقاد، مضيفًا أن «الأمر لا يتعلق بتدمير الأفكار، بل بتدمير الحياة المهنية وقوة الناس.. يجب أن تكون مباشرًا ولا تحترم أحدًا. هذا أمر بالغ الأهمية».

واعتبرت الكاتبة أن حديثهما في مكتبه المنزلي يعكس تلك الاستراتيجية. إذ نقلت إليه أمثلة عديدة على دعمه العلني للديكتاتورية في البرازيل مثل: تصريحاته بأن النظام كان «لينًا للغاية»، وأن «اعتداله» سمح باستمرار «الأكاذيب اليسارية»، إلا أنه رفضها جميعها. وبدلًا من ذلك حوّل دفة الحوار، قائلًا إنها تتجاهل الناس الذين «يقتلهم الشيوعيون كل يوم» في جميع أنحاء العالم. ثم غضب واتهمها بمحاولة إلباس الحق ثوب الباطل. وسألها: «ألا تمتلكين أية أفكار حقيقية؟ هل تريدين فقط أن تبدي لطيفة؟ هل هذه هي حياتك فقط؟».

وتابعت قائلة إنه مع انتهاء مقابلتهما التي استغرقت 90 دقيقة، قال أولافو إنه يمنعها من نشر أي من اقتباساته، على الرغم من أن كل الأحاديث كانت مسجلة (بالفعل سجلها كلاهما). وهدد بعرضها على الإنترنت، مضيفة أنه على الرغم من ذلك لم يُقدِم على تحميل الفيديو الخاص بهذه المقابلة على قناته على موقع يوتيوب.

وأضافت أنه بعد توقف قصير، تحولت نبرة صوته فجأة إلى نبرة رسمية، وقال: «أردت منك أن تعرفي أن عائلتي بأكملها مشمئزة منك»، ثم ارتفعت نبرة صوته مرة أخرى وهو يقف قائلًا بغضب: «اخرجي».

وقالت إنها عندما غادرت منزله وسارت على طول الطريق الضيق المحاط بأشجار الصنوبر والأعلام الأمريكية، مارة بشاحنة دودج قديمة عليها ملصق على المصد الخلفي مكتوب عليه «صياد الاشتراكيين»، ثم ركبت سيارتها للعودة إلى المنزل. وتضيف أنها تعجبت منه، إذ كان لقاؤهما درسًا هامًا في فلسفته وأسلوبه: خطاب الكراهية الذي يستهدف الصحافة، والتشكيك في الحقائق التاريخية، وإطلاق التهديدات بحشد متابعيه على الإنترنت لترويع منتقديه.

واختتمت مقالها بالقول: إن أولافو أخبرها بفخر أنه أنشأ «مصنعًا عبقريًا» من خلال تعاليمه على شبكة الإنترنت. وأضاف: «إن تأثيري على ثقافة البرازيل أكبر من أي شيء على الإطلاق تقوم به أي حكومة»، مضيفًا «أنا أغير تاريخ البرازيل الثقافي، فالحكومات تذهب وتظل الثقافة باقية».

دولي

منذ شهر
«ن. تايمز»: لماذا البرازيل هادئة في حين تشعل الاحتجاجات بقية القارة اللاتينية؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد