نشرت صحيفة «واشنطن بوست» تحليلًا للكاتب إيشان ثارور، محرر الشؤون الخارجية، تناول فيه الأوضاع الداخلية في دولة البرازيل، وما يتعرض له رئيسها من ضغوط واتهامات قد تؤدي إلى مساءلته قضائيًا وإقالته من منصبه.

منشورات غريبة الأطوار لرئيس البرازيل

يستهل الكاتب مقاله بالإشارة إلى ما حدث يوم الخميس الماضي، حين واصل الرئيس البرازيلي جاير بولسونارو انتقاده اللاذع والمستمر لمعالجة فيروس كورونا المُستجد على «فيسبوك»، صابًا جام غضبه هذه المرة على توجيهات منظمة الصحة العالمية، مشيرًا على نحو غريب إلى أن الوكالة التابعة للأمم المتحدة تشجع ممارسة الاستمناء والمثلية الجنسية بين الأطفال.

دولي

منذ 8 شهور
«ذي أتلانتك»: تعرف إلى مؤسس اليمين المتطرف في البرازيل وملهم الرئيس بولسونارو

يتناسب المنشور، الذي أزيل لاحقًا، مع ردود بولسونارو المحيرة على تفشي فيروس كورونا المُستجد؛ فأحدها يتميز بإنكار حجم التهديد الذي يمثله الفيروس، والتعبير عن الغضب من الإغلاق الذي فرضه حكام الولايات، والانقسامات العميقة مع بعض مسؤولي حكومته، والدمار البيئي المتسارع لغابات الأمازون، والانتشار المنتظم للفيروس في أكبر دول أمريكا اللاتينية وأكثرها سكانًا.

ويذكر كاتب المقال أن الرئيس البرازيلي لم يتمكن سوى من هز كتفيه دلالة على نفاد صبره يوم الثلاثاء، عندما واجهه صحافيون بشأن وجود أكثر من 5500 حالة وفاة مؤكدة في البلاد بفيروس كورونا. وقال: «وماذا في ذلك؟» وأضاف «أنا آسف. ماذا تريدني أن أفعل؟».

الوضع الصحي في البلاد متردٍّ للغاية

بحسب المقال، يوجد في البرازيل حوالي 80 ألف حالة تأكدت إصابتها بفيروس كورونا المُستجد، لكن الخبراء يقولون إن العدد الحقيقي أعلى بكثير، وربما يصل إلى أكثر من مليون؛ فالجثث تتراكم في المدن الكبرى، حيث يتوقع المسؤولون المحليون زيادة عدد الحالات، بينما لا يزال احتمال الوصول لذروة تفشي المرض على بعد أسابيع. ويزيد حالة عدم اليقين القائمة سوءًا أن حكومة بولسونارو تسيطر على عملية إجراء الاختبارات (للفيروس) غير الكافية على الإطلاق.

منذ الليلة الماضية، تركت الجثث خارج المستشفى في منطقة بارا دا تيجوكا في مدينة ريو لأن المشرحة كانت ممتلئة بالجثث، فالمستشفى تعاني نقصًا في الأطباء، والوضع في ريو يزداد سوءًا.

يشير الكاتب إلى ما أوردته «واشنطن بوست» بأن البلاد «تجري اختبارات الكشف على مواطنين يشتبه في إصابتهم بفيروس كورونا بنسبة تقل 12 مرة عما يحدث في إيران، و32 مرة أقل من الولايات المتحدة»، وهو مقياس مقلق بالنظر إلى أن الولايات المتحدة لا تزال بحاجة إلى تكثيف جهودها في اختبارات الكشف. وأضاف تقرير الصحيفة أن «المرضى الذين يعالجون في المستشفيات لم يُجرَ لهم اختبار. وبعض المهنيين الطبيين لا يجري فحصهم (للتأكد من عدم إصابتهم). والناس تموت في منازلها دون أن يخضعوا للاختبار».

Embed from Getty Images

تراخي البرازيل يقلق جيرانها

يشير الكاتب إلى أن باقي دول العالم بدأت الانتباه للأوضاع في البرازيل، ويتنامى قلق جيران البرازيل على نحو متزايد من نهج التراخي الذي يسود في البلاد ويخشون أن تتحول إلى دولة تنشر الفيروس على مستوى القارة بوتيرة فائقة.

في هذا الصدد، قال الرئيس الأرجنتيني ألبرتو فرنانديز نهاية الأسبوع الماضي: «كثير من المَركبات تأتي من ساو باولو، حيث معدل الإصابة مرتفع للغاية، ولا يبدو لي أن الحكومة البرازيلية تتعامل مع الأمر بالجدية اللازمة». وأضاف: «هذا يقلقني كثيرًا، بالنسبة للشعب البرازيلي، وأيضًا لأن الفيروس يمكن نقله إلى الأرجنتين».

وأفادت وكالة «أسوشيتد برس» أن المسؤولين الأرجنتينيين في الأقاليم المتاخمة للبرازيل يعملون على إنشاء ممرات آمنة حتى يتمكن سائقو الشاحنات البرازيليون من دخول البلاد وتسليم بضائعهم دون الاتصال بالأرجنتين. وتوجد خطط مماثلة تجري على قدم وساق في أوروجواي. أما باراجواي، فأغلقت حدودها وحفرت خندقًا واحدًا على الأقل بين بلدتين حدوديتين لمنع العبور. وتعهد الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، عدو بولسونارو اللدود المسؤول عن بلد مزقته الأزمات، بضمان وجود «حاجز وبائي وعسكري» على طول حدود بلاده مع البرازيل.

رئيس البلاد يضرب بالعلم عرض الحائط

في الولايات المتحدة، حذر حاكم ولاية فلوريدا رون دي سانتيس من المخاطر التي يشكلها المسافرون البرازيليون المتوجهون إلى ولايته، التي تعد موطنًا لعدد كبير من البرازيليين في الشتات.

وقال دي سانتيس: «تتمتع البرازيل بقدرات علمية واقتصادية كبيرة، ولكن من الواضح أن قيادتها تتبنى موقفًا غير علمي من محاربة فيروس كورونا المُستجد». وشاركه في هذا الرأي وزير الصحة السابق في حكومة بولسونارو، لويز هنريكي مانديتا، الذي ترك منصبه الشهر الماضي في ظل ظروف مريرة للغاية.

«بدأ في اتخاذ مواقف معادية للصحة، وحرض الجماهير، وأشاد بأدوية ليس لها أي أساس علمي».

قال مانديتا لصحيفة «واشنطن بوست»، إن بولسونارو «بدأ في اتخاذ مواقف معادية للصحة، وحرض الجماهير، وأشاد بأدوية ليس لها أي أساس علمي»، وأشار إلى رفض الرئيس لفكرة الحاجة إلى فرض الإغلاق في البلاد وهوسه بالترويج لخصائص الشفاء التي يتميز بها عقار هيدروكسي كلوروكوين. وأضاف مانديتا «لا أعتقد أنه أطاح بي»، وإنما «أطاح بالعلم».

بالنسبة لحظوظ بولسونارو في السلطة، تعتبر إقالة مانديتا، وزير الصحة السابق، أقل أهمية من رحيل سيرجيو مورو، وزير العدل الذي ترك منصبه في 24 أبريل (نيسان) الماضي، لكنه لم يتوان قبلها في أن يشجب بولسونارو لسعيه إلى تعيين قائد للشرطة الوطنية أكثر طاعة له، ويمكنه من الناحية النظرية أن يعيق التحقيقات الجارية مع أبناء الرئيس.

بحسب الكاتب، فالاتهامات الموجهة لهم مدمرة، وإذا ثبت صحتها يمكن أن تؤدي إلى إمكانية عزل الرئيس، الذي فقد بالفعل دعمًا كبيرًا من الحلفاء المحافظين والوسطيين بسبب تعامله مع تفشي المرض. وهذا الأسبوع، أذن رئيس القضاء في البلاد بإجراء تحقيق في فساد الرئيس المزعوم وإعاقته العدالة.

مستقبل الديمقراطية في خطر

يرى الكاتب أن بولسونارو يستمر في السير وراء غرائزه المتشددة، ويندد بأعداءً متصورين، بما في ذلك وسائل الإعلام الإخبارية. ويعتمد على قاعدته النشيطة لتبديد أي زخم سياسي قد يتشكل للإطاحة بالرئيس.

صحة

منذ 5 شهور
«الإندبندنت»: لماذا تشهد هذه الدولة أعلى معدل لوفيات كورونا في العالم؟

كتب بريان وينتر في مجلة «أميريكاز كوارترلي»: «لا تستهن بقوة القبلية في عصر وسائل التواصل الاجتماعي؛ ولا سيما القبيلة التي تضم الكثير من الجيش، والشرطة، وسائقي الشاحنات، والمجموعات الهائلة الأخرى التي تدور في فلكها». وتساءل «كيف سيتصرفون إذا كان زعيمهم مهددًا حقًا؟».

ويختم المقال بأن هذا يثير أسئلة مقلقة بشأن مستقبل الديمقراطية في البرازيل؛ فالرئيس البرازيلي معجَب بالدكتاتورية العسكرية في بلاده وهذا أمر موثق تمامًا، وقد حقق مسيرة سياسية هامشية من خلال ازدرائه لليسار، والفقراء، والسكان الأصليين، ومجتمع المثليين. وحينما وصل للسلطة، اكتفى بالتسلح بتلك المظالم.

تفاءل بعض المحللين بأن البرازيل يمكن أن تتجاوز هذه العاصفة. وقال سيرجيو دافيلا، رئيس تحرير صحيفة «فولها دي إس باولو»، إحدى الصحف البارزة في المقاطعة، لصحيفة «نيويوركر»: «إن نظام الضوابط والتوازنات يؤدي الغرض منه». وأضاف أن: «المحكمة العليا تقوم بعملها. والكونجرس يقوم بعمله. ويرفض الكثير من المقترحات الغريبة الواردة من السلطة التنفيذية». ولكن في خضم الجائحة، لم يعد النظام السياسي في البرازيل فقط هو الذي يتعرض للضغوط.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد